"الشبكة السورية" ترصد تداعيات المرسوم رقم "39" على الحقوق والحريات وسيادة القانون
"الشبكة السورية" ترصد تداعيات المرسوم رقم "39" على الحقوق والحريات وسيادة القانون
أوضحت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في سياق تعليقها على المرسوم رقم “39” الصادر في 18 فبراير الجاري، والمتضمن منح عفو عام عن الجرائم المرتكبة قبل تاريخ صدوره، أن المرحلة الانتقالية الحالية تتطلب تدابير تسهم في تحقيق الاستقرار وإصلاح المنظومة العدلية، لكنها شددت على أن أي إجراء واسع الأثر على الحقوق والحريات يستوجب أعلى درجات الوضوح في أساسه الدستوري والقانوني، ويستلزم بيان نطاقه وضوابطه بما لا يخل بمبادئ المساءلة وسيادة القانون.
الاختصاص وفق الإعلان الدستوري
ونوهت الشبكة في تقرير صدر السبت على موقعها الرسمي بأن الإعلان الدستوري ينص على مبدأ الفصل بين السلطات ويحدد اختصاصات كل سلطة خلال المرحلة الانتقالية، وبحسب نصوص الإعلان، تقع صلاحية إقرار العفو العام ضمن مهام مجلس الشعب، بينما تقتصر صلاحية رئيس الجمهورية على منح العفو الخاص ورد الاعتبار، واعتبرت الشبكة أن إصدار العفو العام بصيغة مرسوم يثير تساؤلات دستورية حول الجهة المختصة والأداة القانونية الواجب اتباعها، ما قد يشكل عيباً في الاختصاص يمس جوهر المشروعية الدستورية للإجراء.
أثر العفو على سيادة القانون والفصل بين السلطات
تؤكد الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن احترام قواعد توزيع الاختصاصات بين السلطات يشكل ضمانة دستورية تحمي من تداخل الصلاحيات وتدعم مبدأ المساءلة وتمنع إفراغ المؤسسات من أدوارها خلال المرحلة الانتقالية، كما أن التقيد بالإجراءات المنصوص عليها في الإعلان الدستوري يضمن توحيد الممارسة القانونية والمؤسسية ويحد من التفسيرات المتباينة عند التنفيذ ويعزز قابلية القرارات للرقابة والمراجعة القضائية، بما يرسخ الثقة العامة في شرعية التدابير المتخذة.
الحاجة إلى وضوح المعايير والضمانات
يتضمن المرسوم استثناءات تتعلق بـ"الانتهاكات الجسيمة بحق الشعب السوري"، وهي صياغة عامة يمكن أن تُفسر بطرق متعددة ما لم تُضبط بتعريفات قانونية دقيقة تحدد مضمونها ومعاييرها وحدودها، وشددت الشبكة على أن أي إطار للعفو، ولا سيما إذا كان واسع الأثر، يجب أن يرتبط بمعايير موضوعية واضحة، وإجراءات شفافة، وضمانات قضائية فعالة تضمن التطبيق المتسق، وتحمي حقوق الضحايا، وتمنع أي تأثيرات غير مقصودة على مسار المساءلة وعدم الإفلات من العقاب.
توصيات الشبكة
رأت المنظمة الحقوقية أنه يجب مراجعة الأساس الدستوري والإجرائي للمرسوم لضمان اتساقه مع نص الإعلان الدستوري وتوزيع الاختصاصات بين السلطات، ومعالجة أي شبهة متعلقة بعيب الاختصاص بشكل مؤسسي واضح، كما دعت إلى توضيح تعريفات ومعايير الاستثناءات المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة وإعلان آليات تطبيقها وضمانات التحقق منها بصورة شفافة وقابلة للمراجعة، وأكدت ضرورة ضمان اتساق أي خطوات تتصل بالعفو العام مع الالتزامات المتعلقة بالعدالة الانتقالية المرتكزة على الضحايا، ومع مبادئ المساءلة وعدم الإفلات من العقاب، بما يحفظ الحق في الانتصاف الفعال، كما شددت الشبكة على أن القرارات المرتبطة بتنفيذ المرسوم يجب أن تخضع للرقابة القضائية لضمان حماية الحقوق وتوحيد التطبيق ومنع التعسف.
يشكل العفو العام في أي دولة أداة قانونية حساسة تتطلب توازناً دقيقاً بين تحقيق الاستقرار السياسي وحماية حقوق الأفراد وضمان المساءلة، وفي سياق المرحلة الانتقالية في سوريا، تعتبر الشفافية والوضوح في الإجراءات القانونية محورين رئيسيين لضمان عدم المساس بمبادئ الفصل بين السلطات وسيادة القانون.
ويأتي هذا في وقت يشهد فيه المجتمع السوري الحاجة الماسة لإصلاح قطاع العدالة ومعالجة آثار الحقبة السابقة بطريقة تحفظ حقوق الضحايا وتدعم بناء مؤسسات دولة القانون على أسس سليمة ومستدامة، كما تشير الدراسات الدولية إلى أن العفو العام دون إطار واضح للمعايير والإجراءات والرقابة القضائية قد يؤدي إلى تراجع الثقة العامة بالمؤسسات ويضعف مبدأ المساءلة، وهو ما يجعل مراجعة المرسوم ومراقبته قضائياً أمراً ضرورياً للحفاظ على الحقوق والحريات الأساسية في البلاد.
وتؤكد الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن معالجة آثار الحقبة السابقة وإصلاح قطاع العدالة يتطلبان مساراً قانونياً منضبطاً يوازن بين مقتضيات الاستقرار من جهة ومتطلبات الشرعية الدستورية وحماية حقوق الضحايا من جهة أخرى، بما يدعم بناء مؤسسات دولة القانون على أسس سليمة ومستدامة ويضمن احترام المبادئ الأساسية للعدالة والمساءلة خلال المرحلة الانتقالية.










