الفلسطينيون بين ضفتي الانتظار.. معاناة إنسانية طويلة على بوابة رفح
الفلسطينيون بين ضفتي الانتظار.. معاناة إنسانية طويلة على بوابة رفح
بعد شهور طويلة من الانقطاع والانتظار القاسي، وجد الفلسطينيون العالقون على جانبي معبر رفح أنفسهم أمام نافذة أمل محدودة مع إعلان إعادة فتح المعبر اليوم الاثنين، في خطوة جاءت متأخرة بالنسبة لكثيرين، بعدما انقطعت صلاتهم بأسرهم أو تدهورت أوضاعهم الصحية إلى حد بات يهدد حياتهم، وسط دمار شامل خلّفته الحرب في قطاع غزة.
وبحسب وكالة رويترز، فإن إعادة فتح معبر رفح جاءت بوصفها جزءاً مؤجلاً من اتفاق وقف إطلاق النار الذي أبرم في أكتوبر الماضي، دون وضوح كامل بشأن حجم حركة العبور المسموح بها أو الشروط التي ستفرض على المسافرين من وإلى مصر، في ظل احتفاظ إسرائيل بالسيطرة الكاملة على حدود قطاع غزة، ما جعل الفرحة مشوبة بالقلق والشك لدى آلاف المنتظرين.
فتح متأخر وأمل منقوص
منذ صيف عام 2024 ظل معبر رفح مغلقاً بالكامل، بعد أن كان مفتوحاً بشكل جزئي في الأسابيع الأولى من الحرب بين إسرائيل وحركة حماس، ومع الإغلاق، حُرم الفلسطينيون من شريانهم الوحيد تقريباً إلى العالم الخارجي، ولم يتمكن سوى عدد محدود جداً من السفر عبر إسرائيل، في حين بقي عشرات الآلاف عالقين بين خيار العودة إلى قطاع مدمر أو البقاء خارج الوطن بعيداً عن أسرهم.
يدرك العائدون إلى غزة أن ما ينتظرهم ليس كما تركوه، فالأحياء التي كانت تضج بالحياة تحولت إلى ركام، والمنازل دمرت خلال حملة عسكرية استمرت عامين عقب هجوم السابع من أكتوبر 2023، وفي المقابل، يعلم من يسعون إلى المغادرة أن القيود الجديدة قد تعيد إنتاج مأساة الانتظار، وربما تتركهم عالقين خارج القطاع لفترات غير معروفة.
التوق للعودة رغم الخراب
فاتن حامد أبو وطفة، البالغة من العمر 43 عاما، واحدة من آلاف الفلسطينيين الذين يعيشون شوقاً يومياً للعودة إلى غزة، منذ مغادرتها القطاع قبل نحو 10 أشهر لم ترَ أبناءها الثلاثة: شابين يبلغان 21 و18 عاماً وفتاة تبلغ 15 عاماً، وتقيم فاتن في مصر، لا تملك سوى صور أبنائها التي تتصفحها يومياً محاولة الإبقاء على إحساس القرب.
غادرت أبو وطفة حي الكرامة في مدينة غزة في 5 أبريل 2024 على أمل أن تكون الرحلة قصيرة لا تتجاوز 8 أسابيع، ريثما تتلقى حماتها العلاج الطبي، إلا أن إغلاق معبر رفح حوّل الرحلة المؤقتة إلى غياب طويل، ورغم معرفتها بأن منزلها احترق ولم يبقَ منه سوى أعمدة خرسانية، تؤكد أن العودة إلى غزة تظل حلمها الأول، حتى لو تطلب الأمر أي معاناة على الطريق.
قصص ممزقة على جانبي المعبر
كثير من العائلات الفلسطينية التي وصلت إلى القاهرة في بداية الحرب لم يتخيل أن الغياب سيطول إلى هذا الحد، فقد نفدت مدخرات البعض، في حين انقسمت عائلات أخرى بين غزة ومصر تعيش على أمل لم شمل طال انتظاره.
محمد طلال البرعي، 28 عاماً، تاجر عملات من جباليا شمال غزة، دمر منزله خلال الحرب، ورغم مخاوفه من ضعف الإنترنت وانقطاع الاتصالات، وما قد يسببه ذلك من صعوبة في العمل، بادر بتسجيل اسمه في السفارة الفلسطينية في القاهرة فور الإعلان عن فتح معبر رفح، فبالنسبة له العودة إلى غزة، حتى لو كانت في خيمة، تظل أفضل من البقاء بعيداً عن والده الذي لم يره منذ شهور.
كان البرعي قد أجّل زفافه بعد اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، ولا تزال والدته تتلقى العلاج الطبي في الإمارات، ويخطط لاستكمال زواجه عند عودته، حتى وإن غابت مظاهر الفرح، في ظل غياب والدته واستمرار آثار الحرب.
العبور بوصفه مسألة حياة أو موت
بالنسبة لفلسطينيين آخرين لا يتعلق فتح المعبر بالحنين أو العودة، بل بالبقاء على قيد الحياة. تامر البرعي، 50 عاماً، يعاني من انقطاع النفس الانسدادي النومي، ويعتمد على جهاز طبي يعمل بالكهرباء لمساعدته على التنفس أثناء النوم، ومع انقطاع الكهرباء والوقود في غزة، تدهورت حالته الصحية بشكل خطير.
غادرت عائلته إلى مصر قبل عامين، لكنه لم يتمكن من اللحاق بهم بسبب إغلاق المعبر، وناشد منظمات إنسانية ومنظمة الصحة العالمية والسلطة الفلسطينية للسماح له بالمغادرة، آملاً في إنقاذ حياته ولم شمله مع أسرته.
آلاف المرضى ينتظرون الخروج
تؤكد وزارة الصحة في قطاع غزة أن ما لا يقل عن 20 ألف مريض، بينهم أطفال ومرضى سرطان، ينتظرون الإجلاء لتلقي العلاج خارج القطاع، وبين هؤلاء نور ضاهر، 31 عاماً، مصمم جرافيك من مدينة غزة يعاني من عيب خلقي في القلب، ويعيش على أمل أن يتمكن من الخروج للعلاج بعد شهور من الانتظار والقلق.
غير أن فتح المعبر جاء متأخراً بالنسبة لكثيرين، فقد توفيت داليا أبو كاشف، 28 عاماً، الأسبوع الماضي، في حين كانت تنتظر إدراج اسمها ضمن قوائم المغادرين لإجراء عملية زرع كبد. كانت عائلتها قد وجدت متبرعاً جاهزاً، لكن تدهور حالتها الصحية سبق أي انفراجة، لتنتهي القصة بفقدان جديد يضاف إلى سجل طويل من الضحايا.
فتح محدود وقيود مشددة
أعادت إسرائيل اليوم الاثنين فتح معبر رفح بين غزة ومصر أمام حركة الأفراد، في خطوة من شأنها السماح للفلسطينيين بالمغادرة والعودة، لكن بشكل محدود، وتشترط إسرائيل إجراء فحوص أمنية للمغادرين والعائدين، مع توقع فرض قيود مشتركة من إسرائيل ومصر على أعداد المسافرين، ما يحد من قدرة المعبر على استيعاب الأعداد الكبيرة المنتظرة.
كانت إسرائيل قد سيطرت على معبر رفح في مايو 2024 بعد نحو 9 أشهر من اندلاع الحرب، وأغلقت كذلك محور فيلادلفيا الممتد على طول الحدود بين غزة ومصر، ما أدى إلى شل حركة العبور وإغلاق المنفذ الحيوي للجرحى والمرضى.
منذ اندلاع الحرب على غزة عقب هجوم السابع من أكتوبر 2023، شكّل معبر رفح المنفذ الأساسي للفلسطينيين إلى مصر والعالم الخارجي، وخلال الأشهر التسعة الأولى من العمليات العسكرية، تمكن نحو 100 ألف فلسطيني من مغادرة القطاع، وفق مسؤولين فلسطينيين، بعضهم بدعم من منظمات إغاثة، في حين اضطر آخرون إلى دفع مبالغ مالية كبيرة للحصول على تصاريح خروج، ومع سيطرة إسرائيل على المعبر وإغلاقه تعطلت عمليات إجلاء المرضى والجرحى، ولم يُسمح سوى لآلاف قليلة بالخروج للعلاج عبر إسرائيل خلال العام الماضي، في حين لا يزال آلاف آخرون بحاجة ماسة إلى رعاية طبية خارج القطاع، بحسب الأمم المتحدة، وتأتي إعادة فتح معبر رفح اليوم ضمن المرحلة الأولى من خطة أوسع لوقف القتال، لكنها تظل خطوة محدودة أمام حجم المأساة الإنسانية المتراكمة على جانبي المعبر.











