لجنة حقوق الطفل تدق ناقوس الخطر حول أوضاع المهاجرين القصّر في فرنسا

لجنة حقوق الطفل تدق ناقوس الخطر حول أوضاع المهاجرين القصّر في فرنسا
تجمّع في مارسيليا للدفاع عن حقوق الأطفال المهاجرين

أدانت لجنة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة مجدداً فرنسا بسبب طريقة تعاملها مع القاصرين الأجانب غير المصحوبين بذويهم، منتقدة آليات تحديد أعمارهم وما يترتب عليها من حرمان بعضهم من الحماية الأساسية، ويأتي هذا القرار في ظل تصاعد الانتقادات الدولية لإجراءات تقول منظمات حقوقية إنها تترك أطفالاً ومراهقين في الشوارع بلا مأوى أو رعاية.

ووفقاً لما أوردته شبكة "مهاجر نيوز" الخميس، تلقت اللجنة شكاوى من خمسة شبان مهاجرين رفضت السلطات الاعتراف بكونهم قاصرين في ثلاث مقاطعات هي هوت غارون ولوار أتلانتيك وماين إي لوار، وأشارت اللجنة إلى أن تقييم أعمارهم جرى من دون الأخذ في الاعتبار وثائقهم الرسمية أو ظروف رحلات الهجرة الصعبة التي مروا بها، كما تم ذلك من دون حضور ممثل قانوني.

إجراءات مثيرة للجدل

توضح الشكاوى أن السلطات الفرنسية اعتمدت في بعض الحالات على المظهر الجسدي أو تناقضات بسيطة في روايات الشبان لتحديد أنهم بالغون، وفي إحدى القضايا قدم شاب جواز سفر بيومترياً حصل عليه من قنصلية بلده لإثبات عمره، إلا أن القضاء رفض الوثيقة في البداية، ما أدى إلى تشريده قبل أن يتم الاعتراف لاحقاً بأنه قاصر، وترى اللجنة أن وثائق الهوية يجب اعتبارها صحيحة ما لم يثبت العكس.

وأكدت اللجنة الأممية أن إجراءات تحديد العمر ينبغي ألا تحرم القاصر من حقوقه الأساسية، مشددة على أن أي شخص يخضع لتقييم العمر يجب أن يستفيد من قرينة الشك ويعامل بوصفه طفلاً إلى حين انتهاء الإجراءات، واعتبرت أن مصلحة الطفل يجب أن تكون الاعتبار الأساسي طوال مسار التقييم.

أثر القرار في حياة القاصرين

يحدد تقدير العمر ما إذا كان القاصر غير المصحوب سيحصل على الحماية التي توفرها الدولة الفرنسية، ومنها الإيواء والتعليم والرعاية الصحية. وفي حال اعتباره بالغاً، يفقد هذه الحقوق ويجد نفسه في مواجهة حياة قاسية بلا مأوى أو دعم.

وتؤكد اللجنة أن اللجوء إلى الفحوص الجسدية أو اختبارات العظام ينبغي ألا يكون الخيار الأول، وأنه يجب اعتماد تقييم شامل يأخذ في الاعتبار النضج النفسي والظروف الشخصية ومسار الهجرة. وترى أن الاعتماد على المظهر الخارجي وحده لا يوفر أساساً علمياً دقيقاً لتحديد العمر.

انتقادات من منظمات حقوقية

أثارت الإدانة الأممية ردود فعل واسعة من جمعيات ومنظمات مدنية، بينها يونيسف التي اعتبرت أن الإجراءات المعتمدة في فرنسا لا تتوافق مع المعايير الدولية، وأشارت هذه الجهات إلى وجود ممارسات إدارية وقضائية وصفتها بالمختلة، مثل تقييمات سطحية ورفض وثائق أصلية واللجوء المتكرر لاختبارات العظام رغم الانتقادات العلمية الواسعة لها.

كما لفتت تقارير حقوقية إلى أن القاصرات اللواتي يشكك في أعمارهن يتعرضن للمصير نفسه الذي يواجهه الفتيان، إذ يتم إنهاء رعايتهن فور التشكيك في سنهن، ليجدن أنفسهن بلا حماية أو مأوى أو حتى احتياجات أساسية.

إدانات متكررة لفرنسا

تمثل هذه الإدانة الثالثة لفرنسا خلال نحو عامين، بعد قرارات مماثلة صدرت في يناير 2023 ومايو 2024 على خلفية المشكلات الهيكلية نفسها، وأكدت اللجنة في تلك القرارات أن إجراءات تحديد العمر تفتقر إلى الضمانات الكافية وتنتهك عدة مواد من اتفاقية حقوق الطفل.

وأشارت اللجنة إلى أن تقييم القاصر من قبل شخص واحد وفي وقت محدود ومن دون مراعاة مسار الهجرة أو هشاشة وضعه، لا يلبي متطلبات الاتفاقية الدولية.

مشروع قانون جديد

في ظل الضغوط الحقوقية، تبنت الجمعية الوطنية الفرنسية في 11 ديسمبر 2025 مشروع قانون ينص على إيواء القاصرين الأجانب غير المصحوبين طوال مدة إجراءات الاعتراف بأعمارهم، ويرى مراقبون أن هذا التشريع قد يمثل خطوة نحو معالجة الثغرات التي تترك آلاف القاصرين بلا مأوى خلال فترات الطعن القانونية التي قد تستمر أكثر من عام.

غير أن المنظمات الحقوقية تؤكد أن الإصلاحات التشريعية وحدها لا تكفي، ما لم تترافق مع تغييرات عملية في أساليب التقييم وضمانات الحماية.

تعد مسألة تحديد أعمار القاصرين الأجانب غير المصحوبين من أكثر القضايا حساسية في سياسات الهجرة الأوروبية، نظراً لتأثيرها المباشر على حقوق الأطفال في الحماية والإيواء والتعليم. ففي فرنسا، كما في دول أخرى، يؤدي التشكيك في عمر الشاب إلى اعتباره بالغاً، ما يحرمه تلقائياً من خدمات الرعاية ويتركه في الشارع حتى انتهاء إجراءات الطعن، وتواجه دول أوروبية عدة التحدي نفسه، إذ أعلنت اليونان أن نحو 60 بالمئة ممن قدموا أنفسهم بوصفهم قاصرين تبين أنهم بالغون بعد الفحوص، في حين شددت بلجيكا إجراءاتها لمنع ما وصفته بالتحايل في طلبات اللجوء، وتعاني ألمانيا من نقص حاد في مراكز الإيواء والكوادر المتخصصة لرعاية القاصرين، وفي المملكة المتحدة اتجهت السلطات إلى استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتقدير أعمار الوافدين القصر، وتكشف هذه التطورات عن معضلة متزايدة بين حماية حقوق الأطفال ومنع إساءة استخدام أنظمة اللجوء، وهي معضلة ما تزال أوروبا تبحث عن توازن عادل في التعامل معها.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية