بعد تحذيرات الصليب الأحمر.. لماذا لا تنجح خطط الإخلاء الجماعي في غزة؟

بعد تحذيرات الصليب الأحمر.. لماذا لا تنجح خطط الإخلاء الجماعي في غزة؟
النزوح القسري في غزة جراء الحرب

أكدت رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر السبت أن تنفيذ إجلاء جماعي لسكان مدينة غزة مستحيل بطريقة آمنة وكريمة في ظل الظروف الحالية، محذرة من أن أي حركة انتقالٍ هائلة للسكان لن تستطيع أي منطقة في القطاع استيعابها بسبب حجم الدمار ونقص الغذاء والمياه والملاجئ والرعاية الطبية، ويضع هذا التحذير في مركز النقاش مسؤولية المجتمع الدولي عن منع كارثة إنسانية كبرى قبل أن تبدأ حركة الإجلاء نفسها. 

خلال أسابيع تصاعدت الضربات على مناطق واسعة من القطاع، وأعلنت القوات الإسرائيلية أجزاءً من مدينة غزة منطقة قتال خطرة مع تعليق ما كانت تُسمّى فترات التهدئة التي سمحت جزئياً بدخول مساعدات إنسانية، في حين اعتبرت وكالات أممية أن أجزاءً من غزة وصلت إلى مستوى المجاعة وفق تصنيف المرحلة المتكاملة لتصنيف الأمن الغذائي.

 في ظل هذه المعطيات تعاني البنية التحتية المدنية من دمار واسع وتواجه المستشفيات نقصاً حاداً في الإمدادات والوقود، فيما تُقدّر الأمم المتحدة أن أعداد النازحين والمهجّرين داخلياً بلغت أرقاماً قياسية يتعذر معها توفير مأوى آمن ومستدام للجميع وفق منظمة الصحة العالمية.

لماذا الإجلاء الجماعي «مستحيلاً»؟

ترى اللجنة أولاً أن أي إجلاء جماعي يعني نقل أعداد هائلة في وقت قصير إلى مناطق بديلة قادرة على الاستيعاب وهذا مستحيل في قطاع تعرضت فيه البنية التحتية للمياه والكهرباء والمرافق الصحية لتدمير واسع في ظل نقصٍ حاد في الغذاء والدواء والوقود، وثانياً، لا توجد مناطق داخل القطاع تحظى بقدرة استيعاب حقيقية؛ حيث الملاجيء المتاحة مكتظة أو مدمرة، وشبكات التوزيع لا تستطيع تلبية احتياجات أسرة واحدة مضاعفة، وثالثاً، ومن الناحية الأمنية، فإن عملية النقل الجماعي وسط معارك وغياب الضمانات لحركة آمنة، من شأنها تعريض المدنيين لهجمات أو حالات وفاة جراء العطش والجوع أو نقص الرعاية الطبية الطارئة. 

إجبار ملايين الأشخاص على التنقّل السريع سيضاعف الضغط على خدمات الصحة الطارئة، ويزيد وفيات الجوع والمرض، ويؤدي إلى انهيار شبكات حماية الأطفال والنساء وكبار السن. المستشفيات تعمل بقدرات محدودة وتواجه نقص دم ووحدات إنعاش وأدوية حيوية، ما يجعل أية رحلة إخلاء عرضة لتحويل حالات قابلة للعلاج إلى حالات وفاة، كما أن فقدان السجلات الطبية وفصل المرضى عن مراكز العلاج سيغلق الباب أمام استمرار رعاية الحالات المزمنة والحمل والولادة الآمنة، وحذرت منظمة الصحة ومنسقو الإغاثة من أن تفاقم الوضع الغذائي والطرود الطبية سيؤدي إلى آثار طويلة الأمد على الصحة العامة. 

ردود الفعل الدولية والحقوقية

تلقّت خطط الإخلاء انتقادات حادة من جهات حقوقية وأممية، فالمفوضية السامية لحقوق الإنسان ومنظمات حقوقية ربطت سياسات النقل الجماعي أو أوامر الإخلاء القسرية بمخاطر انتهاك القواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني، واعتبرت أن استخدام التجويع والإخلاء القسري قد يرقى إلى مستوى المساءلة الجنائية وفق المعايير الدولية، وطالبت لجنة الصليب الأحمر بتسهيل دخول المساعدات فوراً وحماية المدنيين والعاملين الإنسانيين. وفي المقابل تبرر الجهات العسكرية قراراتها بأنها ضرورات عسكرية، لكن هذه التبريرات لا تلغي الاتزامات بحماية المدنيين أو ضرورة اتخاذ أقل ضرر ممكن. 

يمنع القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك أحكام اتفاقية جنيف الرابعة وتفسيرات اللجنة الدولية، الترحيل أو النقل القسري للمدنيين من أراضيهم إلا لأسباب أمنية تبررها ضرورة مؤقتة وبضمانات لحمايتهم وإمكانية عودتهم، ويعدّ التحريض على التجويع أو استخدامه وسيلة للقتال محظوراً، كما تُلزم قواعد النزاع الأطراف بتيسير وصول المساعدات الإنسانية وتوفير الحماية للمراكز الصحية والمدنيين، وبحسب اللجنة الدولية للصليب الأحمر أي أمر إخلاء واسع بلا بدائل آمنة وقابلة للاستيعاب من المرجح أن يتلقى تدقيقاً حقوقياً وجُزئياً قاضياً لاحقاً.

خيارات إنسانية بديلة

تتفق منظمات الإغاثة الأممية والدولية على أن البدائل الممكنة تشمل: ضمان فترات تهدئة طويلة ومضمونة بمرافقة دولية لفتح قوافل إنسانية مستدامة وتزويد المستشفيات بالوقود والمخزون الطبي، وفتح معابر آمنة تحت رقابة محايدة، وإقامة محطات إيواء مؤقتة منظمة داخل القطاع مع توزيع غذاء ومياه وتوفير رعاية صحية متنقلة، وإقامة ممرّات لإخراج المرضى الذين يحتاجون علاجاً لا يتوفر محلياً مع ضمانات لعودتهم، كما تطالب منظمات دولية بآليات مراقبة مستقلة لتسجيل الحوادث والتأثيرات على المدنيين وتقديم تقرير حي للمجتمع الدولي، وتهدف هذه التدابير إلى تقليل الحاجة إلى إجلاء جماعي خطر، وتسهيل حماية الأشخاص الذين لا يستطيعون أو لا يرغبون في السفر.

تحذيرات الصليب الأحمر تُعيد التركيز على مبدأ أساسي: الحماية الإنسانية ليست خياراً تكتيكياً يُطرح بعد تسليط القوة، بل قاعدة تقرّها القوانين وتطالب بها الضمير الدولي، وقبل التفكير في أي إخلاء جماعي يجب أن تتوفر بدائل عملية قابلة للقياس، ضمانات أمنية واضحة، ونظام لتأمين الاحتياجات الأساسية للسكان الذين سيغادرون أو يبقون، ويتطلب ذلك عملاً دولياً عاجلاً لتأمين ممرات إنسانية، دعم المستشفيات، وتأمين مشاريع عاجلة للإمدادات الغذائية والدوائية، وإلى أن تتوافر هذه الشروط تبقى دعوة الصليب الأحمر بمثابة إنذار واضح بأن تنفيذ إجلاء جماعي الآن يهدد بخلق كارثة إنسانية وستُلقي بآثارها على أجيال. 

ارتفاع حصيلة الضحايا

يذكر أن وزارة الصحة في قطاع غزة، أعلنت مؤخراً ارتفاع حصيلة الضحايا جراء استمرار الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل منذ نحو 23 شهراً إلى 63 ألفاً و25 شهيداً، و159 ألفاً و490 مصاباً.

ومنذ 7 أكتوبر 2023، ترتكب إسرائيل إبادة جماعية بغزة تشمل القتل والتجويع والتدمير والتهجير القسري، متجاهلة النداءات الدولية كافة وأوامر لمحكمة العدل الدولية بوقفها.

وإضافة إلى الشهداء والجرحى ومعظمهم أطفال ونساء، خلفت الإبادة ما يزيد على 9 آلاف فقيد، إضافة إلى مئات آلاف النازحين.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية