فاتورة حرب ومعيشة باهظة تدفع المزيد من الإسرائيليين إلى بوابة الإفلاس
فاتورة حرب ومعيشة باهظة تدفع المزيد من الإسرائيليين إلى بوابة الإفلاس
شهدت إسرائيل في النصف الأول من عام 2025 موجة صعود لافتة في طلبات الأفراد للدخول في إجراءات الإعسار (الإفلاس)، في دلالة على تشقق الجبهة الاجتماعية تحت ضغط الحرب الممتدة وتكاليف المعيشة وبيئة نقدية مشدودة.
ووفق بيانات رسمية نقلتها صحيفة "كالكاليست" العبرية الاقتصادية، ارتفع عدد الطلبات الفردية بنسبة تسعة في المئة بين يناير ويونيو إلى 8050 طلبا، مقارنة بـ7373 طلبا في الفترة نفسها من 2024، مع كون الرقم أعلى أيضا من مستواه في النصف الأول من 2023 البالغ 7920 طلبا.
وقال مفوض الإعسار في وزارة العدل آشر إنجلمان إن الزيادة الحالية لا ترقى بعد إلى توصيفها اتجاها عاما مقارنة بما قبل الحرب على غزة، لكنها تجري على خلفية وضع اقتصادي استثنائي.
ملامح بالأرقام
تكشف البيانات ذاتها أن العبء موزع على نحو غير متساوٍ بين الأقاليم، فقد سجلت منطقة حيفا والشمال النصيب الأكبر من الطلبات بعدد 3622 طلبا، تلتها تل أبيب والوسط بـ2236، ثم بئر السبع والجنوب 1413، فالقدس 779.
ورغم أن ملفات الشركات شهدت تراجعا طفيفا في أوامر فتح الإجراءات خلال الأشهر الستة الأولى من 2025 إلى 53 ملفا مقابل 55 في الفترة المقابلة من العام الماضي، فإن الاقتصاد الإسرائيلي لا يزال يستوعب صدمة إغلاق قرابة 60 ألف شركة في 2024 وفق تقديرات شركات أبحاث مخاطر ائتمانية، وهي قفزة تقارب خمسين في المئة عن المتوسط السنوي السابق.
وتتشابك عدة محركات لتفسير صعود الإعسار الفردي، فالمصرف المركزي أبقى سعر الفائدة الأساسي عند 4.5 في المئة في اجتماعه في 7 يوليو 2025، مؤكدا أن مسار السياسة سيبقى حذرا إلى حين ترسخ تباطؤ التضخم، وترافق ذلك مع توقعات نمو مشروطة بهدوء أمني واصل البنك عرضها في تقاريره وبياناته.
على صعيد الأسعار، تباطأت وتيرة التضخم السنوي إلى نحو ثلاثة في المئة صيفا، لكنها بقيت قريبا من سقف نطاق هدف البنك، ما يعني استمرار ضغط الأسعار على السلع والخدمات الأساسية مع بطء عودة الاستقرار الكامل لسلال الاستهلاك.
أثر اجتماعي يتسع
تظهر الصورة الأوسع سوق عمل متماسكا نسبيا وفق المقاييس الضيقة، لكنها معرضة للاهتزاز مع كل جولة تصعيد وطول فترة الاحتياط، ففي حال استمرار الحرب لستة أشهر إضافية، قد يخسر النمو نصف نقطة مئوية ويرتفع عبء الدين، بحسب تقديرات المصرف المركزي التي تربط الأداء الاقتصادي المباشر بوتيرة الاستدعاءات والقيود الأمنية، وهذه الهشاشة تترجم لدى الأسر الأكثر تعرضا إلى فجوات دخل مؤقتة تتراكم كديون وتتحول إلى إعسار.
لا تقف الظاهرة عند حدود المحاكم الاقتصادية، حيث ترسم تقارير منظمات مجتمع مدني منذ نهاية 2024 صورة اتساع للفقر وانعدام الأمن الغذائي بعد الحرب، إذ أظهر تقرير العوز البديل لمنظمة محلية بارزة ارتفاعا في احتياجات الأسر للغذاء والرعاية والتعليم، ما يضعف شبكات الأمان ويزيد احتمالات العجز عن خدمة الديون الصغيرة والمتوسطة.
تُدار إجراءات الإعسار الفردي في إسرائيل وفق قانون الإعسار والتأهيل الاقتصادي لعام 2018، الذي نقل المنظومة من فلسفة مقتصرة على تحصيل الديون إلى مقاربة تعطي الأولوية لإعادة تأهيل المدين اقتصاديا مع الحفاظ على مصالح الدائنين واستقرار السوق، ويتضمن القانون اختبارات للملاءة والسيولة، ومسارات لإعادة تنظيم الالتزامات، ويمنح المحاكم وأمناء الإجراءات أدوات مرنة لوضع خطط سداد تتناسب مع القدرة الواقعية للمدين.
قيود السفر كأداة إنفاذ
بالتوازي، تُستخدم أوامر منع الخروج من البلاد في سياق إنفاذ الديون أو أثناء إجراءات الإعسار، وقد شددت محاكم مؤخرا على رفض طلبات سفر لأغراض ترفيهية لمدينين أثناء سريان الإجراءات، في رسالة تأديبية مفادها ضرورة إظهار الانضباط المالي حتى اكتمال خطة التأهيل، وتتيح بوابات حكومية للمدينين التحقق من وجود أوامر سارية، بينما يثير توسيع استخدام المنع نقاشا حقوقيا متجددا حول التناسب وحرية الحركة كمبدأ دستوري.
على المستوى الحقوقي الأوسع، ترى منظمات محلية ودولية أن الحق في مستوى معيشي كافٍ وسبل عيش لائقة جزء أصيل من الالتزامات بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفي أوقات الأزمات، توصي هذه الجهات بأن تضمن سياسات إنفاذ الديون سبل الانتصاف دون تغول على الحقوق الأساسية، وأن تُتاح مسارات إعفاء معقولة للمدينين حسني النية.
ورغم أن القانون الإسرائيلي الحالي يضع التأهيل الاقتصادي هدفا محوريا، فإن التطبيق العملي لبعض أدوات الإنفاذ، مثل المنع من السفر، يستدعي مراقبة قضائية وإدارية دقيقة لضمان التناسب وعدم المساس المفرط بحرية الحركة، وتندرج هذه الاعتبارات أيضا ضمن دعوات أممية عامة لتخفيف تبعات الديون على الفئات الهشة خلال النزاعات.
من الاقتصاد الكلي إلى ميزانيات الأسر
توقعات المصرف المركزي لنمو الناتج 3.3 في المئة في 2025 مع تضخم بنحو 2.6 في المئة، تفترض مسارا أمنيا أقل اضطرابا، لكن أي انزلاق في المشهد قد يرفع علاوة المخاطر ويؤخر خفض الفائدة، ما يعني بقاء خدمة القروض العقارية وقروض الاستهلاك مرتفعة لفترة أطول، وفي الواقع، يُظهر مسح التكلفة المعيشية في تقارير اقتصادية دولية أن إسرائيل تظل من الاقتصادات ذات الكلفة المرتفعة في الإسكان والغذاء والخدمات، وهو ما يضغط على الشرائح الوسطى والدنيا ويزيد هشاشتها الائتمانية.
على صعيد التنظيم، يواصل مفوض الإعسار ترشيد الإجراءات وتسريع القرارات مع الإشارة إلى تراجع طفيف في فتح ملفات الشركات الجديدة هذا العام، بينما تواصل المحاكم إرسال إشارة انضباطية بخصوص طلبات السفر، ويقدم هذا المسار مزيجا من التشدد الإجرائي والمرونة التأهيلية، حيث تمنح الخطط المعتمدة للمدينين فرصة لاستعادة نشاطهم الاقتصادي مقابل شفافية كاملة في الدخل والإنفاق، فيما تعمل السلطات المالية على إبقاء الاستقرار الكلي وحماية النظام المصرفي عبر سياسة فائدة حذرة.
التداعيات المحتملة
إذا اتسع نطاق الإعسار الفردي دون شبكة دعم اجتماعي موازية فستتفاقم مخاطر الاستبعاد المالي ودوامة الفوائد المتأخرة والغرامات، ما يحد من الطلب المحلي ويؤثر في قطاعات الخدمات والتجزئة الصغيرة والمتوسطة، كما أن تكرار موجات التصعيد يهدد سوق العمل المؤقتة ويعوق عودة قطاعات كالسياحة والمطاعم إلى طاقتها قبل الحرب، وهي القطاعات نفسها التي قادت موجة الإغلاقات في 2024، وتوصي تقارير اقتصادية دولية بأن يقترن ضبط الأوضاع المالية العامة بسياسات سوق عمل نشطة، وتمويل مرحلي ميسر للمشروعات الصغيرة المتضررة، وآليات وساطة ائتمانية تمنع انزلاق الأسر الهشة إلى الإعسار.
يذكر أن قانون الإعسار والتأهيل الاقتصادي دخل حيز التنفيذ ليحل محل تشريعات قديمة ويؤسس لتوازن جديد بين مصلحة الدائنين وحق المدين في بداية اقتصادية جديدة، ويضع القانون اختبارين للملاءة والسيولة، ويتيح مسارات تسوية مع الدائنين أو فتح إجراءات رسمية بإشراف أمين وقرارات قضائية، مع إمكان فرض قيود مثل أوامر المنع من السفر في حالات محددة ولأغراض إنفاذ الخطة، وفي صلب الفلسفة التشريعية فإن الإعسار ليس عيبا أخلاقيا، بل حدثاً اقتصادياً معقداً يحتاج إلى أدوات تأهيلية حتى لا يتحول إلى فقر دائم.