دعوات حقوقية لتكثيف التعاون الدولي لحماية الأطفال في النزاعات المسلحة

ضمن فعاليات الدورة الـ61 لمجلس حقوق الإنسان

دعوات حقوقية لتكثيف التعاون الدولي لحماية الأطفال في النزاعات المسلحة
ندى الناشف، نائبة مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان

في إطار الجهود الدولية الرامية إلى تعزيز حماية الأطفال في مناطق النزاع، دعا المجتمع الدولي إلى تكثيف التعاون بين الدول والمنظمات الدولية والمجتمع المدني لضمان احترام القانون الدولي وحماية حقوق الأطفال، ووضع الأطفال المتأثرين في قلب الاستراتيجيات الوطنية والدولية للسلام والأمن. 

وأكدت التوصيات التي جاءت ضمن فعاليات الاجتماع الثاني والعشرين لمجلس حقوق الإنسان، في إطار المناقشة السنوية بشأن حقوق الطفل وفق القرارين 29/7 و29/55، التي عقدت اليوم الاثنين، ضرورة اتخاذ تدابير ملموسة لوقف الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال، بما يشمل تعزيز التعليم، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي، وضمان مشاركة الأطفال أنفسهم في القرارات التي تؤثر على حياتهم ومستقبلهم. 

كما شددت على أهمية مساءلة المسؤولين عن الانتهاكات، وضمان عدم الإفلات من العقاب، ودمج حماية الطفل في السياسات العسكرية والاستراتيجيات الأمنية.

حرمان من التعليم

افتتحت الجلسة بكلمة ندى الناشف، نائبة مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، والتي أشارت إلى أن الأطفال في مناطق النزاع يتحملون أثقالاً غير مقبولة، وغالباً ما يكونون الضحايا الرئيسيين لأكثر من 60 نزاعاً مسلحاً حول العالم. 

وأكدت أن الهجمات على المدارس والمستشفيات والمرافق الحيوية للأطفال، والتي زادت بنسبة 166% بين 2021 و2024، أدت إلى حرمان نحو 13 مليون طفل من التعليم، كما زاد عدد الأطفال المتضررين من انقطاع المساعدات الإنسانية بشكل ملحوظ خلال العام 2024. 

وأوضحت الناشف أن الأطفال في مناطق مثل غزة وأوكرانيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ما زالوا يواجهون مخاطر مميتة بسبب الألغام الأرضية والحرب الممتدة، ما يهدد حياتهم اليومية ومستقبلهم النفسي والاجتماعي.

وركزت ندى الناشف على أهمية إشراك الأطفال أنفسهم في القرارات التي تؤثر على حياتهم، مؤكدة أن الأطفال ليسوا مجرد ضحايا، بل يمكن أن يكونوا شركاء فاعلين في بناء السلام وتعزيز الحوار، وأن على الدول دمج مصالح الأطفال في السياسات الوطنية والدولية، كما فعلت دول مثل الجزائر، والأردن، وقطر، وليتوانيا، ومالطا، ورومانيا، وإسبانيا. 

وأضافت أن دولاً مثل كولومبيا والسلفادور وضعت سياسات داعمة للأطفال النازحين، وحظرت تجنيدهم في القوات المسلحة، فيما حظرت سلوفينيا تصدير الأسلحة إلى الدول التي تسمح بتجنيد الأطفال أو إشراكهم في النزاعات المسلحة.

التهجير وتوقف التعليم

ومن بين أبرز الكلمات في الجلسة، رسالة فيديو من طفلة كولومبية تدعى يانسل، عضو شبكة المشاركة الوطنية المدعومة من منظمة إنقاذ الطفولة، التي تحدثت عن المعاناة التي يعيشها الأطفال في مناطق النزاع، من توقف التعليم وتهجير الأطفال من منازلهم، إلى التجنيد عبر وسائل التواصل الاجتماعي. 

وأكدت أن الأطفال يحتاجون إلى فرص تعليمية حقيقية ومساحات آمنة للشفاء النفسي والاجتماعي، مثل مشاريع "بيت الثقافة" أو "بيت الذاكرة"، حيث يمكنهم التعبير عن تجاربهم والتواصل مع أقرانهم ومجتمعاتهم، داعية المسؤولين إلى الاستماع إلى أصوات الأطفال واحترام القوانين الدولية القائمة.

كما ألقت فانيسا فريزر، الممثلة الخاصة للأمين العام المعنية بالأطفال والنزاعات المسلحة، كلمة سلطت الضوء على الذكرى الثلاثين لولاية الأمم المتحدة المتعلقة بالأطفال والنزاعات المسلحة، مؤكدة أن العنف ضد الأطفال لا يزال مستمراً في عام 2025، ويشمل القتل، والتشويه، والاغتصاب، ومنع الوصول إلى المساعدات الإنسانية، والهجمات على المدارس والمستشفيات. 

وأشارت إلى أن حماية الأطفال في النزاعات تتطلب تعاوناً مستمراً بين الأمم المتحدة، ومنظمات المجتمع المدني، والحكومات الوطنية، بما في ذلك تطوير وتنفيذ خطط عمل مشتركة مع أطراف النزاع، وتحويل الالتزامات الدولية إلى إجراءات ملموسة على الأرض، مثل إطلاق سراح الأطفال المحتجزين أو الجنود الأطفال، وتقديم الدعم لإعادة إدماجهم في المجتمعات المحلية.

استراتيجية لحماية الأطفال

بدوره، أشار بونوا فان كريسبك، عضو لجنة حقوق الطفل، إلى أن الوقاية والحماية هما أساس أي استراتيجية فعالة لحماية الأطفال، وأن المجتمع الدولي لا يستثمر بشكل كافٍ في آليات منع النزاعات قبل اندلاعها، مع التأكيد على ضرورة احترام القانون الدولي، ومعاقبة الانتهاكات، ومعالجة الأسباب الجذرية للصراعات. 

كما أبرز أهمية تنظيم تجارة الأسلحة التي تؤجج النزاعات وتمتد آثارها عبر سنوات طويلة، مؤكداً أن حماية الأطفال تبدأ بمنع وقوع النزاعات نفسها، وأن أي تدابير لاحقة بدون الوقاية المسبقة لن تكون كافية.

وشهدت الجلسة مشاركة واسعة للدول، فقد أكدت أوكرانيا وليتوانيا وبولندا ضرورة حماية الأطفال الأوكرانيين وإعادتهم إلى أسرهم، واعتبرت اللجنة الدولية المستقلة في أوكرانيا أن انتهاكات حقوق الأطفال من قبل السلطات الروسية تشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. 

وشددت النرويج على أن حماية الأطفال ليست خياراً أخلاقياً فحسب، بل التزاماَ قانونياً دولياً، داعية إلى تمكين الأطفال من المشاركة في صياغة السياسات التي تؤثر على حياتهم، وفي ذات السياق، أشار الاتحاد الأوروبي إلى التزامه بتخصيص 1.9 مليار يورو للمساعدات الإنسانية في عام 2026، مع التركيز على حماية الأطفال، بما في ذلك 450 مليون يورو مخصصة لمنطقة الشرق الأوسط، مؤكداً أهمية دمج أصوات الأطفال في وضع السياسات وحماية المدارس أثناء النزاعات.

احترام القانون الدولي

أما الدول العربية، مثل السعودية والبحرين، فقد ركزت على الوضع الكارثي للأطفال في مناطق النزاع، وخصوصاً في غزة، داعية إلى احترام القانون الدولي واتخاذ تدابير لتخفيف آثار النزاع على الأطفال، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المستشفيات والمدارس. 

ومن جانبها، أكدت الدول الإفريقية مثل كينيا، ضرورة تعزيز التعاون الدولي لدعم إعادة دمج الأطفال المتضررين من النزاعات المسلحة، بينما سلّطت لوكسمبورغ الضوء على تحديات حماية الأطفال المهاجرين والعمالة القسرية، مؤكدة على ضرورة احترام حقوق الأطفال حتى في أوقات السلم.

كما ناقشت سلوفينيا ومالطا ومقدونيا الشمالية وبلجيكا والأردن أهمية احترام حقوق الأطفال يومياً، وضمان حصولهم على التعليم والرعاية الصحية والدعم النفسي والاجتماعي، وتشجيع المشاركة الفعالة للأطفال في تصميم السياسات التي تحميهم، مؤكدة أن تطبيق القوانين الدولية القائمة أفضل من سن قوانين جديدة، وأن الإرادة السياسية والموارد المادية المتاحة كافية إذا ما تم توجيهها بشكل صحيح.

وخلصت المناقشات إلى أن حماية الأطفال في النزاعات المسلحة تتطلب نهجاً متعدد الأطراف، يشمل التعاون بين الأمم المتحدة، والحكومات الوطنية، والمجتمع المدني، والمنظمات الإنسانية، بالإضافة إلى التزام الدول بمعايير القانون الدولي، وتعزيز الوقاية، والتخطيط الاستباقي، ومراقبة الانتهاكات، لضمان تحقيق نتائج ملموسة للأطفال على الأرض. 

كما تم التأكيد على ضرورة دمج حماية الأطفال في كل مراحل النزاع، من منع النزاعات، والإنذار المبكر، والوساطة، وصولاً إلى إعادة الإعمار والتنمية بعد النزاع.

في كولومبيا، تبرز آثار النزاع المستمر لأكثر من 50 عاماً، حيث كان الأطفال ضحايا للقتل والاختفاء والاختطاف والتجنيد القسري، ودمار المدارس وحرمانهم من التعليم. 

وقد أسست الحكومة الكولومبية لجنة لمنع التجنيد والاستغلال والعنف الجنسي ضد الأطفال، تعمل على مستوى إقليمي منسق، مع التركيز على حماية البيئة المدرسية وتعزيز العدالة للضحايا من خلال ضمانات عدم التكرار، كما تم إطلاق حملات توعية ودمج الالتزامات الوطنية ضمن خطة عمل وطنية للفترة 2022-2026 لضمان بيئات مدرسية آمنة وحماية الأطفال خلال عملية السلام.

دمج حماية الأطفال

أما في أوروغواي فقد شددت السلطات على أهمية دمج حماية الأطفال بشكل منهجي في الخطط التشغيلية، والأطر السردية الدولية، وآليات الإنذار المبكر، وخطط العمل الوطنية، باعتبارها أدوات ملموسة لتعزيز المساءلة والحفاظ على الموارد وضمان الاستمرارية في حماية الأطفال وتقليل الانتهاكات الجسيمة، وقد طلبت أوروغواي من اللجنة تحديد التدابير الأكثر فاعلية لتعزيز هذه الاستراتيجيات على الصعيد الدولي.

في أفغانستان، يعاني الأطفال من أزمة متعددة الأبعاد تشمل العنف المباشر والاعتداء الجنسي، والانتهاكات التي تهدد حياتهم اليومية، إضافة إلى انهيار الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة والحماية الاجتماعية. 

كما يزيد النزوح والفقر وتغير المناخ والتمييز ضد الفتيات من هشاشة الأطفال، ما يجعل نهج الحكومة نحو الوقاية والحماية ضرورة حتمية لضمان حصول الأطفال على التعليم والرعاية الصحية والدعم النفسي والاجتماعي، مع مراعاة ذوي الإعاقة وضمان مشاركتهم الآمنة.

أما الاتحاد الروسي، فقد أكد التزامه بحماية الأطفال ورفض الانتهاكات الجسيمة ضدهم، داعياً جميع الدول إلى الالتزام بقواعد القانون الدولي وتقديم الجناة للعدالة، مع الإشارة إلى أن قضية الأطفال أحيانا تُستغل سياسياً في النزاعات، كما حدث في القرار الدولي بشأن إعادة الأطفال الأوكرانيين، مع التأكيد على التزام روسيا بحماية مصالح الأطفال.

انتهاك الحقوق الأساسية

وعلى صعيد غزة وفلسطين، سلّطت التقارير الضوء على مقتل عشرات الآلاف من الأطفال، وتدمير المدارس والبنية التحتية الحيوية، وانتهاك حقوقهم الأساسية، ما يوضح أن الوقاية من العنف لا يمكن أن تنجح دون معالجة الأسباب الجذرية للاحتلال والنزاع المستمر. 

وأشارت منظمة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" إلى أن العديد من الأطفال يعتمدون على الخدمات التعليمية التي تقدمها الأمم المتحدة، وأن استمرار الحرب يعرضهم للخطر ويحد من قدرتهم على التعلم والعيش بسلام.

وفي أوكرانيا، تحدث الأطفال عن أثر الاحتلال الروسي على حياتهم، معبرين عن القلق النفسي والإرهاق العاطفي، واقترحوا خمس توصيات عملية لتعزيز الحماية: توفير مساحات آمنة، ودمج خدمات الدعم النفسي والاجتماعي ضمن النظام التعليمي، والاستخدام الأمثل للموارد، وحماية الأطفال الأوكرانيين في الخارج، ودمج هذه السياسات ضمن مبادرة "بناء أوكرانيا" لضمان مستقبلهم بكرامة وسلام.

كما عرضت منظمات دولية حالات مأساوية للأطفال في البحرين والهند واليمن، مؤكدة أن التعذيب، والاعتقال التعسفي، والزواج المبكر، وعمالة الأطفال، والاستغلال الجنسي، وزيادة عسكرة التعليم تشكل تهديدات مباشرة لمستقبل الأطفال في المناطق المتأثرة بالنزاعات. 

وقد أظهرت هذه الحالات الحاجة الملحة إلى آليات حماية فعالة، وإصلاح التعليم، وتوفير الرعاية الصحية والدعم النفسي والاجتماعي، إلى جانب العدالة والمساءلة.

وشددت الدول الأوروبية، مثل إسبانيا، على أن حماية التعليم كحق أساسي للأطفال ضمن الاستراتيجيات الإنسانية الوطنية أمر جوهري، مع دعم تنفيذ آليات التعويض للضحايا، وتعزيز المساءلة الدولية، والعمل الدبلوماسي لحل النزاعات سلمياً. 

وأكدت المنظمات الدولية أهمية دمج الأطفال أنفسهم في تصميم السياسات وحماية حقوقهم، وأن التعليم يجب أن يبقى بيئة آمنة بعيداً عن النزاعات المسلحة.

الإرادة والعمل المشترك

وفي ختام الجلسة، ركز المشاركون على ضرورة الإرادة السياسية والعمل المشترك بين الدول والمنظمات الدولية لضمان حماية الأطفال، مؤكدين أن عدم المساءلة والتراخي في تنفيذ القوانين الدولية يؤدي إلى تكرار الانتهاكات، وقد أشارت المنصة الختامية إلى أن أكثر من 50% من الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال ترتكبها جهات حكومية، بينما تتسبب الجماعات المسلحة غير الحكومية في نصف الانتهاكات الأخرى. 

وأكد المسؤولون أن الأدوات والآليات اللازمة موجودة بالفعل، من خطط عمل وطنية والتزامات دولية وآليات عدالة للأطفال، وأن ما يلزم هو إرادة سياسية حقيقية لتطبيقها على الأرض.

ولا يقدم التقرير السنوي للأمين العام حول الأطفال والنزاعات المسلحة، رغم أهميته، معلومات كافية حول كيفية حماية الأطفال وحل مشكلاتهم، وهو ما يدعو إلى تعزيز التعاون المباشر بين الأمم المتحدة، والدول، والمجتمع المدني، لضمان تنفيذ التوصيات، وحماية الأطفال، ومنع تكرار الانتهاكات.

وفي النهاية، اتفق المجتمع الدولي على أن حماية الأطفال في النزاعات المسلحة مسؤولية مشتركة، تبدأ بالإرادة السياسية، وتطبيق القانون، وضمان العدالة، ومشاركة الأطفال أنفسهم، مع التركيز على الوقاية، والمساءلة، والتعليم، والرعاية الصحية، لتشكيل مستقبل أكثر أمناً وكرامة لجميع الأطفال المتضررين حول العالم.



ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية