"حقوق الإنسان" تحذر: قيود إسرائيلية تخنق حق الحياة والتنقل في غزة
"حقوق الإنسان" تحذر: قيود إسرائيلية تخنق حق الحياة والتنقل في غزة
أدان مركز غزة لحقوق الإنسان بشدة القيود الإسرائيلية المشددة التي رافقت اليوم الأول لبدء السفر عبر معبر رفح من الجانب الفلسطيني، معتبرا أن ما جرى لا يمكن فصله عن سياسة التحكم والسيطرة المفروضة على سكان قطاع غزة، وأكد المركز أن الإجراءات المتبعة عكست هيمنة إسرائيلية كاملة على مجريات السفر، في انتهاك مباشر لحرية التنقل والحقوق الأساسية للسكان المدنيين، وفي مقدمتها الحق في العلاج والرعاية الصحية.
وذكر المركز في بيان نقلته وكالة أنباء صفا الثلاثاء أن السلطات الإسرائيلية تدخلت بشكل مباشر في قوائم المسافرين، رغم أن جميعهم من المرضى ومرافقيهم، حيث وافقت على سفر 5 مرضى فقط من أصل 50 حالة، على الرغم من خطورة أوضاعهم الصحية وحاجتهم الماسة للعلاج خارج القطاع، وهو ما اعتبره المركز إجراء تعسفيا يرقى إلى الحرمان المتعمد من الحق في الحياة.
تعطيل وترهيب
اعتبر مركز غزة لحقوق الإنسان أن تقليص عدد المسافرين بهذه الطريقة أدى فعليا إلى تعطيل سفر الغالبية الساحقة من المرضى، وتركهم في مواجهة مصير صحي مجهول داخل قطاع يعاني من انهيار شبه كامل في المنظومة الطبية، وأوضح أن هذا السلوك يشكل انتهاكا واضحا للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، اللذين يكفلان للمدنيين حق الحصول على العلاج دون تمييز أو قيود تعسفية.
لم تقتصر الانتهاكات على منع السفر أو تقليص أعداد المسافرين، بل امتدت إلى الطريقة التي جرى فيها التعامل مع المرضى ومرافقيهم. فقد أدان المركز إجبار المسافرين على المرور عبر ممر محاط بالأسلاك الشائكة وكاميرات المراقبة، في مشهد وصفه بأنه يعكس سياسة ترهيب ممنهجة، وأشار إلى أن هذه الإجراءات تترك آثارا نفسية قاسية، لا سيما على النساء وكبار السن والمرضى، وتعيد إنتاج بيئة الإذلال والعقاب الجماعي المفروضة على سكان القطاع.
انتهاكات بحق العائدين
توقف المركز عند الانتهاكات الخطيرة التي تعرض لها العائدون إلى قطاع غزة، والذين لم يتجاوز عددهم 12 شخصا، ووثق اعتقال 3 نساء وتقييد أيديهن لساعات طويلة، إضافة إلى احتجاز عدد من العائدين لدى مليشيا مسلحة شكلتها إسرائيل، قبل نقلهم إلى موقع تابع للجيش الإسرائيلي، وهناك خضعوا لتحقيق استمر نحو 3 ساعات، تخللته أسئلة مهينة ومحاولات تحريض ضد فصائل فلسطينية، في ممارسات تنتهك الكرامة الإنسانية وقواعد حماية المدنيين.
قدمت شهادات عدد من النساء العائدات صورة مؤلمة عن حجم الخوف والتوتر الذي رافق رحلة العودة، تحدثت إحداهن عن شعورها بالقلق الشديد أثناء التفتيش من قبل الجيش الإسرائيلي، رغم خضوعها للتفتيش مسبقا في الجانب المصري من معبر رفح وعند نقطة وجود البعثة الأوروبية، وأضافت أن الجنود واصلوا طرح الأسئلة حول أسباب عودتهن، وكأن العودة إلى الوطن تحتاج إلى مبرر أو إذن خاص.
وسردت سيدة أخرى أن المرور عبر الممر كان أشبه بمسار عسكري طويل، توقفت خلاله الحافلات عند نقاط تفتيش متعددة، وسط ضغوط نفسية مستمرة من الجنود والمراقبين، وأكدت أن ساعات الانتظار الطويلة زادت من حدة التوتر والخوف، وأن الترهيب كان حاضرا في كل تفصيل من تفاصيل الرحلة.
اعتقال وتقييد وإهانات
أوضح المركز أن الانتهاكات الإسرائيلية لم تتوقف عند حدود المضايقات النفسية، بل شملت الاعتقال وتقييد الأيدي، فقد جرى اعتقال 3 نساء أثناء عودتهن، ثم نقلهن إلى موقع للجيش الإسرائيلي واحتجازهن لساعات للتحقيق في أسباب عودتهن ومواقفهن السياسية، وفي إحدى الإفادات قالت سيدة إن الجنود قاموا بتغطية أعينها وتقييد يديها ووالدتها وسيدة ثالثة، وطرحوا عليهن أسئلة لا يعرفن عنها شيئا، كما حاولوا الضغط على إحداهن للتعاون وتقديم معلومات.
بحسب الشهادات التي تابعها مركز غزة لحقوق الإنسان، تحولت عملية العودة عبر المعبر إلى رحلة عذاب حقيقية، مليئة بالخوف والتهديد والإذلال، واعتبر المركز أن الهدف الواضح من هذه الممارسات هو توجيه رسائل ترهيب لبقية سكان القطاع الموجودين خارج قطاع غزة، مفادها أن العودة ستكون مكلفة ومصحوبة بالعقاب، في إطار سياسة ردع جماعي محظورة بموجب القانون الدولي.
مسؤولية قانونية ودعوات للمساءلة
أكد مركز غزة لحقوق الإنسان أن ما جرى يجعل رحلة العودة نقيضا للحق الطبيعي في التنقل والعودة إلى الوطن، محذرا من أن هذه السياسات تهدف إلى خلق تصور بأن العودة إلى غزة تجربة مرهقة وصادمة نفسيا وجسديا، بهدف ثني الفلسطينيين عن العودة، وحمل المركز السلطات الإسرائيلية المسؤولية القانونية الكاملة عن هذه الانتهاكات، باعتبارها القوة القائمة بالاحتلال والمتحكمة فعليا في المعابر وحركة الأفراد.
كما دعا البعثة الأوروبية المشاركة في ترتيبات المعبر إلى تحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية، وعدم الاكتفاء بالصمت أو التجاهل، محذرا من أن ذلك قد يحولها إلى شاهد على انتهاكات جسيمة دون تدخل.
حقوق لا تقبل المساومة
شدد المركز على أنه سيواصل توثيق الانتهاكات وجمع شهادات الضحايا، واتخاذ خطوات قانونية وإعلامية لمساءلة المسؤولين عنها أمام الجهات الدولية المختصة، وأكد أن فتح معبر رفح بشكل كامل ومنتظم، والسماح بخروج المرضى والجرحى دون قيود تعسفية، وضمان دخول الإمدادات الطبية والمستلزمات الحيوية، حقوق أساسية لا يجوز إخضاعها لأي تحكم إسرائيلي.
يعد معبر رفح شريان الحياة الوحيد لسكان قطاع غزة نحو العالم الخارجي، خاصة في ظل الحصار المستمر وتدهور الأوضاع الإنسانية والطبية، وعلى مدار سنوات، ارتبط فتح المعبر وإدارته بتفاهمات سياسية وأمنية معقدة، كثيرا ما انعكست سلبا على المرضى والطلبة وأصحاب الحالات الإنسانية، وتؤكد منظمات حقوق الإنسان أن أي ترتيبات لإدارة المعبر يجب أن تكون مدنية وإنسانية بحتة، ومنفصلة عن سياسات القوة القائمة بالاحتلال وأهدافها الأمنية والديمغرافية، بما يضمن احترام الحقوق الأساسية للسكان، وفي مقدمتها الحق في الحياة والكرامة وحرية التنقل والعودة الآمنة دون ترهيب أو إذلال.










