بسبب بيانات المستخدمين.. فرنسا تفتح تحقيقاً مع "إكس" وتستدعي إيلون ماسك

بسبب بيانات المستخدمين.. فرنسا تفتح تحقيقاً مع "إكس" وتستدعي إيلون ماسك
إيلون ماسك ومنصة إكس

في خطوة تعكس تصاعد التدقيق الأوروبي على شركات التكنولوجيا العملاقة، أعلن مكتب المدعي العام في باريس اليوم الثلاثاء عن مداهمة الشرطة الفرنسية لمكاتب منصة إكس في العاصمة الفرنسية، في إطار تحقيق موسع يتعلق بآليات عمل المنصة المملوكة للملياردير الأمريكي إيلون ماسك، ويأتي هذا التطور في وقت حساس تشهده العلاقة بين أوروبا وشركات التكنولوجيا الكبرى، وسط نقاشات متزايدة حول حرية التعبير وحماية البيانات والمسؤولية القانونية للمنصات الرقمية.

وذكرت وكالة رويترز أن ممثلي الادعاء الفرنسيين استدعوا إيلون ماسك للمثول أمامهم في شهر أبريل المقبل، ضمن تحقيق بدأ قبل عام تقريباً، ويتعلق بشبهات إساءة استخدام الخوارزميات، إضافة إلى اتهامات باستخراج بيانات المستخدمين بطرق وصفت بالمخادعة، ما يفتح الباب أمام توتر جديد بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بشأن تنظيم الفضاء الرقمي.

تحقيق يتوسع ليشمل الذكاء الاصطناعي

وأوضح مكتب المدعي العام في فرنسا في بيان رسمي أن التحقيق الجاري لم يعد مقتصراً على الخوارزميات فقط، بل توسع ليشمل شكاوى جديدة تتعلق بطريقة عمل روبوت الدردشة جروك التابع لمنصة إكس، والذي يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتشير هذه الشكاوى إلى مخاوف من ممارسات قد تنتهك القوانين الفرنسية والأوروبية، سواء على مستوى حماية المستخدمين أو طبيعة المحتوى الذي يتم تداوله عبر المنصة.

وأضاف البيان أن التحقيق يتناول أيضاً جرائم محتملة أخرى، منها شبهات تواطؤ في احتجاز ونشر صور ذات طبيعة إباحية للأطفال، إضافة إلى انتهاك الحقوق المرتبطة بالصور الشخصية، من خلال تزويرها رقمياً وتحويلها إلى صور جنسية صريحة، وهي اتهامات خطيرة تضع المنصة أمام مسؤوليات قانونية وأخلاقية جسيمة.

استدعاءات رسمية ومسار قانوني معقد

ضمن هذا السياق، تم استدعاء إيلون ماسك والرئيسة التنفيذية السابقة لمنصة "إكس" ليندا ياكارينو لحضور جلسة استماع مقررة في 20 أبريل، كما جرى استدعاء عدد من العاملين في المنصة للإدلاء بشهاداتهم أمام القضاء الفرنسي، وأكد ممثلو الادعاء أن هذه الاستدعاءات إلزامية من الناحية القانونية، رغم الصعوبات العملية المرتبطة بتنفيذها على أشخاص يقيمون خارج الأراضي الفرنسية.

وأشار الادعاء إلى أن جلسة أبريل ستكون محطة مفصلية في مسار القضية، إذ ستقرر السلطات بعدها إما تعليق التحقيق في حال عدم ثبوت المخالفات، أو المضي قدماً في توسيعه، مع احتمال اتخاذ إجراءات أشد قد تصل إلى الحبس الاحتياطي بحق المتهمين في حال توافر الأدلة القانونية اللازمة.

موقف المنصة وإيلون ماسك

حتى الآن لم تصدر منصة "إكس" أي تعليق رسمي على المداهمة أو الاستدعاءات، وفي المقابل كان إيلون ماسك قد نفى في شهر يوليو الماضي الاتهامات الأولية الموجهة للمنصة، واعتبر أن ممثلي الادعاء الفرنسيين يفتحون تحقيقاً جنائياً بدوافع سياسية، في إشارة إلى ما يراه استهدافاً لنهجه في إدارة المنصة وسياساته المتعلقة بحرية التعبير.

غير أن مكتب المدعي العام الفرنسي شدد في بيانه على أن التحقيق يأتي في إطار نهج بناء يهدف إلى ضمان امتثال منصة إكس للقوانين الفرنسية، مؤكداً أن الهدف ليس تقييد حرية التعبير، بل حماية المستخدمين وضمان احترام القواعد القانونية التي تنظم عمل المنصات الرقمية داخل فرنسا.

أبعاد أوروبية ودولية

تحمل هذه القضية أبعاداً تجاوز الإطار الفرنسي، إذ تعكس توجهاً أوروبياً متزايداً لفرض رقابة قانونية صارمة على شركات التكنولوجيا الكبرى، خصوصاً تلك التي تلعب دوراً محورياً في تشكيل الرأي العام وإدارة تدفق المعلومات، ويأتي ذلك في ظل تطبيق قوانين أوروبية جديدة تتعلق بالخدمات الرقمية والأسواق الرقمية، والتي تمنح السلطات أدوات أوسع لمحاسبة المنصات على محتواها وخوارزمياتها.

ويرى مراقبون أن التحقيق مع إكس قد يشكل اختباراً حقيقياً لقدرة أوروبا على فرض سيادتها الرقمية، في مواجهة شركات أمريكية عملاقة اعتادت العمل وفق معاييرها الخاصة. وفي الوقت ذاته يثير هذا المسار مخاوف لدى المدافعين عن حرية التعبير الذين يحذرون من أن الإفراط في التنظيم قد يؤدي إلى تقييد النقاش العام وتضييق مساحة التعبير الحر على الإنترنت.

قلق المستخدمين وأسئلة الثقة

على مستوى المستخدمين، أعادت هذه التطورات إلى الواجهة أسئلة قديمة جديدة حول حماية البيانات الشخصية، وحدود استخدام الخوارزميات، ودور الذكاء الاصطناعي في توجيه المحتوى، ويعبر كثيرون عن قلقهم من غياب الشفافية في كيفية جمع البيانات واستخدامها، ومن احتمال استغلالها لأغراض تجارية أو سياسية دون علم أصحابها.

كما أن الاتهامات المتعلقة بالمحتوى غير القانوني، خصوصاً ما يرتبط باستغلال الأطفال، تضيف بعداً إنسانياً خطيراً للقضية، وتضع المنصة أمام اختبار أخلاقي لا يقل أهمية عن الاختبار القانوني.

تأسست منصة “إكس” المعروفة سابقاً باسم تويتر، بوصفها واحدة من أبرز شبكات التواصل الاجتماعي في العالم، ولعبت دوراً محورياً في النقاشات السياسية والإعلامية على مدار أكثر من عقد، وبعد استحواذ إيلون ماسك عليها شهدت المنصة تغييرات جذرية في سياساتها الإدارية والتحريرية، شملت تسريحات واسعة للموظفين وتعديلات على خوارزميات عرض المحتوى، ما أثار جدلاً واسعاً وانتقادات من حكومات ومنظمات حقوقية.

 وفي السنوات الأخيرة كثف الاتحاد الأوروبي جهوده لتنظيم عمل المنصات الرقمية الكبرى، من خلال تشريعات تهدف إلى حماية المستخدمين ومكافحة المحتوى غير القانوني وضمان المنافسة العادلة، ويأتي التحقيق الفرنسي الحالي في سياق هذا التوجه العام، ليعكس صراعاً متصاعداً بين منطق السيادة القانونية للدول، وطموحات شركات التكنولوجيا العابرة للحدود، في عالم باتت فيه المنصات الرقمية جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية والسياسية للمجتمعات الحديثة.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية