سنوات خارج النظام المالي العالمي.. كيف غيّرت العقوبات حياة السوريين اليومية؟

سنوات خارج النظام المالي العالمي.. كيف غيّرت العقوبات حياة السوريين اليومية؟
البنك المركزي السوري

منذ عام 2011 دخلت سوريا مرحلة طويلة من الانقطاع عن النظام المصرفي العالمي نتيجة العقوبات الدولية الواسعة التي استهدفت القطاع المالي، هذا الانقطاع لم يقتصر على المؤسسات الرسمية أو حركة التجارة، بل امتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للسوريين، من رواتب المغتربين وحوالاتهم إلى صفقات التجار وأجور الصحفيين والعاملين مع مؤسسات دولية.

ووفق ما أورده موقع تلفزيون سوريا الثلاثاء، فإن إعلان عام 2025 عن استئناف إرسال الرسائل المالية عبر شبكة SWIFT لم ينهِ آثار سنوات العزلة، إذ ما زالت القيود العملية والهيكلية تعرقل عودة النظام المصرفي إلى العمل الطبيعي، وتُبقي ملايين السوريين خارج القنوات المالية الرسمية.

انقطاع القنوات البنكية

مع فرض العقوبات على المصارف السورية، توقفت العلاقات مع البنوك المراسلة في الخارج، وانقطعت القنوات التقليدية التي تعتمد عليها التجارة الدولية والتحويلات المالية، وأصبحت شبكة SWIFT التي تمثل العمود الفقري للرسائل المالية بين البنوك حول العالم شبه معطلة بالنسبة لسوريا لسنوات طويلة.

هذا الواقع جعل التحويلات الخارجية عبر الطرق الرسمية شبه مستحيلة، حيث لم تعد البنوك المحلية قادرة على استقبال أو إرسال الأموال بشكل مباشر، كما أن فتح حساب بنكي داخل البلاد لم يعد كافياً للاندماج في الاقتصاد العالمي أو التعامل مع المؤسسات الدولية.

بدائل غير رسمية بتكاليف مرتفعة

في ظل هذا الانقطاع، لجأ ملايين السوريين إلى بدائل غير رسمية، مثل شبكات الحوالة التقليدية أو شركات صرافة تعمل في مناطق رمادية قانونياً، ورغم أن هذه البدائل خففت من حدة العزلة، فإنها حملت معها مشكلات كبيرة، أبرزها غياب الضمانات وارتفاع الرسوم والتلاعب بأسعار الصرف.

ومع مرور السنوات، تحولت هذه الوسائل المؤقتة إلى واقع دائم، وأصبح السوريون يتعاملون معها جزءاً من حياتهم اليومية، رغم ما تحمله من مخاطر مالية وعدم استقرار.

أسر تعيش على الحوالات

في أحد أحياء ريف حماة تنتظر أمينة الخالد اتصالاً من مكتب صرافة يؤكد وصول حوالة مالية شهرية يرسلها زوجها من ألمانيا، هذه الحوالة تمثل المصدر الرئيسي لدخل الأسرة، لكن وصولها كل شهر يبقى رهناً بالقلق والانتظار.

تقول أمينة إن جزءاً من المبلغ يضيع دائماً بين عمولات التحويل وفروقات سعر الصرف، من دون أن تعرف بالضبط كم خسرت أو لماذا. بالنسبة لها لم تعد الحوالة مجرد إجراء مالي، بل مسألة استقرار أو فوضى، فإذا وصلت في وقتها، يمكنها دفع الإيجار وأقساط المدرسة، أما إذا تأخرت، تبدأ دوامة الديون.

تجارب مشابهة في مدن أخرى

في مدينة حلب يعيش سامر درويش تجربة مشابهة، إذ يعتمد على دعم أخيه المقيم في الخليج. لكنه لا يملك حساباً بنكياً يمكنه استلام المال عليه مباشرة، فيضطر إلى الذهاب إلى شركة صرافة وتقديم هويته والانتظار أحياناً لساعات.

يقول إن بعض الشركات تفرض سقفاً للسحب، ما يجبره على تقسيم المبلغ على عدة أيام، وفي أحيان أخرى يتسبب خطأ بسيط في الاسم بتأخير الحوالة لأيام، دون وجود جهة رسمية يمكن اللجوء إليها لحل المشكلة.

هذا الواقع جعل آلاف الأسر تعيش في حالة هشاشة مالية دائمة، حيث لا ضمان لوصول الأموال في وقتها، ولا استقرار في قيمتها، ولا نظام قانونياً واضحاً يحمي حقوق المستفيدين.

تجارة تتعثر وأسعار ترتفع

الأزمة الاقتصادية والمالية لا تقف عند حدود الأفراد، بل تمتد إلى قطاع الأعمال، ففي دمشق يوضح التاجر فادي المصري الذي يعمل في استيراد المواد الغذائية أن التحويلات البنكية المباشرة إلى الموردين في الخارج أصبحت شبه مستحيلة.

يقول إن التجار باتوا يلجؤون إلى وسطاء في دول أخرى أو إلى أطراف ثالثة، ما يرفع التكاليف ويزيد المخاطر، فكل صفقة تحتاج إلى ترتيبات معقدة، مثل حساب باسم شخص في بلد مجاور، أو تحويل نقدي عبر شبكة غير مباشرة، أو اتفاقيات شخصية بلا ضمانات مصرفية.

ويضيف أن بعض الموردين يرفضون التعامل خارج النظام البنكي الرسمي، ما يؤدي أحياناً إلى خسارة الصفقة بالكامل، هذا الوضع ينعكس مباشرة على السوق المحلية، إذ تُضاف تكاليف التحويل غير الرسمي وفروقات الصرف والمخاطر إلى سعر السلعة النهائية، ما يزيد الأعباء على المستهلكين.

صحفيون خارج النظام المالي

في قطاع الإعلام والعمل الحر تتخذ الأزمة المالية شكلاً أكثر تعقيداً، فأبو عمر، وهو صحفي من إدلب يعمل مع وكالة أوروبية، يضطر منذ سنوات إلى تحويل مستحقاته إلى حسابات أصدقاء في تركيا؛ لأنه لا يستطيع فتح حساب بنكي باسمه داخل سوريا. ويقول إن هذه الطريقة غير آمنة، إذ تعرض أكثر من حساب للحظر المؤقت من قبل البنوك التركية، ما اضطره للانتظار أسابيع طويلة حتى يتم فك الحظر، قبل أن يتمكن من إعادة تحويل الأموال إلى الداخل بطرق غير مباشرة.

في حالة أخرى، يروي الصحفي يزن الحلبي أنه تعرض لعملية نصب من أحد معارفه في كندا، بعدما حول مستحقاته لمدة 6 أشهر إلى حسابه، ليختفي لاحقاً بالمبلغ الذي تجاوز 5000 دولار.

أما رامي فيؤكد أنه خسر فرصة عمل مهمة في صحيفة أجنبية، رغم اجتيازه جميع مراحل التوظيف، لأنه لم يكن يملك حساباً بنكياً باسمه يمكن تحويل راتبه إليه.

واقع مشترك يقيّد الحياة اليومية

هذه الحالات لا تمثل استثناءات فردية، بل تعكس واقعاً أوسع يحرم عشرات الصحفيين والعاملين المستقلين من فرص مهنية حقيقية، فالمشكلة لا تكمن في نقص الخبرة أو المهارة، بل في غياب أبسط الأدوات المالية التي يفرضها سوق العمل العالمي.

في النهاية، لا تبدو العزلة المصرفية مسألة تقنية فحسب، بل واقع يومي ينعكس على المدني الذي ينتظر حوالته الشهرية، وعلى التاجر الذي يكافح لإتمام صفقة، وعلى الصحفي الذي يخسر فرصة عمل بسبب حساب بنكي غير متوفر.

وبين إعلان استئناف جزئي للاتصال المالي واستمرار القيود على الأرض، تبقى العودة الكاملة إلى النظام المصرفي العالمي عملية بطيئة ومعقدة، لم تنعكس بعد بشكل ملموس على حياة السوريين أو فرصهم الاقتصادية.

منذ اندلاع الصراع في سوريا عام 2011، فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول أخرى حزمة واسعة من العقوبات الاقتصادية التي استهدفت قطاعات الطاقة والتمويل والمصارف، وأدت هذه العقوبات إلى قطع معظم العلاقات بين البنوك السورية والمؤسسات المالية الدولية، ما أخرج البلاد فعلياً من نظام التحويلات البنكية العالمي، وخلال السنوات التالية اعتمد السوريون بشكل متزايد على شبكات الحوالة التقليدية وشركات الصرافة لتلقي الأموال من الخارج، في ظل تراجع قيمة العملة المحلية وارتفاع معدلات التضخم، وفي عام 2025 أُعلن عن خطوات جزئية لإعادة الاتصال بشبكة الرسائل المالية الدولية، إلا أن خبراء اقتصاديين يرون أن عودة القطاع المصرفي السوري إلى العمل الكامل داخل النظام المالي العالمي ستحتاج إلى سنوات من الإصلاحات والضمانات السياسية والاقتصادية.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية