اليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا الإرهاب وتكريمهم.. ذاكرة إنسانية في مواجهة العنف

يحتفل به في 21 أغسطس من كل عام

اليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا الإرهاب وتكريمهم.. ذاكرة إنسانية في مواجهة العنف
إحياء ذكرى ضحايا الإرهاب

في الحادي والعشرين من أغسطس من كل عام، يتوقف العالم لإحياء ذكرى ضحايا الإرهاب وتكريمهم، وهو اليوم الذي أقرّته الأمم المتحدة عام 2017 بموجب قرار الجمعية العامة رقم 72/165، حيث يأتي هذا اليوم ليمنح الضحايا والناجين مساحة في الذاكرة العالمية، ليؤكد حقهم في الاعتراف والعدالة والدعم المستمر.

لم يأتِ هذا اليوم صدفة، بل هو ثمرة عقود من النقاشات حول الإرهاب وما يتركه من آثار كارثية، ليس فقط على الأمن الدولي، بل على حياة آلاف الأسر التي فقدت أعزاءها، أو على الناجين الذين يواصلون حياتهم مثقلين بالجراح الجسدية والنفسية.

النشأة والتاريخ

أقرّت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا اليوم في ديسمبر 2017، انطلاقاً من إدراك المجتمع الدولي للحاجة إلى وقفة تضامن عالمية مع ضحايا الإرهاب، وتقرر أن يكون 21 أغسطس، موعداً سنوياً لإحياء الذكرى وتكريم الضحايا، تأكيداً على أن مواجهة الإرهاب لا تقتصر على البعد الأمني فقط، بل تمتد لتشمل حماية حقوق الإنسان وصون الكرامة الإنسانية.

وقد جاء القرار بعد سلسلة من الجهود الدولية، منها الاستراتيجية العالمية للأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب التي اعتمدت عام 2006، والتي شددت على أهمية دعم وحماية الضحايا.

كما تعززت هذه الجهود لاحقاً بقرارات مثل 73/305 الصادر عام 2019، والذي دعا إلى تعزيز الدور المركزي للضحايا في سياسات مكافحة الإرهاب، وكذلك قرار 77/298 لعام 2023 الذي أكد على تمكين الضحايا ومنحهم صوتاً في المحافل الدولية.

ومنذ عام 2018، أصبح هذا اليوم منصة لتسليط الضوء على معاناة الضحايا وعائلاتهم، وإبراز التزامات الدول بدعمهم، كما يمثل فرصة لتجديد الحوار حول كيفية تمكين الناجين ومنحهم صوتاً مسموعاً في السياسات الدولية والوطنية.

وفي عام 2022، استضافت الأمم المتحدة في نيويورك المؤتمر العالمي الأول لضحايا الإرهاب، والذي جمع ناجين وخبراء وصانعي سياسات من أكثر من 70 دولة، وكان محطة فارقة في جعل أصوات الضحايا جزءاً من القرار الدولي.

أهمية اليوم

يهدف اليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا الإرهاب وتكريمهم إلى إبراز حقوق الضحايا من خلال التأكيد أن للضحايا الحق في التعويض والدعم والعدالة، وأنهم ليسوا مجرد أرقام في سجلات العنف، ومكافحة النسيان عبر منع تهميش الضحايا في الخطاب العام، وضمان تخليد ذكراهم كجزء من الذاكرة الإنسانية المشتركة.

بالإضافة إلى التضامن الدولي من خلال حث الحكومات والمجتمعات على اتخاذ خطوات ملموسة لدعم الضحايا، بما في ذلك الرعاية النفسية والاجتماعية والقانونية، وتمكين الناجين عن طريق منحهم مساحة للتعبير والمشاركة في رسم السياسات الخاصة بمكافحة الإرهاب.

ولا تعد هذه الأهداف شعارات نظرية، بل استجابة لحقيقة أن الكثير من الضحايا يشعرون بالتجاهل بعد وقوع الاعتداءات، فقد أشارت المفوضية السامية لحقوق الإنسان في تقاريرها إلى أن كثيراً من الناجين يعانون العزلة الاجتماعية، وفقدان مصدر الرزق، فضلاً عن آثار الصدمات النفسية التي قد تستمر سنوات طويلة.

رسائل الأمم المتحدة

شدد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في مناسبات عديدة سابقة، على أن "الضحايا يجب أن يكونوا في قلب استجابتنا للإرهاب"، مؤكداً أن الاعتراف بمعاناتهم خطوة أساسية لتحقيق العدالة والسلام.

وأشار إلى أن التضامن لا ينبغي أن يقتصر على الكلمات، بل يجب أن يترجم إلى إجراءات عملية لدعم الضحايا في التعليم والعمل والرعاية الصحية.

ومن جانبها، أكدت المفوضية السامية لحقوق الإنسان أن الدعم النفسي والاجتماعي ليس امتيازاً بل حقا أساسيا، وأن الدول تتحمل مسؤولية مباشرة في ضمان حصول الضحايا على خدمات إعادة التأهيل، كما شددت على أهمية إشراك الضحايا في النقاشات العامة، وعدم اختزالهم في صورة المتلقي السلبي للدعم.

الضحايا في مركز الاهتمام

يُظهر هذا اليوم أن الإرهاب ليس فقط تهديداً أمنياً، بل مأساة إنسانية تطال الأبرياء وتترك آثاراً طويلة الأمد على المجتمعات، حيث يجد كثير من الضحايا أنفسهم منسيين بعد أن ينتهي الزخم الإعلامي، وتبقى معاناتهم ممتدة في صمت، بعضهم يعيش مع إعاقات دائمة، وبعضهم يفقد مصدر دخله، وآخرون يجدون أنفسهم عرضة لوصمة اجتماعية.

وقد أبرزت شهادات ناجين في مؤتمرات الأمم المتحدة أن أصعب ما يواجهونه ليس فقط الألم الجسدي أو فقدان الأحبة، بل الإحساس بالتهميش وغياب الاعتراف، ومن هنا تأتي أهمية اليوم الدولي: فهو يعيد الضحايا إلى صدارة النقاش العالمي، ويجعل صوتهم جزءاً من صناعة القرار.

ويعيد إحياء هذه الذكرى التأكيد على التزامات الدول تجاه الحق في الحياة، والحق في العدالة، والحق في الدعم والتعويض، كما أنه يسلط الضوء على تقاطع الإرهاب مع انتهاكات أوسع لحقوق الإنسان، خاصة عندما يتم استخدامه ذريعة لتقييد الحريات الأساسية أو تمرير قوانين استثنائية تمس بالمجتمع المدني.

ومن هذا المنظور، فإن اليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا الإرهاب ليس مجرد يوم رمزي، بل أداة لمساءلة الدول وحثها على تطوير سياسات وطنية شاملة تراعي احتياجات الضحايا، وهو أيضاً رسالة إلى المجتمعات بأن الإرهاب لا ينتهي بانفجار أو هجوم، بل يستمر أثره ما لم يتم احتضان الضحايا ودعمهم.

ويحمل هذا اليوم معنى يتجاوز الأرقام والإحصاءات، إنه تذكير بأن وراء كل هجوم إرهابي وجهاً وقصة وذاكرة، وأن العدالة الحقيقية لا تتحقق إلا حين يتم الاعتراف بالضحايا وتكريمهم.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية