"العدالة على الطريقة الأمريكية".. توظيف أفلام هوليوود في فيديو حربي يثير جدلاً حقوقياً
"العدالة على الطريقة الأمريكية".. توظيف أفلام هوليوود في فيديو حربي يثير جدلاً حقوقياً
أثار البيت الأبيض موجة واسعة من الجدل بعد نشره مقطع فيديو دعائي يمزج بين مشاهد من أفلام ومسلسلات هوليوودية ولقطات لعمليات عسكرية مرتبطة بالهجمات على إيران، في خطوة اعتبرها نقاد وفنانون مثالًا على توظيف الثقافة الشعبية في خطاب سياسي وعسكري يثير أسئلة حقوقية تتعلق باستخدام الأعمال الفنية دون إذن وتحويل الحرب إلى مادة دعائية.
ويُظهر مقطع الفيديو الذي نشره البيت الأبيض وعدًا بما وصفه بـ"العدالة على الطريقة الأمريكية"، مستخدمًا أسلوبًا بصريًا مستوحى من أفلام الحركة في هوليوود، وفق ما أفادت صحيفة الغارديان.
ويبلغ طول الفيديو 42 ثانية فقط، لكنه يمزج بين لقطات من أفلام ومسلسلات شهيرة مع مشاهد عسكرية، في إطار سردية دعائية تصور المواجهة مع إيران بأسلوب يشبه أفلام الأبطال الخارقين وأفلام الحركة.
وصف ناقد الأفلام في "الغارديان" الفيديو بأنه "عمل خبيث للغاية"، معتبراً أنه نموذج لما وصفه بـ"الدعاية المبتذلة" التي تُستخدم للترويج لأجندة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
يبدأ الفيديو بمشهد من فيلم "الرجل الحديدي 2"، حيث يظهر الممثل روبرت داوني جونيور في دور توني ستارك وهو يقول: "استيقظوا، أبي عاد إلى المنزل"، قبل أن تظهر سلسلة من الشخصيات السينمائية المعروفة.
يواصل الفيديو بعد ذلك عرض مشاهد من فيلم "غلادياتور" الذي يظهر فيه الممثل راسل كرو، إضافة إلى لقطات من فيلم "القلب الشجاع" الذي يجسد فيه الممثل ميل غيبسون شخصية المناضل الاسكتلندي ويليام والاس الذي يقاوم الجيش الإنجليزي الغازي.
تُظهر هذه الأفلام في مجملها شخصيات تبدو ضعيفة في البداية لكنها تتحدى قوى أكبر منها، وهي الفكرة التي يوظفها الفيديو في تصوير المواجهة العسكرية.
يستعرض الفيديو أيضًا مشاهد قصيرة من فيلم "توب غان" يظهر فيها الممثل توم كروز بدور الطيار المقاتل مافريك، قبل أن ينتقل إلى مشاهد من مسلسل "بريكينغ باد" ومسلسله المشتق "بيتر كول سول".
يظهر في أحد المقاطع الممثل بوب أودينكيرك في شخصية المحامي جيمي ماكغيل، المعروف باسم سول غودمان، وهو يصرخ قائلاً: "لا يمكنك أن تتخيل ما أنا قادر عليه".
يتضمن الفيديو أيضًا ظهور الممثل كيانو ريفز في لقطة من فيلم "جون ويك" وهو يقول: "أعتقد أنني عدت"، إضافة إلى مشهد من مسلسل "بريكينغ باد" يقول فيه الممثل برايان كرانستون: "أنا الخطر".
نهايته سلسلة من أبطال الحركة
يلفت ظهور هؤلاء الفنانين الانتباه إلى أن بعضهم كان من المنتقدين الصريحين لترامب، فقد كان داوني جونيور من أشد منتقدي الرئيس، وشارك في حملة منافسته الديمقراطية كامالا هاريس قبل انتخابات عام 2024، وفق ما ذكرت صحيفة الغارديان.
يعرض الفيديو في نهايته سلسلة من أبطال الحركة وبعض الشخصيات الكرتونية، إضافة إلى ظهور وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث، قبل أن ينتهي بصوت يقول "نصر ساحق"، في إشارة إلى سلسلة ألعاب الفيديو "مورتال كومبات".
يشير هذا الأسلوب الدعائي إلى اعتماد إدارة ترامب على خطاب بصري يعتمد السخرية والاستفزاز في وسائل التواصل الاجتماعي.
توضح الصحيفة البريطانية أيضًا أن الإدارة لجأت في وقت سابق إلى التلاعب الرقمي بالصور، من بينها تعديل صورة لامرأة اعتُقلت خلال احتجاج على الهجرة لتبدو وكأنها تبكي.
تشير "الغارديان" كذلك إلى استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في مقاطع فيديو وصور وُصفت بأنها دعاية مبتذلة، من بينها مقطع فيديو نشر في أكتوبر يظهر ترامب وهو يلقي بالبراز على مواطنين شاركوا في احتجاجات "لا للملوك".
وتلفت الصحيفة إلى أن من غير الواضح ما إذا كان البيت الأبيض حصل على إذن لاستخدام المقاطع السينمائية في الفيديو الأخير، مشيرة إلى أن فنانين وموسيقيين بارزين دخلوا سابقًا في خلافات مع البيت الأبيض بعد استخدامه لموادهم دون استشارتهم، ومن بينهم فرقة آبا والمغنية بيونسيه والمغني بروس سبرينغستين وفرقة رولينغ ستونز.
موجة انتقادات واسعة
أثار الفيديو أيضًا ردود فعل غاضبة بعد نشره، حيث ذكرت صحيفة "الإندبندنت" أن البيت الأبيض واجه موجة انتقادات بسبب المزج بين لقطات من أفلام الحركة ولقطات لضربات عسكرية مرتبطة بالهجمات على إيران.
نشر البيت الأبيض الفيديو مساء الخميس مصحوبًا بعبارة "العدالة على الطريقة الأمريكية"، بينما أظهر مشاهد من أفلام مثل الرجل الحديدي 2 وغلادياتور والقلب الشجاع، إلى جانب مقاطع من مسلسلات مثل بريكينغ باد وبيتر كول سول.
ينتهي الفيديو بلقطات تظهر الولايات المتحدة وهي تضرب سفينة إيرانية، ثم تظهر شخصية كرتونية تقول: "الآن أنهوا هذا"، قبل ظهور شعار البيت الأبيض وصوت يعلن "نصرًا ساحقًا" في إشارة إلى سلسلة ألعاب الفيديو مورتال كومبات، وفق ما نقلته الإندبندنت.
أشاد بعض المستخدمين بالفيديو، من بينهم الممثل كيفن سوربو الذي كتب على منصة إكس أن من أعد الفيديو يستحق مكافأة.
لكن سارع آخرون إلى انتقاده بشدة، فقد اتهم كاتب خطابات الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما ومقدم بودكاست "بود سيف أمريكا"، جون فافرو، البيت الأبيض بالتقليل من شأن الصراع مع إيران.
كتب فافرو أن مئات الأشخاص لقوا حتفهم، وأن ملايين الناس في الشرق الأوسط يعيشون في خوف، مضيفًا: "إنها ليست لعبة فيديو.. إنها ليست مزحة.. إنها حرب حقيقية".
انتقد كذلك الصحفي نيك براينت الفيديو، متسائلًا عما إذا كان هناك إدراك لخطورة الحرب وفظاعتها، ومضيفًا أن ما يحدث لا يليق بالبيت الأبيض.
وأشارت "الإندبندنت" إلى أن الجدل جاء بعد تقارير عن سقوط ضحايا مدنيين في إيران، فقد أفادت وكالة رويترز بأن محققين عسكريين أمريكيين يعتقدون أن القوات الأمريكية ربما كانت مسؤولة عن غارة استهدفت مدرسة للبنات في جنوب إيران.
أفاد مسؤولون إيرانيون بمقتل أكثر من 175 شخصًا في تلك الغارة، بينهم نحو 150 طالبة، بحسب ما نقلته الصحيفة.
أكد وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث أن المسؤولين يحققون في الحادث، مشددًا على أن الولايات المتحدة "لن تستهدف أبدًا أهدافًا مدنية".
قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت إن الأمر قيد التحقيق، مضيفة أن النظام الإيراني هو من يستهدف المدنيين والأطفال، وليس الولايات المتحدة.
اعتراض الفنانين
انتقد عدد من الفنانين استخدام أعمالهم في الفيديو، بحسب ما أفادت مجلة "هوليوود ريبورتر".
اعترض الممثل والمخرج بن ستيلر على استخدام مقطع من فيلمه "تروبيك ثاندر" في الفيديو الدعائي.
نشر ستيلر رسالة عبر منصة إكس قال فيها: "مرحبًا أيها البيت الأبيض، نرجو حذف مقطع تروبيك ثاندر.. لم نمنحكم الإذن أبدًا، ولا نرغب في أن نكون جزءًا من آلتكم الدعائية.. الحرب ليست فيلمًا".
قارن مقدم البودكاست فينس مانشيني بين الفيديو والحروب السابقة، متسائلًا لماذا احتاجت الحكومات سابقًا إلى تبرير الحروب أمام الكونغرس بينما يمكن اليوم تجميع مقاطع من أفلام قديمة لإيصال الرسالة.
أبرزت المجلة أيضًا أن استخدام مشاهد الغارات الجوية في سياق احتفالي يبدو غير لائق، خاصة بعد تقارير عن احتمال تورط القوات الأمريكية في غارة استهدفت مدرسة للبنات في إيران.
تصاعد اعتراضات المشاهير
أعرب عدد من الفنانين عن اعتراضهم على استخدام أعمالهم في الفيديو، وفق ما ذكرته مجلة "بيبول" الأمريكية، موضحة أن ستيلر ليس الوحيد الذي انتقد استخدام أعماله، إذ سبق أن اعترض فنانون آخرون على استخدام محتواهم في منشورات حكومية.
انتقدت المغنية كيشا استخدام أغنيتها "بلو" في فيديو عسكري، قائلة إن محاولة الاستخفاف بالحرب أمر "مقزز وغير إنساني".
أكدت كيشا أنها لا توافق إطلاقًا على استخدام موسيقاها للترويج للعنف أو التهديد بالحرب.
ردّ مدير الاتصالات في البيت الأبيض ستيفن تشيونغ على هذه الانتقادات عبر منصة إكس، قائلًا إن اعتراضات الفنانين تزيد من اهتمام الجمهور بالفيديوهات وترفع عدد مشاهداتها.
تكشف هذه التطورات، كما تظهرها التغطيات الإعلامية المختلفة، عن جدل متصاعد حول استخدام الثقافة الشعبية في الخطاب السياسي والحربي، وعن اعتراضات متزايدة من فنانين ومعلقين يرون أن تحويل الحرب إلى مادة دعائية ترفيهية يثير تساؤلات أخلاقية وحقوقية حول حدود استخدام الأعمال الفنية في الرسائل الحكومية.











