أبعد من مجرد سكن.. "المهن الحرفية النسائية" تمنح الملاذ للهاربات من العنف
أبعد من مجرد سكن.. "المهن الحرفية النسائية" تمنح الملاذ للهاربات من العنف
رصد تقرير لصحيفة "الغارديان" البريطانية، تحولاً جذرياً في فلسفة إدارة ما يسمى بـملاجئ النساء داخل المملكة المتحدة حيث بدأت مؤسسة "ريفوج" في الاعتماد المتزايد على العاملات في المهن الحرفية لضمان شعور الناجيات بمزيد من الأمان، مؤكدة أن وجود النساء في مجالات الكهرباء والسباكة والدهان يساعد على تبديد المخاوف التي تثيرها الصدمات النفسية السابقة لدى المقيمات.
وفق التقرير تؤكد رئيسة قسم الخدمات العقارية في مؤسسة "ريفوج" الخيرية، ليزا كانتويل-هوب، أن وجود الرجال في هذه المساحات الخاصة يمثل تحدياً كبيراً لصيانة المساكن الـ 64 التي تديرها المؤسسة، إذ يحتاج المقاولون الرجال دائماً إلى مرافقة نسائية ويتم إبلاغ جميع المقيمات بوجودهم مسبقاً، وهي إجراءات تجعل العمل أكثر صعوبة وتستغرق وقتاً أطول مقارنة بالاستعانة بفرق نسائية.
تظهر بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية أن عدد النساء العاملات في المهن الحرفية بالمملكة المتحدة بلغ 48 ألف امرأة عام 2021، بزيادة قدرها 41% على عام 2006، ومع ذلك، لا يزال هذا العدد يمثل حوالي 4% فقط من إجمالي القوى العاملة في هذه المهن، ما يجعل قطاع البناء يتصدر قائمة القطاعات الأكثر هيمنة للرجال في البلاد.
تتصدر منطقة ويست ميدلاندز الصعيد الإقليمي بأعلى نسبة من النساء الحرفيات بواقع 4.4%، متجاوزة لندن التي سجلت 2.98% وجنوب غرب إنجلترا بنسبة 2.24%، في حين تشير بيانات عام 2023 الصادرة عن موقع "ماي لوكال تولبوكس" إلى أن النسبة تنخفض لأقل من 1% في مناطق إيست ميدلاندز، وشمال شرق إنجلترا، وأيرلندا الشمالية، واسكتلندا، وويلز.
وترصد المؤشرات تغيرًا ملموسًا في إقبال النساء على هذا القطاع، إذ ارتفع عدد الملتحقات ببرامج التدريب المهني في مجالي البناء والهندسة بنسبة 73% بين عامي 2019 و2022، وهو ما تصفه رئيسة قسم الخدمات العقارية، ليزا كانتويل-هوب، بأنه "نبأ سار" يسهل عمل المؤسسة ويجعل الملاجئ بيوتًا مريحة ومناسبة من الناحية العلاجية للناجيات.
حلول نسوية
تتعاون المؤسسة الخيرية مع منصة "TaskHer"، وهي دليل إلكتروني للحرفيات أسسته مديرة المنصة، آنا موينيهان وزوجها عام 2021 بعد تجربة شخصية كشفت عن تهميش النساء في التعاملات المهنية بقطاع الصيانة، حيث لاحظت موينيهان أن الحرفيين الرجال كانوا يوجهون خطابهم لزوجها فقط، ما دفعها لتأسيس خدمة تلبي طلباً كبيراً من النساء العازبات واللواتي يرفضن وجود رجال لأسباب دينية أو نفسية.
بحسب الصحيفة، تدرك مديرة المنصة آنا موينيهان من خلال استفسارات الجمعيات الخيرية أن الأزمة تتجاوز مجرد الراحة لتصل إلى ضرورة خلق بيئة تشعر فيها المقيمات بالأمان الكامل، وهو ما دفع المنصة للعمل مع "ريفوج" لتوفير عاملات في لندن مع تطلعات للتوسع مستقبلاً خارج العاصمة لضمان شمولية الخدمات الحقوقية المقدمة للناجيات والوصول إلى بيئة آمنة تمنع استعادة الصدمات.
تعمل الفنية الكهربائية، إيرين البالغة من العمر 26 عامًا، مع مؤسسة "ريفوج" منذ بضعة أشهر، حيث تنجز أعمالًا تتراوح بين المهام البسيطة واستبدال لوحات التوزيع الكهربائية، معتبرة أن قبولها لهذه الوظيفة قرار بديهي ومجزٍ نفسيًا؛ لأن مهاراتها تسهم في تبديد القلق الذي قد يثيره وجود فني رجل في هذه المواقف الحساسة التي تتطلب خصوصية عالية.
تصف الفنية الكهربائية، إيرين، اللحظات الأولى لدخولها الملاجئ بأنها لحظات يزول فيها القلق بمجرد أن تدرك المقيمات أنها امرأة، رغم أنها لا تزال تواجه تمييزًا جنسيًا من الرجال الأكبر سنًا الذين يراقبون عملها بدقة بسبب ملامحها وطولها الذي لا يتجاوز 157 سم، مشيرة إلى أنها كانت الفتاة الوحيدة في دورتها التدريبية ولم تصادف امرأة أخرى في مواقع العمل لسنوات.
تستهدف حملة "طوبة طوبة" التي أطلقتها صحيفة "الإندبندنت" بالشراكة مع "ريفوج" مواجهة أزمة وطنية تتمثل في نقص المساحات الآمنة، حيث أثمرت الحملة عن جمع 576984 جنيهًا إسترلينيًا من خلال 2282 تبرعًا، لبناء ملاجئ آمنة تضمن كرامة الناجيات وتوفر لهن الحماية الضرورية بعيداً عن أعين المعتدين.
بناء الملاذ الآمن
يؤكد رئيس تحرير صحيفة الإندبندنت، جوردي جريج، فخره بإنجاز أول عقار عصري سيوفر ملاذًا آمنًا لعدد لا يحصى من النساء والأطفال، مشيرًا إلى أن بناء المنزل الثاني يسير على قدم وساق لزيادة الوعي بهذه الأزمة وإحداث تغيير دائم، في ظل استخدام 10946 طوبة و1500 بلاطة سقف لبناء المنزلين بمساحة إجمالية بلغت 1357.12 قدم مربع.
كما توضح الصحفية بـ"الإندبندنت"، أثينا ستافرو أن فريقًا من الدهانات مؤلفًا بالكامل من النساء سيقوم بوضع اللمسات الأخيرة على الملجأ، لضمان صبغ المكان بروح الأمان والخصوصية، خاصة أن المنزل يضم ميزات سلامة متطورة مثل كاميرات المراقبة وصناديق البريد المقاومة للحريق وأقفال النوافذ المحسنة في موقع سري تمامًا لحماية الناجيات.
وتستعرض المذيعة في "بي بي سي"، فيكتوريا ديربيشاير، تجربتها الشخصية الأليمة مع العنف المنزلي لتسليط الضوء على أهمية هذه المشاريع، حيث تذكرت كيف كان والدها يمارس العنف ضدها وضد والدتها، وهي القصص التي حفزت القراء والسياسيين وشخصيات ملكية مثل الملكة لدعم الحملة التي تجاوزت هدفها الأولي البالغ 300 ألف جنيه إسترليني في شهر واحد فقط.
وتؤكد الرئيسة التنفيذية لمنظمة "ريفوج"، جيما شيرينغتون، أن الأمر لا يتعلق بالمبنى فحسب، بل ببداية جديدة تتطلب استمرار العمل لضمان حصول المزيد من النساء على دعم متخصص يتجاوز مجرد السكن إلى المشورة القانونية والدعم النفسي المكثف.
ومن جانبه، يشير رئيس مجلس أمناء مؤسسة "بيرسيمون" الخيرية، أنتوني فيغور، إلى اعتزازه بتسليم مفاتيح أول منزل تم بناؤه بالتعاون مع "ريفوج"، مشددًا على أن لكل شخص الحق في الشعور بالأمان، وأن هذا المنزل المصمم ليكون أكثر كفاءة في الطاقة بنسبة 30% سيصبح قريبًا الملاذ الضروري لعائلات ناجية تبحث عن حياة خالية من التهديد، حيث تتولى المؤسسة الصيانة الدورية والتنظيف العميق لضمان كرامة كل عائلة تقيم فيه.











