دعوات حقوقية لكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن إطلاق النار على متظاهري المغرب
دعوات حقوقية لكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن إطلاق النار على متظاهري المغرب
أعادت واقعة مقتل 3 شبان بمدينة القليعة في المملكة المغربية في 1 أكتوبر 2025 الجدل حول استخدام القوة في التعامل مع الاحتجاجات داخل المغرب، في ظل تصاعد مطالب حقوقية بفتح تحقيق مستقل يكشف ملابسات الحادث ويحدد المسؤوليات، فالحادثة التي وقعت خلال تفريق مظاهرة شبابية لم تعد مجرد واقعة أمنية عابرة، بل تحولت إلى قضية رأي عام محلية ودولية، وسط اتهامات بانتهاكات جسيمة للحق في الحياة والتظاهر السلمي.
بيان حقوقي وتصعيد دولي
وبحسب بيان نشرته منظمة "منّا لحقوق الإنسان" الخميس، دعت كل من الجمعية المغربية لحقوق الإنسان ومنظمة منّا إلى فتح تحقيق عاجل يتسم بالاستقلالية والنزاهة والشفافية، مع رفع شكاوى إلى المقررين الخاصين بالأمم المتحدة المعنيين بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء وبالحق في حرية التجمع السلمي، وأكدت المنظمتان أن التحقيقات الرسمية الحالية تشوبها اختلالات خطيرة، مشيرتين إلى أن استخدام الرصاص الحي ضد المتظاهرين يمثل تصعيداً خطيراً يتطلب مساءلة واضحة.
تعود جذور هذه الأحداث إلى أواخر سبتمبر 2025، مع ظهور حركة جيل Z212 التي تشكلت في سياق توترات اجتماعية واقتصادية متصاعدة، وقد خرج مئات الشباب في مظاهرات بعدة مدن مغربية مطالبين بإصلاحات شاملة تشمل تحسين فرص العمل وتعزيز العدالة الاجتماعية ورفع مستوى المعيشة، ورغم الطابع السلمي الذي طبع العديد من هذه التحركات، فإنها قوبلت بإجراءات أمنية مشددة شملت منع بعض المظاهرات وتفريق أخرى بالقوة.
حصيلة الاعتقالات والتوتر
في أعقاب هذه الاحتجاجات أعلنت رئاسة النيابة العامة توقيف أكثر من 5780 شخصاً على مستوى البلاد، تم الإفراج عن أكثر من 3300 منهم، في حين أحيل 2480 شخصاً إلى النيابات العامة، منهم 959 في حالة سراح و1473 في حالة اعتقال هذه الأرقام تعكس حجم التوتر الذي رافق تلك المرحلة، كما تثير تساؤلات حول طبيعة التعاطي الأمني مع الاحتجاجات.
في يوم 1 أكتوبر 2025 شهدت القليعة تجمعاً لحوالي 150 شاباً، حيث قام عدد محدود من المتظاهرين بأعمال شغب تضمنت إحراق نفايات ومحاولة كسر حاجز معدني قرب مركز الدرك، غير أن رد القوات الأمنية جاء عنيفاً، بحسب روايات حقوقية، حيث تم استخدام الرصاص الحي لتفريق المحتجين.
ضحايا بعيدون عن المواجهة
تشير المعطيات إلى أن الضحايا الثلاث لم يكونوا في قلب المواجهات لحظة إصابتهم، عبد الصمد أبلة، وهو طالب ومصور يبلغ 24 عاماً، كان يوثق الاحتجاجات عندما أصيب برصاصة قاتلة في الرأس داخل زقاق يبعد نحو 120 متراً عن موقع الأحداث، أما محمد الرحالي، حلاق يبلغ 25 عاماً، فقد أصيب برصاصة في الظهر أثناء مروره بدراجته الهوائية بعيداً عن مركز الدرك. في حين قُتل عبد الحكيم الدرفيضي، عامل بناء يبلغ 35 عاماً، أثناء عودته من العمل بعد أن اضطر لسلوك طريق فرعي بسبب إغلاق الطرق الرئيسية.
لم تتوقف المعاناة عند لحظة الوفاة، بل امتدت إلى أسر ضحايا الاحتجاجات التي تحدثت عن سلسلة من الانتهاكات، منها التأخر في إبلاغها بمقتل أبنائها، وتضارب الروايات الرسمية، وتأخر تسليم الجثامين، وفرض قيود على مراسم الدفن، إضافة إلى حرمانها من الاطلاع على تقارير التشريح، كما أشارت المعطيات إلى احتجاز بعض المتعلقات الشخصية للضحايا دون مبرر واضح.
تحقيقات تفتقر للاستقلالية
ورغم فتح تحقيق قضائي في القضية، فإن المنظمات الحقوقية اعتبرت أن إسناد التحقيق إلى نفس الجهاز المعني بالأحداث يقوض مبدأ الاستقلالية. كما لم يتم الإعلان عن أي خبرات مستقلة أو اتخاذ إجراءات احترازية مثل تعليق عمل العناصر المتورطة أو سحب أسلحتها، ما يزيد من الشكوك حول جدية المساءلة.
في المقابل سارعت السلطات إلى تقديم رواية رسمية تبرر استخدام القوة باعتباره دفاعاً شرعياً، دون انتظار نتائج تحقيق مستقل. هذا التوجه، بحسب المنظمات الحقوقية، يعزز مخاوف الإفلات من العقاب ويقوض ثقة الرأي العام في العدالة.
دعوات للمساءلة والإنصاف
تؤكد المنظمات الحقوقية ضرورة تحديد المسؤوليات المباشرة وسلاسل القيادة التي أصدرت الأوامر، ومحاسبة كل من يثبت تورطه، سواء على المستوى الجنائي أو الإداري. كما شددت على أهمية احترام المعايير الدولية التي تنظم استخدام القوة، خاصة مبادئ الضرورة والتناسب والمشروعية.
مخاوف من تكرار الانتهاكات
حذرت الجهات الحقوقية من أن غياب تحقيق مستقل وشفاف قد يؤدي إلى تكرار مثل هذه الحوادث مستقبلاً، خاصة في ظل استمرار التوترات الاجتماعية، كما دعت إلى وضع ضمانات فعالة لحماية الحق في التظاهر السلمي ومنع الاستخدام التعسفي للقوة.
يعد المغرب طرفاً في عدد من الاتفاقيات الدولية، منها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب، والتي تلزم الدول بإجراء تحقيقات مستقلة وسريعة في حالات الحرمان التعسفي من الحياة، كما تنص مبادئ الأمم المتحدة بشأن استخدام القوة على ضرورة أن يكون اللجوء إلى القوة متناسباً وضرورياً، مع ضمان حماية المدنيين وإشراك أسر الضحايا في مسار العدالة، غير أن تقارير حقوقية تشير إلى تحديات مستمرة في تطبيق هذه المعايير على أرض الواقع، خاصة في سياق التعامل مع الاحتجاجات، وتأتي قضية القليعة لتسلط الضوء على هذه الإشكالات، وتطرح تساؤلات أعمق حول مدى التزام السلطات بالمعايير الدولية، وحول الحاجة إلى إصلاحات تضمن تحقيق العدالة ومنع تكرار مثل هذه المآسي.











