الترحيل إلى دول ثالثة.. كيف تُنتهك حقوق المهاجرين في صفقات خلف الأبواب المغلقة؟

الترحيل إلى دول ثالثة.. كيف تُنتهك حقوق المهاجرين في صفقات خلف الأبواب المغلقة؟
ترحيل مهاجرين- أرشيف

 

في ردهات السياسة الأمريكية، غالبًا ما تُساق عبارة "حماية الأمن القومي" لتبرير سياسات قاسية تمس حياة آلاف المهاجرين. غير أنّ سياسة ترحيل المهاجرين إلى دول ثالثة، والتي كثّفتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، تكشف عن وجهٍ أكثر تعقيدًا: إذ تتداخل فيها اعتبارات أمنية معلنة مع أبعاد إنسانية مقلقة، وسط اتهامات حقوقية بانتهاك مبدأ عدم الإعادة القسرية، وغياب الشفافية والإجراءات العادلة.

بحسب مراجعات لوكالة رويترز، اتخذت إدارة ترمب قرارات بترحيل مهاجرين مدانين إلى دول لا تربطهم بها أي صلة، مثل جنوب السودان وإسواتيني، وجاء ذلك بزعم أنّ دولهم الأصلية لا تقبل إعادتهم، في خطوة وُصفت بأنها قاسية بلا داعٍ، خصوصًا أنّ بعض هؤلاء أمضوا عقوباتهم في السجون الأمريكية قبل سنوات، وبعضهم أُطلق سراحه منذ مدة طويلة.

من بين هؤلاء مهاجرون من كوبا، لاوس، ميانمار، اليمن، المكسيك وفيتنام، أُعيد ثمانية منهم إلى جنوب السودان وخمسة آخرون إلى إسواتيني، وفي حادثة أخرى، جرى تهديد خمسة مهاجرين بالترحيل إلى ليبيا، قبل أن يُعادوا أخيرًا إلى بلدانهم الأصلية بعد تدخل قضائي.

ورغم مطالبات الصحافة والحقوقيين، امتنعت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية عن تقديم أرقام دقيقة لعدد المُرحّلين إلى دول ثالثة منذ بداية تطبيق هذه السياسة في 2017. إلا أنّ الوثائق المتاحة وتصريحات مسؤولي الوزارة تكشف أن عشرات، وربما مئات المهاجرين، وُضعوا قيد إجراءات مماثلة.

انتقادات حقوقية واسعة

تقارير لمنظمات مثل "هيومن رايتس ووتش" و"العفو الدولية" عدت هذه السياسة تتعارض جوهريًا والتزامات الولايات المتحدة الدولية، ولا سيما مبدأ عدم الإعادة القسرية المنصوص عليه في اتفاقية اللاجئين لعام 1951، والذي يحظر إعادة أي شخص إلى بلد قد يتعرض فيه لخطر التعذيب أو سوء المعاملة.

وذكرت "العفو الدولية" أنّ عمليات الترحيل إلى دول مثل جنوب السودان وليبيا تضع حياة المهاجرين في خطر مباشر، خاصة أنّ هذه الدول تشهد نزاعات مسلحة وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، فيما أكدت منظمة الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية (ACLU) أنّ ترحيل مهاجرين إلى دول لا يعرفونها أصلاً، ولا تربطهم بها أي علاقة ثقافية أو لغوية، يمثل «إجراءً عقابياً تعسفياً».

بين الخطر والأرقام

تؤكد إدارة ترمب أنّ المُرحّلين يمثلون تهديدًا حقيقيًا للمجتمع الأمريكي، حيث قالت أبيغيل جاكسون، المتحدثة باسم البيت الأبيض، إنهم الأسوأ على الإطلاق وبينهم مدانون بجرائم عنف واعتداءات جنسية على أطفال. في حين شدّد معارضو السياسة على أنّ هذا التعميم لا ينطبق على جميع المرحّلين، إذ إنّ بعضهم أُدين بجرائم بسيطة أو انتهت قضاياهم قبل سنوات طويلة.

وفقًا لإحصائيات رسمية نشرها مركز دراسات الهجرة في 2024، نفذت السلطات الأمريكية أكثر من 5700 عملية ترحيل لمهاجرين غير مكسيكيين إلى المكسيك وحدها، منذ 2017 وحتى منتصف 2024، كما سُجّلت عمليات ترحيل إلى دول مثل السلفادور وبنما وكوستاريكا وأفغانستان وروسيا.

وفي مارس 2024، رحّلت إدارة ترمب أكثر من 200 مهاجر فنزويلي متهمين بالانتماء لعصابات إلى سجن سيكوت في السلفادور، حيث احتُجزوا دون توكيل محامٍ، قبل إطلاق سراح بعضهم لاحقًا في عملية تبادل سجناء.

سياسة تاريخية 

سياسة الترحيل إلى دول ثالثة ليست جديدة كليًا، إذ يُتيح القانون الأمريكي منذ عقود إمكانية ترحيل الأجانب إلى بلد غير بلد جنسيتهم» في حال استحالة أو عدم مناسبة إعادتهم لدولهم الأصلية، لكن إدارة ترامب كانت الأكثر توسعًا في تطبيقها، حتى تجاه دول خطرة أو دون ضمانات دبلوماسية.

تاريخيًا، شهدت سياسات الهجرة الأمريكية موجات تشدد في فترات مختلفة، مثل قوانين الترحيل الإجباري بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، والتي استهدفت بالأساس مهاجرين من دول عربية وإسلامية، قبل أن تُخفف جزئيًا في عهد الرئيس أوباما.

لكن إدارة ترامب تبنّت شعار أمريكا أولًا، وعدت التشدد في الترحيل وسيلة ردع فعالة للهجرة غير النظامية، حتى لو تضمّن ذلك إرسال أشخاص إلى دول قد تشكل تهديدًا لحياتهم.

 تساؤلات قانونية وأخلاقية

في يونيو 2024، سمحت المحكمة العليا الأمريكية للحكومة بالترحيل إلى دول ثالثة دون شرط منح المهاجر فرصة إثبات الخطر المحتمل، قرارٌ وُصف بأنه نقطة تحوّل مقلقة في القانون الأمريكي للهجرة.

مع ذلك، ما زالت القضية محل نزاع قضائي في محكمة بوسطن الفيدرالية، وقد تعود للمحكمة العليا لاحقًا. بينما يشير خبراء قانونيون إلى أنّ محاولة ترحيل رجل مكسيكي إلى جنوب السودان، وآخر من لاوس إلى ليبيا، تُظهر خللاً جوهريًا في تقييم الأخطار، وربما تجاهلًا لالتزامات قانونية دولية.

 تكاليف إنسانية باهظة

إلى جانب المخاطر الجسدية، يواجه المرحّلون فقدان الروابط العائلية والاجتماعية، وصدمات نفسية عميقة، في مقابلة مع رويترز، قال رجل من لاوس هُدّد بالترحيل إلى ليبيا: لماذا يستخدموننا بيادق؟ وقد جاء هذا الشاب إلى الولايات المتحدة لاجئًا في طفولته، ولم يعرف بلدًا غيرها تقريبًا.

أما في إسواتيني، فتقول الحكومة إنّ المهاجرين الخمسة الذين استقبلتهم بموجب اتفاق مع واشنطن ما زالوا محتجزين في زنازين انفرادية، وهي ممارسة تعدها منظمات أممية انتهاكًا صارخًا للحق في المحاكمة العادلة والكرامة الإنسانية.

 بين الردع والتأثير المحدود

يقول مدافعون عن السياسة مثل جيسيكا فوون من مركز دراسات الهجرة إنّ هذه الإجراءات ضرورية لحماية المجتمع الأمريكي من المجرمين الأجانب، خصوصًا في ظلّ عجز بعض الدول الأصلية عن استقبالهم.

لكنّ تقريرًا صادرًا عن معهد سياسة الهجرة عام 2024 وجد أن هذه السياسة لم تُسهم فعليًا في تقليل أعداد المهاجرين غير النظاميين بشكل ملموس، في حين أسهمت في زيادة المخاوف في المجتمعات المهاجرة، ودفع البعض إلى الهرب بدلًا من التعاون مع السلطات.

بين سطور الأرقام والاتهامات المتبادلة، تظهر حقيقة لا جدال فيها: هذه السياسات تغيّر حياة أناس حقيقيين، وتفرض عليهم مصيرًا غالبًا ما يكون مأساويًا.

وبين ذريعة الأمن وحماية المجتمع، وبين الالتزام بالمعايير الحقوقية والإنسانية، تظل السياسة الأمريكية في ملف الترحيل إلى دول ثالثة في حاجة إلى مراجعة عميقة توازن بين متطلبات الأمن وحقوق الإنسان، قبل أن تتحول حياة مزيد من المهاجرين إلى أرقام في تقارير لا يقرؤها إلا قليلون.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية