منظمات حقوقية تطالب بتسليم مادورو ومحاكمته في الأرجنتين على جرائم ضد الإنسانية
منظمات حقوقية تطالب بتسليم مادورو ومحاكمته في الأرجنتين على جرائم ضد الإنسانية
دعت منظمات غير حكومية أرجنتينية، الأحد، القضاء في بلادها إلى التحرك العاجل لطلب تسليم الرئيس الفنزويلي المعتقل في الولايات المتحدة نيكولاس مادورو إلى بوينوس إيرس، في تطور قضائي لافت يعيد إلى الواجهة ملفات العدالة الدولية، تمهيداً لملاحقته قضائياً على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، في خطوة وصفت بأنها اختبار حقيقي لمدى فاعلية مبدأ الولاية القضائية العالمية.
جاءت هذه الدعوة عقب إعلان السلطات الأمريكية، إلقاء القبض على الرئيس مادورو ونقله إلى الأراضي الأمريكية وإيداعه السجن، على أن يمثل اليوم الاثنين أمام القضاء في نيويورك لمواجهة سلسلة من الاتهامات الجنائية، ومنها قضايا تتعلق بالإرهاب المرتبط بالمخدرات وفق فرانس برس.
القبض في نيويورك وارتدادات دولية
عملية الاعتقال التي نُفذت داخل الولايات المتحدة أعادت خلط الأوراق في أكثر من مسار قضائي دولي، إذ ترى منظمات حقوقية أن وجود مادورو رهن الاحتجاز يفتح نافذة نادرة لمحاسبته على انتهاكات جسيمة ارتكبت بحق مدنيين فنزويليين على مدى سنوات، هذه المنظمات تعتبر أن العدالة ينبغي ألا تتجزأ بين اتهامات جنائية وأخرى إنسانية، وأن الجرائم ضد الإنسانية يجب أن تكون في صدارة أي محاكمة محتملة.
القضاء الأمريكي من جهته يستعد للنظر في ملفات اتهام تتعلق بجرائم عابرة للحدود، في حين تسعى منظمات أرجنتينية إلى تفعيل مسار موازٍ يستند إلى تحقيقات قائمة بالفعل في بوينوس إيرس، معتبرة أن اختصاص القضاء الأرجنتيني لا يسقط بوجود إجراءات قضائية في دولة أخرى.
دعوة رسمية للتسليم الفوري
المنظمات غير الحكومية التي تمثل مدعين فنزويليين تقدمت بمناشدة رسمية إلى القضاء الأرجنتيني تطالبه بطلب التسليم الفوري لنيكولاس مادورو موروس، استناداً إلى أوامر اعتقال صدرت بحقه سابقاً، هذه المنظمات شددت على أن الجرائم المنسوبة إليه تندرج ضمن أخطر الانتهاكات التي يطولها القانون الدولي، وأن الضحايا ينتظرون منذ سنوات فرصة حقيقية لسماع صوتهم أمام محكمة مستقلة.
الطلب المقدم يضع السلطات القضائية الأرجنتينية أمام مسؤولية سياسية وقانونية حساسة، في ظل تداخل الاعتبارات الدبلوماسية مع واجب إنفاذ العدالة، ولا سيما أن القضية تحظى بمتابعة دولية واسعة.
أوامر اعتقال سابقة وتحقيقات مفتوحة
التحرك الأخير لم يأتِ من فراغ، إذ كان قاضٍ أرجنتيني قد أصدر في عام 2024 أمراً باعتقال مادورو في إطار تحقيق موسع بشأن جرائم ضد الإنسانية، مستنداً إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية الذي يتيح للأرجنتين النظر في قضايا الانتهاكات الجسيمة بغض النظر عن مكان ارتكابها أو جنسية مرتكبيها.
التحقيق القضائي خلص إلى وجود ما وصفه بخطة منهجية للقمع في فنزويلا، شملت الإخفاء القسري والتعذيب والقتل والاضطهاد الممنهج ضد جزء من السكان المدنيين، ونُفذت على الأقل منذ عام 2014 وحتى اليوم، وبناءً على هذه المعطيات صدرت أوامر اعتقال لم تطلْ مادورو وحده، بل شملت أيضاً وزيره ديوسدادو كابيو.
دور المجتمع المدني والمنظمات الدولية
الحراك القضائي الحالي تقوده منظمات غير حكومية أرجنتينية وفنزويلية عملت لسنوات على جمع الأدلة وتوثيق الشهادات، وفي عام 2023، كانت منظمتان بارزتان هما مؤسسة جورج وأمل كلوني والمنتدى الأرجنتيني للدفاع عن الديمقراطية قد رفعتا دعوى مشتركة أمام القضاء الأرجنتيني بشأن أفعال الحكومة الفنزويلية، قبل أن يتم لاحقاً دمج الدعاوى في مسار قضائي واحد.
هذه المنظمات ترى أن اللحظة الراهنة تشكل فرصة لا يجوز تفويتها، خصوصاً في ظل تزايد الدعوات الدولية لمحاسبة المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان، بغض النظر عن مناصبهم السياسية أو الحصانات التي تمتعوا بها سابقاً.
الأرجنتين وتجربة الولاية القضائية العالمية
ليست هذه المرة الأولى التي يلجأ فيها القضاء الأرجنتيني إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية، ففي عام 2021 فتح تحقيقاً يتعلق باتهامات موجهة إلى عسكريين في ميانمار بارتكاب جرائم بحق أقلية الروهينغا، في خطوة لاقت حينها إشادة واسعة من منظمات حقوق الإنسان.
هذا السجل القضائي يمنح مصداقية إضافية للمطالب الحالية، ويعزز من موقع الأرجنتين بوصفها إحدى الدول القليلة التي تسعى إلى ترجمة مبادئ العدالة الدولية إلى إجراءات ملموسة، حتى عندما تتعلق القضايا بزعماء دول أو شخصيات نافذة.
بين العدالة والسياسة
يبقى السؤال المطروح هو: ما مدى استعداد الدول المعنية للتعاون في ملف تسليم مادورو، في ظل تعقيدات سياسية وقانونية متعددة؟ فالولايات المتحدة قد تفضل الاحتفاظ به لمحاكمته على أراضيها، في حين تصر منظمات حقوقية على أن الجرائم ضد الإنسانية يجب أن تُمنح الأولوية، وأن تعدد المسارات القضائية ينبغي ألا يتحول إلى وسيلة للإفلات من العقاب.
في المقابل يرى مراقبون أن أي خطوة نحو تسليم مادورو إلى الأرجنتين ستشكل سابقة تاريخية، وقد تفتح الباب أمام ملاحقات مماثلة بحق مسؤولين آخرين متهمين بانتهاكات جسيمة.
تعتمد الولاية القضائية العالمية على مبدأ قانوني يتيح للدول محاكمة مرتكبي أخطر الجرائم الدولية، مثل الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، بغض النظر عن مكان وقوع الجريمة أو جنسية الضحايا والجناة، وقد تبنت الأرجنتين هذا المبدأ في تشريعاتها، مستفيدة من تجربتها التاريخية في محاكمة المسؤولين عن انتهاكات حقبة الحكم العسكري، وفي السياق الفنزويلي، وثقت منظمات دولية منذ عام 2014 أنماطاً واسعة من القمع، شملت استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين، وعمليات اعتقال تعسفي، وتعذيب داخل مراكز الاحتجاز، ما دفع العديد من الضحايا إلى البحث عن العدالة خارج حدود بلادهم.











