تحذير فرنسي لواشنطن: أي مساس بجزيرة غرينلاند يهدد الشراكة الاقتصادية عبر الأطلسي

تحذير فرنسي لواشنطن: أي مساس بجزيرة غرينلاند يهدد الشراكة الاقتصادية عبر الأطلسي
وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور

أطلق وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور تحذيرا صريحا للولايات المتحدة من مغبة أي تحرك يستهدف جزيرة غرينلاند، معتبرا أن مثل هذا السيناريو سيشكل تجاوزا خطرا للخطوط السياسية والقانونية، وقد يفتح الباب أمام أزمة غير مسبوقة في العلاقات الاقتصادية بين أوروبا وواشنطن.

وجاءت هذه التصريحات في حديث لصحيفة فاينانشال تايمز نشرت رويترز مضمونه، اليوم الجمعة، حيث نقلت الصحيفة أن ليسكور أبلغ وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بأن أي محاولة للاستيلاء على غرينلاند ستضع العلاقات عبر الأطلسي أمام اختبار قاس، وتهدد أسس التعاون الاقتصادي القائم بين الطرفين منذ عقود.

غرينلاند والسيادة الأوروبية

أكد الوزير الفرنسي أن غرينلاند جزء من دولة ذات سيادة، كما أنها تندرج ضمن الإطار الأوروبي، مشددا على أن هذه الحقيقة لا تحتمل الجدل أو المساومة، واعتبر أن مجرد طرح فكرة العبث بوضع الجزيرة يمس بشكل مباشر بسيادة الدول الأوروبية وبالنظام الدولي القائم على احترام الحدود والقانون الدولي.

وأضاف أن أوروبا لا يمكنها التعامل مع مثل هذه الخطوات على أنها مجرد تصريحات عابرة، بل تنظر إليها بوصفها تهديدا مباشرا للاستقرار السياسي والاقتصادي في المنطقة القطبية، التي تكتسب أهمية استراتيجية متزايدة في ظل التغيرات المناخية والصراعات الجيوسياسية.

سيناريو العقوبات مطروح

وعند سؤاله عن احتمال لجوء الاتحاد الأوروبي إلى فرض عقوبات اقتصادية في حال أقدمت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على غزو جزيرة غرينلاند، لم يستبعد ليسكور هذا الخيار، مؤكدا أن العالم سيدخل في مرحلة جديدة تماما إذا تحقق هذا السيناريو. وأوضح أن أوروبا ستكون مضطرة حينها إلى اتخاذ مواقف تتناسب مع خطورة الحدث، حتى لو شمل ذلك إجراءات اقتصادية غير مسبوقة ضد شريكها التقليدي.

وأشار إلى أن الحديث عن العقوبات لا يزال افتراضيا، لكنه يعكس حجم القلق الأوروبي من أي مساس بقواعد السيادة، ويؤكد أن العلاقات الاقتصادية لا يمكن أن تبقى بمنأى عن التطورات السياسية الكبرى.

قلق أوروبي متصاعد

تصريحات ليسكور تعكس حالة من القلق المتزايد داخل العواصم الأوروبية إزاء الخطاب الأمريكي المتكرر حول غرينلاند، والذي أعاد إلى الواجهة مخاوف قديمة من نزعة أحادية قد تقوض الشراكات الدولية، ويرى مسؤولون أوروبيون أن أي محاولة لتغيير وضع الجزيرة بالقوة ستقوض الثقة المتبادلة، وتلقي بظلالها على ملفات اقتصادية حساسة، من التجارة إلى الاستثمار والطاقة.

وتخشى أوروبا أن يؤدي التصعيد في هذا الملف إلى زعزعة استقرار الأسواق، في وقت يعاني فيه الاقتصاد العالمي من تحديات متراكمة، تشمل التضخم وتباطؤ النمو واضطراب سلاسل الإمداد.

واشنطن تحت المجهر

في المقابل، يضع هذا التحذير الفرنسي الإدارة الأمريكية تحت ضغط دبلوماسي متزايد، خصوصا أن العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تمثل إحدى كبريات الشراكات التجارية في العالم، ويخشى مراقبون أن يؤدي أي تصعيد غير محسوب إلى حرب تجارية أو إلى إعادة رسم التحالفات الاقتصادية على نحو يضر بمصالح الطرفين.

ويرى محللون أن اللهجة الحازمة الصادرة من باريس قد تشجع عواصم أوروبية أخرى على اتخاذ مواقف مماثلة، في محاولة لإرسال رسالة موحدة إلى واشنطن مفادها أن أمن أوروبا وسيادتها ليسا موضع تفاوض.

تداعيات محتملة على الاقتصاد العالمي

أي صدام اقتصادي بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لن يقتصر أثره على الطرفين فحسب، بل سينعكس على الاقتصاد العالمي ككل، فالتبادل التجاري الضخم بين الجانبين يشكل ركيزة أساسية للاستقرار المالي العالمي، وأي اضطراب فيه قد يؤدي إلى تقلبات حادة في الأسواق، وارتفاع تكاليف التجارة، وتراجع الاستثمارات العابرة للحدود.

كما أن غرينلاند نفسها تعد منطقة غنية بالموارد الطبيعية، ما يجعلها محط أنظار القوى الكبرى، ويضيف بعدا اقتصاديا واستراتيجيا معقدا لأي تحرك سياسي أو عسكري محتمل.

تتمتع غرينلاند بوضع خاص كونها إقليما يتمتع بالحكم الذاتي ضمن مملكة الدنمارك، كما ترتبط بالاتحاد الأوروبي من خلال علاقات سياسية واقتصادية معقدة رغم خروجها الرسمي من الجماعة الأوروبية في 1985. وخلال السنوات الأخيرة، ازدادت أهمية الجزيرة الاستراتيجية بسبب موقعها الجغرافي وثرواتها المعدنية وذوبان الجليد الذي فتح آفاقا جديدة للملاحة والموارد. وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أثار جدلا واسعا خلال ولايته الأولى عندما لمح إلى رغبته في شراء غرينلاند، وهو ما قوبل برفض قاطع من الدنمارك وأثار استياء أوروبيا واسعا، وتعود هذه القضية اليوم إلى الواجهة في ظل تصاعد التنافس الدولي في القطب الشمالي، ما يجعل أي تحرك بشأنها محفوفا بتداعيات سياسية واقتصادية عميقة.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية