مؤتمر الحركات الاجتماعية في تونس يناقش كسر العزلة وتأكيد الحقوق المدنية
مؤتمر الحركات الاجتماعية في تونس يناقش كسر العزلة وتأكيد الحقوق المدنية
في وقت يتصاعد فيه الشعور بانسداد الأفق السياسي والاجتماعي في تونس، تتواصل محاولات الحركات الاجتماعية لتوحيد صفوفها وتعزيز قدرتها على المقاومة المدنية السلمية، ووسط هذا المشهد المتوتر، تتقدم أصوات نسائية لتؤكد أن التنسيق والتشبيك بين مختلف الفاعلين لم يعد خياراً، بل ضرورة لضمان الاستمرارية وتحويل المطالب الاجتماعية من شعارات إلى نتائج ملموسة.
وأفادت وكالة أنباء المرأة السبت بأن المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية نظم يوم أمس الجمعة مؤتمره الوطني السنوي السادس للحركات الاجتماعية، في لقاء اعتبر محطة مفصلية ضمن خطتها واستراتيجيات العمل للحركات الاجتماعية في المرحلة المقبلة.
ظرف سياسي ضاغط
جاء انعقاد المؤتمر في مرحلة توصف بالحساسة سياسياً واقتصادياً، واعتبر المنتدى أن البلاد لا تشهد مؤشرات على انفراج قريب، بل تواصلت سياسات غلق الفضاء العمومي وتجريم العمل المدني وملاحقة المعارضين والنشطاء، ويرى منظمو المؤتمر أن هذا المناخ أضعف الحراك الاجتماعي وأدى إلى تراجعه، كما قلص من فرص التغيير الديمقراطي وتحقيق المطالب التي رفعتها الحركات الاجتماعية منذ سنوات.
وسعى المؤتمر الذي انعقد على مدى يومين إلى جمع الحركات الاحتجاجية في إطار مشترك، والعمل على ربط الحركات الاجتماعية بالحركة المدنية والحقوقية، بهدف صياغة عناوين واضحة للمقاومة بأشكال جديدة تتلاءم مع الواقع الحالي.
محاولة لصياغة استراتيجية مشتركة
ركزت جلسات المؤتمر على بحث سبل وضع استراتيجية عمل للحركات الاجتماعية في ظل غياب الضمانات الديمقراطية، ومحاولة توفير أدوات قانونية لحماية النشطاء وبلورة مطالبهم، كما ناقش المشاركون سبل تعزيز المقاومة المدنية السلمية على المدى القريب والمتوسط، مع تأكيد أهمية التضامن والتشبيك بين مختلف الحركات.
وشهد اليوم الأول من المؤتمر نقاشات حول وضع الحركات الاجتماعية وتغير أشكال المقاومة دفاعاً عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، مع التشديد على أن التضامن بين مختلف الفاعلين يمكن أن يخلق فرصاً جديدة لربط النضال من أجل الحقوق والحريات والديمقراطية بالعدالة الاجتماعية.
التنسيق بوصفه نقطة الضعف
على هامش المؤتمر أوضحت المؤرخة حياة عمامو أن الحركات الاجتماعية في تونس تنشط في مجالات متعددة، من الدفاع عن العاطلين والعاطلات عن العمل إلى مواجهة التلوث والتصدي للمحاكمات السياسية، وصولاً إلى احتجاجات الشباب المطالبين بحياة كريمة، وأشارت إلى أن هذه الحركات تستمد شرعيتها من مطالب الكرامة التي شكلت أساس الثورة التونسية.
لكن عمامو ترى أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب الحد الأدنى من التنسيق بين هذه الحركات، ما يجعل تأثيرها محدوداً زمنياً واجتماعياً، واعتبرت أن المؤتمر يمكن أن يشكل فرصة لتوحيد الصفوف وتعزيز التعاون، ما يمنح الحراك عمقاً واستمرارية.
وأوضحت أن أشكال النضال في تونس تتنوع بين الاعتصامات والمظاهرات والاحتجاجات والبيانات والتجمعات أمام المؤسسات، لكنها تفتقر إلى خيط ناظم يجمعها في إطار واحد، وترى أن هذه الوسائل قادرة على إحداث التغيير وإعادة تشكيل المشهد السياسي والاجتماعي، لكنها تظل محدودة الأثر في ظل غياب التنسيق.
قطاع النسيج شهادة على معاناة النساء
من جانبها أكدت الناشطة ربح الخلايفي، المدافعة عن حقوق عاملات النسيج، أن هذا القطاع يعد من أكثر القطاعات هشاشة في تونس، وأوضحت أن العاملات يواجهن ظروفاً قاسية تشمل ساعات عمل طويلة قد تصل إلى 12 ساعة يومياً مقابل أجور متدنية، إضافة إلى حرمانهن من أبسط الحقوق الاجتماعية.
وأشارت إلى أن هذه الأوضاع دفعت العاملات إلى الاحتجاج ضد صاحب المصنع، لكن النتيجة كانت طردهن وإغلاق المصنع وهروب صاحبه خارج البلاد، وعندها اكتشفت العاملات أن سنوات العمل الطويلة مرت دون أي تغطية اجتماعية أو صحية، ما وضعهن في أوضاع معيشية صعبة، خاصة أن كثيرات منهن يعُلن أسرهن.
وتحدثت الخلايفي عن حالات مأساوية، منها عاملة حامل في شهرها الثامن فقدت جنينها نتيجة ظروف العمل القاسية وساعات العمل الطويلة والإهمال، وقالت إن مثل هذه الوقائع تعكس واقعاً صادماً لكنه حقيقي، وتؤكد أن ملف قطاع النسيج أصبح قضية اجتماعية ملحة تستدعي تدخلاً عاجلاً.
كما كشفت أن عشرات المصانع أغلقت أبوابها، وتم طرد العاملات بشكل تعسفي دون حصولهن على حقوقهن، ما دفع كثيرات إلى خوض معارك قانونية طويلة دون نتائج ملموسة، وأكدت أن النساء العاملات في هذا القطاع يواصلن الاحتجاج والتظاهر السلمي للمطالبة بحقوقهن واستعادة كرامتهن.
قصة عاملة بين الألم والمقاومة
زكية الحضيري، إحدى عاملات قطاع النسيج، روت تجربتها التي وصفتها بأنها أشبه بكابوس طويل، إذ فقدت طفلها قبل ولادته نتيجة ظروف العمل القاسية، معتبرة أن جنينها كان ضحية نضالها من أجل لقمة العيش.
وأوضحت أنها نجت بنفسها من الموت بعد أن حُرمت من حقها في العطلة، مشيرة إلى أن نحو 3500 عامل، معظمهم من النساء، عاشوا ظروفاً لا يمكن تصورها داخل المصانع، وأضافت أنها عملت لمدة 30 عاماً قبل أن تُطرد تعسفياً عام 2012، لتجد نفسها المعيلة الوحيدة لأسرتها دون أي ضمانات أو تعويضات.
ومنذ ذلك الحين خاضت الحضيري أشكالاً متعددة من النضال، بين احتجاجات وتظاهرات ورسائل إلى المسؤولين، لكنها تؤكد أن الوضع بقي على حاله، وأن العدالة ما زالت بعيدة عن متناولها هي وزميلاتها.
شهدت تونس منذ ثورة يناير 2011 حراكاً اجتماعياً واسعاً، حيث برزت حركات مطلبية في قطاعات متعددة، من التعليم والصحة إلى الصناعة والبيئة، ومع تعاقب الأزمات الاقتصادية وارتفاع نسب البطالة والتضخم، ازدادت وتيرة الاحتجاجات الاجتماعية، خاصة في المناطق الداخلية والقطاعات الهشة مثل النسيج والفلاحة، غير أن السنوات الأخيرة شهدت تراجعاً في الفضاء العمومي المتاح للنشاط المدني، وفق تقديرات منظمات حقوقية، مع ازدياد الملاحقات القضائية للنشطاء وتقييد بعض أشكال الاحتجاج، وفي هذا السياق، تحاول الحركات الاجتماعية البحث عن صيغ جديدة للتنسيق والعمل المشترك، بهدف الحفاظ على حضورها في المشهد العام والدفاع عن المطالب الاجتماعية في ظل واقع سياسي واقتصادي معقد.











