"السبت الأسود" يطارد فيكتوريا مجدداً.. أستراليا تشهد موجة حر وحرائق تهدد الحق في الحياة

"السبت الأسود" يطارد فيكتوريا مجدداً.. أستراليا تشهد موجة حر وحرائق تهدد الحق في الحياة
اندلاع حرائق الغابات في فيكتوريا

أطلق مفوض إدارة الطوارئ بولاية فيكتوريا في أستراليا، تيم ويبوش، تحذيراً واصفاً الظروف الجوية بأنها "بالغة الخطورة"، في إشارة واضحة إلى أن الدولة أمام اختبار مباشر لواجباتها في حماية الحق في الحياة والسلامة الجسدية.

قال ويبوش إن فيكتوريا لم تشهد مثل هذه الظروف منذ ما يقرب من 20 عامًا، وإن آخر مرة شهدت فيها مثل هذه الموجات كانت عام 2009 قبل حرائق "السبت الأسود"، وفق ما نقلته صحيفة “الغارديان” البريطانية، الأحد.

ومع هذا التحذير، بدا واضحًا أن الخطر لا يقتصر على حرائق الغابات وحدها، بل يمتد إلى كسر "الضمانات الأساسية" التي يفترض أن توفرها الدولة في أوقات الطوارئ، خصوصًا عندما تتصاعد درجات الحرارة لتقترب من 50 درجة مئوية في بعض المناطق.

ركّز التحذير على أن موجة الحرّ الحالية هي الأسوأ منذ عقدين، وأنها تشكل تهديدًا مباشرًا لصحة الإنسان والبنية التحتية، في إشارة ضمنية إلى أن الدولة مطالبة بالاستجابة وفقًا لالتزاماتها الدولية والمحلية في حماية الحق في الصحة والحق في بيئة آمنة، بحسب صحيفة "هيرالد صن" الأسترالية.

وجاءت هذه التحذيرات مع استمرار ستة حرائق كبيرة في أنحاء الولاية، أربعة منها خارج السيطرة يوم الأحد، وهو ما يضيف بعدًا حقوقيًا شديد الوضوح: عندما تتعرض المجتمعات لخطر متزايد، يصبح الإهمال أو البطء في الاستجابة انتهاكًا مباشرًا لحق السكان في الحماية والأمان.

الحرائق تهدد المدن

تقدّم حريق نهر كارلايل باتجاه بلدة جيليبراند لمسافة كيلومتر واحد بعد أن اتسع نطاقه، حيث امتد إلى نحو 8000 هكتار، في تطور يضع السكان في مواجهة مباشرة مع خطر فقدان المنازل والحياة. 

وأكد كبير مسؤولي مكافحة الحرائق في إدارة حرائق الغابات في فيكتوريا، كريس هاردمان، أن حريق أوتوايز يمثل "أولوية قصوى"، وأنه تجاوز خطوط الاحتواء ليلة السبت بسبب اجتماع الرياح والحرارة الشديدة.

ويعني هذا أن المجتمعات المحيطة بجيليبراند تواجه تهديدًا مباشرًا لا يقتصر على الدخان والحرارة، بل يمتد إلى احتمال تدمير الممتلكات وفقدان السكن، وهو ما يرتبط بشكل مباشر بالحق في السكن الآمن والحق في حماية الممتلكات.

أُصدر التحذير الطارئ المُحدّث نحو الساعة الثامنة صباحًا، مطالبًا سكان جيليبراند بالاحتماء مع استمرار تقدم الحريق نحو المدينة، وقال التحذير: "اتسع نطاق الحريق خلال الليل وأصبح الآن على بُعد كيلومتر واحد من جيليبراند.. وقد يؤثر هذا الحريق في المنازل والأرواح في جيليبراند"، ثم خفّضت السلطات مستوى التحذير في مدن مجاورة إلى "مراقبة وتأهب" خلال الليل، قبل أن يعود التحذير للحدة في حالة تغير الظروف، ما يضع السكان في حالة عدم يقين دائم، ويطرح تساؤلات حقوقية حول مدى وضوح وفعالية نظام الإنذار والإخلاء، ومدى قدرة الدولة على ضمان وصول المعلومات بشكل سريع ودقيق إلى كل السكان، ومنهم الأكثر هشاشة.

حالة من الخوف والتوتر

سجّل السكان حالة من الخوف والتوتر في سردياتهم الشخصية، ما يعكس أن الخطر لم يعد مجرد حدث بيئي، بل تجربة يومية تتداخل فيها الحقوق الإنسانية مع الواقع القاسي للطوارئ.

قالت إيلين سمايل، من سكان جيليبراند، إنها أُجبرت على الإخلاء بعد أسبوعين من إخلاء سابق، وإنها "تشعر بتدهور حالتهم كل ساعة"، وإن النار وصلت إلى مسافة قريبة من منزلها، وإنها خسرت قطة من حيواناتها الأليفة، وإنها حملت معها "رماد ابنها" الذي توفي سابقًا. وتعكس هذه الرواية أن الحق في الأمان لا يقتصر على الحماية الفيزيائية فقط، بل يمتد إلى حماية الكرامة الإنسانية والقدرة على العيش في بيئة مستقرة.

تكرّرت أيضًا سرديات أخرى، مثل ما قاله روب مورفي أحد سكان جيليبراند الذي وصف الجو بأنه "غريب" وأنه رأى وهج النار من أماكن متفرقة، وأن النار وصلت إلى مسافة كيلومتر واحد من الحانة التي يحتمي فيها.

وأضاف أن البلدة أُخليت قبل أسبوعين، لكن الوضع هذه المرة "أقرب بكثير"، وأن الحريق "يؤثر بشكل مباشر في ممتلكات الناس الآن".

الحق في الصحة

دفع دخان حرائق أوتوايز منطقة ملبورن الكبرى وجيلونج إلى تحذيرات بشأن تدهور جودة الهواء، وهو ما يطرح بُعدًا صحيًا مباشرًا: تدهور الهواء يهدد الحق في الصحة، ويزيد خطر الأمراض التنفسية والضغط على الخدمات الصحية.

أكدت السلطات أن الدخان يتحرك شرقًا، ومن المتوقع أن يصل إلى مناطق أخرى مثل بالارات، ما يعني أن التأثير لا يقتصر على مناطق الحريق، بل يمتد إلى المدن والريف، ويشمل السكان الأكثر ضعفًا مثل الأطفال وكبار السن والمرضى.

حذّر مكتب الأرصاد الجوية من أن أجزاءً من شمال الولاية قد تشهد سبعة أيام متتالية تتجاوز فيها درجات الحرارة 40 درجة مئوية، وأن يوم الثلاثاء هو "الأشد خطورة" بالنسبة لاندلاع الحرائق، مع توقع درجات حرارة قياسية، خصوصاً في المناطق الغربية.

وذكرت الأرصاد أن ميلدورا ستصل إلى 44 درجة يوم الأحد، وأنها قد تتجاوز 40 درجة خلال الأيام الستة التالية، وأنها قد تصل إلى 48 درجة يوم الثلاثاء، في حين تتوقع أن تصل درجة الحرارة في ملبورن إلى 43 درجة يوم الثلاثاء، وفي هوبتاون ووالبيوب إلى 48 درجة يوم الثلاثاء، وفي هاميلتون إلى 46 درجة، وفي هورشام إلى 47 درجة.

حماية السكان

رفع هذا المشهد حقوق الإنسان إلى مستوى الواجهة؛ لأن موجات الحرارة الشديدة ليست مجرد أرقام، بل تهديد مباشر للحق في الصحة والسلامة، وتشير هذه الأرقام إلى أن الدولة مطالبة بإجراءات استباقية لحماية السكان، خصوصًا مع تزايد مخاطر ضربة الشمس والإنهاك الحراري، وهو ما يؤكده التحذير الذي أصدرته هيئة إسعاف فيكتوريا بعد استجابتها لبلاغ عن احتجاز 11 طفلًا داخل سيارات ساخنة يوم السبت.

حذّر قائد الصحة العامة في الهيئة، ديل أرمسترونغ، من أن "السيارات الساخنة قد تكون قاتلة"، وأن درجة الحرارة داخل السيارة يمكن أن تتضاعف وتصبح قاتلة في غضون دقائق. وأضاف أن السكان يجب أن يتخذوا خطوات وقائية لتجنب أمراض مثل ضربة الشمس.

إعصار وموجة حر

وسّعت التغطيات الإخبارية نطاق الخطر ليشمل غرب أستراليا، حيث يتجه الإعصار الاستوائي "لوانا" نحو اليابسة بعد أن تشكل قبالة سواحل بروم، شمال غرب الولاية، وفقاً لهيئة البث الأسترالية الخاصة (SBS News).

قال جوناثان هاو، كبير خبراء الأرصاد الجوية في مكتب الأرصاد الجوية، إن الإعصار يتجه نحو شبه جزيرة دامبير، وإنه قد يشتد ليصبح من الفئة الثانية قبل أن يصل إلى اليابسة، مع سرعة رياح تصل إلى 140 كيلومترًا في الساعة حول مركزه، و120 كيلومترًا في الساعة على الأطراف.

وأضاف أن سكان كيمبرلي "معتادون" على إجراءات السلامة أثناء الأعاصير، لكنه حذر المصطافين من ضرورة توخي الحذر الشديد.

ونبه هاو أيضًا إلى احتمال حدوث فيضانات مع توغل الإعصار في الداخل، وأن الطرق قد تُقطع، وأن الناس قد يجدون أنفسهم عالقين خلال موسم العطلات، وهذا يفتح بُعدًا آخر: الحق في التنقل والسلامة أثناء الطوارئ، وضرورة وجود خطط إخلاء واضحة، ومراكز إيواء كافية، وإعلام دقيق.

وحذّر المكتب من موجة حر شديدة ومطولة تجتاح ولايات نيو ساوث ويلز وجنوب أستراليا وفيكتوريا وجنوب كوينزلاند، مع احتمال تسجيل درجات حرارة قياسية خلال الأسبوع المقبل.

وقال هاو إن هذه الموجة قد تكون العليا منذ صيف 2019–2020، وإنها قد تتسبب في أرقام قياسية غير مسبوقة في يناير، مضيفاً أن خطورة الموجة تكمن في طول مدتها، حيث من المرجح أن تشهد المناطق الداخلية موجة حر تستمر من خمسة إلى سبعة أيام، تراوح فيها درجات الحرارة بين 40 و45 درجة مئوية، مع توقع تجاوز 40 درجة في أديلايد وملبورن يوم السبت، ووصول درجة الحرارة في أديلايد إلى 43 درجة، وفي المناطق الداخلية من فيكتوريا ونيو ساوث ويلز إلى نحو 45 درجة، وفي بورت أوغستا إلى 47 درجة.

ربط هذا التحذير بين موجة الحرّ والحرائق، ما يعزز المنطق الحقوقي: حين تلتقي موجة حر طويلة مع حرائق واسعة، تصبح البيئة غير آمنة، ويصبح الحق في الحياة والحق في الصحة في خطر مباشر، وتصبح الدولة أمام واجب حماية السكان عبر الإنذار المبكر، وتوفير خدمات الطوارئ، وتأمين مراكز الإيواء، وتقديم دعم للفئات الأكثر هشاشة.

أظهرت أحداث فيكتوريا أن الحرائق وموجات الحر ليست مجرد كوارث طبيعية، بل أزمات حقوقية تتطلب استجابة فورية ومدروسة، ويجب أن تظل الحقيقة الأساسية واضحة: الحق في الحياة والسلامة الجسدية والحق في الصحة والحق في بيئة آمنة ليست رفاهية، بل التزام دستوري وإنساني.

وفي لحظة تزايد الكوارث المناخية يصبح اختبار الدولة في حماية هذه الحقوق ليس فقط في الاستجابة للحدث، بل في بناء القدرة على الوقاية والحد من المخاطر قبل وقوعها، وتوفير الدعم المستمر للمجتمعات المتضررة، وضمان عدم تكرار سيناريوهات "السبت الأسود".



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية