نزيف دم مستمر.. اقتتال العشائر في شمال وشرق سوريا نار داخلية تزيد معاناة المدنيين
نزيف دم مستمر.. اقتتال العشائر في شمال وشرق سوريا نار داخلية تزيد معاناة المدنيين
تشهد مناطق شمال وشرق سوريا خلال الأيام الأخيرة تصاعداً مقلقاً في وتيرة الاقتتالات العائلية والعشائرية، في مشهد يعكس عمق الأزمة الأمنية التي تعاني منها البلاد، فالاشتباكات التي توزعت في أرياف الحسكة ودير الزور وحلب لم تعد حوادث معزولة، بل باتت مؤشراً على حالة انفلات أمني متفاقمة، حيث ينتشر السلاح بين المدنيين بشكل واسع، ويغيب أي رادع فعلي يمنع تحول الخلافات اليومية إلى مواجهات دامية.
وبحسب ما وثقه المرصد السوري لحقوق الإنسان الخميس، فقد تم تسجيل 5 حوادث اقتتال عشائري وعائلي منذ مطلع فبراير 2026 في مناطق مختلفة، أسفرت عن مقتل 7 أشخاص وإصابة 6 آخرين، وهذه الأرقام، رغم محدوديتها الظاهرية، تعكس اتجاهاً متصاعداً ينذر بمزيد من التدهور، خاصة في ظل غياب حلول جذرية للأسباب التي تقف وراء هذه النزاعات.
خلافات تتحول إلى معارك
تتنوع أسباب هذه الاشتباكات بين خلافات شخصية بسيطة ونزاعات أعمق تتعلق بالنفوذ المحلي ومصادر الدخل، خصوصاً في المناطق الغنية بالموارد في سوريا مثل آبار النفط، ففي 20 فبراير، اندلعت مواجهات مسلحة بين عشيرتين في محيط بلدة اليعربية بريف الحسكة، أسفرت عن مقتل شخصين وإصابة 5 آخرين، وفي اليوم ذاته، تكرر المشهد داخل سوق البلدة نفسها، حيث أدى نزاع على السيطرة على بئر نفط إلى سقوط قتلى وجرحى، في مؤشر واضح على ارتباط بعض هذه الصراعات بالاقتصاد المحلي غير المنظم.
امتداد رقعة الاشتباكات
لم تقتصر الأحداث على الحسكة، بل امتدت إلى ريف حلب الشرقي، حيث شهدت مدينة السفيرة في 22 فبراير اشتباكات بين عائلتين أسفرت عن مقتل 3 أشخاص، كما شهدت مدينة رأس العين في 23 فبراير حادثة مشابهة بدأت بمشاجرة فردية قبل أن تتطور إلى تبادل لإطلاق النار داخل السوق، ما أدى إلى مقتل شخص وإصابة آخر، وفي 25 فبراير، اندلعت مواجهات عنيفة في بلدة ذيبان بريف دير الزور الشرقي، استخدمت فيها أسلحة متنوعة، في ظل غياب شبه كامل لأي ضوابط تنظم حيازة السلاح.
تعكس هذه الأحداث واقعاً أكثر خطورة يتمثل في الانتشار الواسع للسلاح بين المدنيين، حيث باتت الأسلحة متاحة بسهولة، ما يجعل أي خلاف قابل للتحول إلى اشتباك مسلح خلال لحظات، وهذا الوضع يترافق مع ضعف المؤسسات الأمنية وتعدد الجهات المسيطرة، ما يخلق فراغاً قانونياً يسمح بتكرار هذه الحوادث دون محاسبة حقيقية.
تداعيات إنسانية تتفاقم
لا تقف آثار هذه الاشتباكات عند حدود الضحايا المباشرين، بل تمتد لتطول المجتمع السوري بأكمله، العائلات تعيش في حالة خوف دائم، والأسواق تتحول إلى أماكن غير آمنة، في حين يتردد السكان في التنقل أو ممارسة حياتهم اليومية بشكل طبيعي، كما تؤدي هذه الأحداث إلى تعطيل مصادر الرزق، خاصة في المناطق التي تعتمد على التجارة المحلية أو الزراعة.
في قلب هذه الأزمة يبرز المدنيون الأكثر هشاشة، وعلى رأسهم النساء والأطفال، بوصفهم أكبر المتضررين، فالأطفال يشهدون مشاهد العنف بشكل متكرر، ما يترك آثاراً نفسية طويلة الأمد، في حين تواجه النساء صعوبات إضافية في الوصول إلى الخدمات الأساسية، خاصة في ظل تراجع الاستقرار الأمني.
اقتصاد هش يغذي الصراع
تلعب الظروف الاقتصادية المتدهورة دوراً محورياً في تأجيج هذه النزاعات، مع ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، يصبح التنافس على الموارد المحدودة أكثر حدة، ما يدفع بعض الأطراف إلى اللجوء للقوة لفرض السيطرة، وتبرز آبار النفط بوصفها مثالاً واضحاً على ذلك، حيث تتحول إلى نقاط صراع بين العشائر التي تسعى للاستفادة منها في ظل غياب إدارة مركزية فعالة.
يزداد الوضع تعقيداً مع تعدد القوى المسيطرة على الأرض، حيث تختلف الجهات الأمنية والإدارية بين منطقة وأخرى، ما يؤدي إلى غياب رؤية موحدة لضبط الأمن، وهذا الانقسام يضعف قدرة أي جهة على فرض الاستقرار، ويمنح المسلحين مساحة كبرى للتحرك دون قيود.
في ظل هذه المعطيات يعيش السكان حالة من القلق المستمر، فالأصوات المفاجئة قد تعني اندلاع اشتباك جديد، والخلافات البسيطة قد تتحول إلى مواجهات دامية، وهذا الواقع يدفع الكثيرين إلى الانعزال أو النزوح إلى مناطق أكثر أمناً، رغم محدودية الخيارات المتاحة.
دعوات للتهدئة والحلول
تتزايد الدعوات المحلية لاحتواء هذه الظاهرة عبر تفعيل دور الوجهاء والعشائر في حل النزاعات سلمياً، إلى جانب ضرورة ضبط انتشار السلاح وتعزيز دور المؤسسات الأمنية، غير أن هذه الجهود تبقى محدودة التأثير في ظل التعقيدات السياسية والاقتصادية التي تعيشها البلاد.
منذ اندلاع الأزمة في سوريا عام 2011، شهدت البلاد تفككاً تدريجياً في مؤسسات الدولة وتراجعاً في سلطة القانون، ما أدى إلى بروز أنماط جديدة من الصراعات المحلية، منها النزاعات العشائرية والعائلية. في مناطق الشمال والشرق، حيث تتداخل السيطرة بين قوى متعددة، تفاقمت هذه الظاهرة مع انتشار السلاح وغياب الاستقرار الاقتصادي، كما لعبت التحولات الاجتماعية والنزوح الداخلي دوراً في تغيير البنية التقليدية للعشائر، ما أضعف آليات حل النزاعات التقليدية، وفي ظل استمرار الأزمة السياسية وتعثر الحلول الشاملة، تبقى هذه الاشتباكات انعكاساً مباشراً لواقع أعمق من الانقسام والفوضى، حيث تتداخل العوامل الأمنية والاقتصادية والاجتماعية لتشكل بيئة خصبة لاستمرار العنف.











