تعريفة خضراء وإفصاح إلزامي.. المناخ يفرض قواعده على الأسواق في 2026

تعريفة خضراء وإفصاح إلزامي.. المناخ يفرض قواعده على الأسواق في 2026
المناخ الأخضر - أرشيف

يبدأ 2026 بوصفه عاماً تُقاس فيه السياسة المناخية بالأفعال لا بالشعارات، وتتحول فيه المعارك البيئية إلى معارك حقوقية تمس حق المجتمعات في هواءٍ أنظف، وحق الاقتصادات في انتقالٍ لا يُعاقب الضعفاء، وحق الأسواق في قواعد واضحة لا تُربك المنتجين ولا تُكافئ الملوثين.

وتدخل دولٌ وشركاتٌ المرحلة الأشد صعوبة: مرحلة تنفيذ اللوائح والضرائب والإفصاح الإلزامي، بعد سنوات من الاكتفاء بإعلان أهدافٍ بعيدة المدى وإطلاق وعودٍ غير قابلة للاختبار الفوري.

وتتجه الأنظار، كما رصدت "فايننشال تايمز"، إلى تطبيق ضريبة الكربون الجديدة في الاتحاد الأوروبي وتقنيات الطاقة النظيفة في عام 2026 بوصفها اختبارًا حاسمًا لمدى استعداد العالم لمواجهة تغير المناخ، في ظل استمرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مساعيه للتراجع العالمي، ومع توقعات بأن يكون عام 2025 من بين أكثر الأعوام حرارة على الإطلاق.

وتضع الصحيفة هذا السياق ضمن تحدٍّ واضح: الانتقال من وضع الأهداف واللوائح إلى تطبيقها عمليًا، وهو انتقال يكشف الفجوة بين من يملك أدوات التنفيذ ومن يكتفي بإعلان النوايا.

ويُعرّف التحول المناخي في 2026 بوصفه تحولاً في السلطة أيضًا: سلطة فرض سعرٍ على الكربون، وسلطة إلزام الشركات بالإفصاح، وسلطة ربط الامتثال البيئي بشروط النفاذ إلى الأسواق.

يقول الرئيس المشارك للجنة تحولات الطاقة جول كورتنهورست إن تحول الطاقة يمر بمرحلة حاسمة "ليس من حيث الإمكانية، بل من حيث السياسات والتنفيذ"، وهي عبارة تختصر المعادلة كاملة: التكنولوجيا موجودة، لكن الاختبار الحقيقي هو قدرة الأنظمة على فرض قواعدها، وقدرة الأسواق على التكيف، وقدرة الدول على دفع الثمن دون أن تتحول العدالة المناخية إلى عدالة انتقائية.

التعريفة الخضراء

تدخل ضريبة الكربون الحدودية الأوروبية (CBAM) مرحلة التنفيذ الفعلي على قطاعات كثيفة الانبعاثات، لتضع المناخ في قلب التجارة الدولية، وتُشير الصحيفة إلى أن الآلية دخلت حيز التنفيذ في الأول من يناير لبعض القطاعات ذات الانبعاثات العالية مثل الأسمنت والصلب، في خطوة ستشكل تحديًا لعلاقات الاتحاد الأوروبي التجارية.

وتظهر الضريبة هنا بوصفها سياسة تجمع بين هدفين: حماية الصناعة الأوروبية من منافسة منتجات "أرخص" لأنها أكثر تلويثًا، وإجبار الموردين الخارجيين على دفع ثمنٍ مماثل للكربون أو تغيير طرق الإنتاج.

وتثير الآلية اعتراضات من دول نامية ترى أنها سترفع التكاليف وتقيد التجارة وتعوق نمو اقتصاداتها، في حين يرد مؤيدوها بأنها تُحفز الدول المصدرة الكبرى على دراسة فرض تسعير مماثل لانبعاثات الكربون.

ويؤكد الاتحاد الأوروبي أن الآلية تخلق بيئة تنافسية عادلة عبر ضمان إنتاج السلع المستوردة وفقًا للمعايير البيئية نفسها، وإلا ستواجه تكلفة إضافية، وهو منطق يُعيد تعريف "العدالة" داخل السوق باعتبارها عدالة في تكلفة الكربون لا في سعر المنتج فقط.

تتوسع بروكسل في عام 2026 بإطلاق لوائح واستراتيجيات بيئية أخرى تشمل أنظمة التدفئة والتبريد، إلى جانب مراجعة نظامها الرئيسي لتداول الانبعاثات في يونيو، ما يعني أن CBAM ليست نقطة منفردة بل جزء من حزمة تجعل الاقتصاد الأوروبي أكثر انضباطًا مناخيًا. وتُعد تركيا، وفق فايننشال تايمز، من الدول التي تخطط لتطبيق نظام تداول لبدلات الكربون، وهو مثال على أثرٍ مباشر للآلية: دفع الشركاء إلى بناء أدواتهم كي لا يتحول الدخول إلى السوق الأوروبية إلى معركة غرامات وتكاليف إضافية.

قواعد "التعريفة الخضراء" 

من جانبها، تبرز الغارديان جانبًا آخر من القصة: دخول قواعد "التعريفة الخضراء" الجديدة للاتحاد الأوروبي على السلع عالية الكربون حيز التنفيذ بوصفه "التغيير الأكبر في قواعد التجارة الخضراء منذ عقود"، واشتراطها على الشركات التي تبيع الصلب والأسمنت وغيرها أن تثبت الامتثال للوائح خفض الانبعاثات، وإلا ستواجه غرامات.

وتُحذر الصحيفة من أن عدم وضوح كيفية تطبيق القواعد، وفشل الحكومة البريطانية في التوصل إلى اتفاق مع بروكسل قد يؤدي إلى ارتباك في المراحل الأولى، ما يعني أن العدالة المناخية قد تُختبر أيضًا في وضوح القاعدة وقدرة الشركات على فهمها وتطبيقها دون فجوات.

ويقول نائب الرئيس التنفيذي للمفوضية الأوروبية لشؤون الازدهار والاستراتيجية الصناعية ستيفان سيجورنيه إن على الشركات الترحيب بآلية تعديل حدود الكربون لأنها تخلق بيئة تنافسية عادلة بين الاتحاد الأوروبي والمنافسين الأجانب، ويضيف أن المنتجين الصناعيين الأوروبيين ينبغي تشجيعهم لا تثبيطهم في جهود خفض الانبعاثات.

تظهر هذه اللغة أن الاتحاد الأوروبي يضع "تكافؤ الفرص" في قلب خطابه، ويقدم النظام بوصفه أداة لحماية الصناعة من الإحباط التجاري الذي يسببه التلوث الأرخص.

وتتوسع الآلية تدريجيًا لتشمل قطاعات محددة في البداية: الحديد والصلب والألومنيوم والأسمنت والهيدروجين والكهرباء والأسمدة، ويسمح للمصدرين بشراء شهادات لتغطية انبعاثات الكربون الناتجة عن إنتاج سلعهم، في محاولة لمنع منافسة الدول ذات المعايير المتدنية للشركات الأوروبية، ومنع "تسرب الكربون" حين ينتقل الإنتاج إلى مناطق ذات لوائح متساهلة.

ويُضاف إلى ذلك قرار أوروبي بتوسيع نطاق الرسوم ليشمل منتجات تستخدم الفولاذ والألومنيوم، مثل الآلات والأجهزة الكهربائية، اعتبارًا من عام 2028، بهدف منع التحايل بنقل التصنيع خارج أوروبا.

الطاقة النظيفة

تتقدم الطاقة الشمسية والبطاريات ومزارع الرياح بوصفها جبهة التنفيذ الثانية في 2026، حيث تتحول الأرقام إلى وقائع تشغيلية لا إلى خطط معلقة.

وتذكر "فايننشال تايمز" أن التوسع في مشاريع الطاقة الشمسية والبطاريات واسعة النطاق سيستمر بوتيرة متسارعة في أنحاء كثيرة من العالم، وتضيف أن مشاريع الرياح الكبيرة ستُنجز أيضًا رغم الضغوط المستمرة.

تقدم هذه المشاريع اختبارًا مزدوجًا: اختبار القدرة على بناء بنية طاقة نظيفة ضخمة في وقتٍ يتزايد فيه الطلب، واختبار قدرة الأنظمة على إدارة التخزين وتوازن الشبكات، ويصبح "الحجم" في هذه المشروعات جزءًا من العدالة المناخية أيضًا، لأنه يحدد من يملك القدرة على توليد طاقة أنظف بكميات كبيرة، ومن يظل عالقًا في نماذج إنتاج قديمة تفرض عليه لاحقًا كلفة الكربون وشروط الامتثال.

الإفصاح والشفافية المناخية

تدخل الشفافية المناخية في 2026 مرحلة إلزامية في أسواق متعددة، بعد سنوات من الجدل حول "التستر البيئي" ومحاولات الضغط لتخفيف القواعد.

تقول "فايننشال تايمز" إن العديد من الشركات سيتعين عليها البدء في الإفصاح عن المزيد من بيانات المناخ والاستدامة هذا العام، رغم جهود ناجحة للضغط ضد قواعد هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية والاتحاد الأوروبي.

وتضع الصحيفة سلسلة مواعيد ملزمة تعكس اتساع الجغرافيا التنظيمية: ففي المملكة المتحدة، اعتبارًا من منتصف يناير، يتعين على الشركات الراغبة في الإدراج في الأسواق المنظمة تضمين إفصاحات مناخية في نشرات الاكتتاب عندما يكون المناخ جوهريًا لآفاقها. وفي الاتحاد الأوروبي، يُتوقع اعتماد معايير الإبلاغ عن الاستدامة الأوروبية المعدلة رسميًا في الربع الثاني من 2026.

وتتوسع القواعد إلى آسيا أيضًا حيث إن الشركات الكبيرة المدرجة في بورصات بكين وشنغهاي وشنتشن يتعين عليها بحلول نهاية أبريل تقديم بيانات إلزامية عن الاستدامة تشمل "النطاق 3"، أي الانبعاثات غير المباشرة.

وتواجه الشركات الكبيرة المدرجة في هونغ كونغ وسنغافورة قواعد أكثر صرامة تشمل النطاق 3 بدءًا من 2026، وأن الشركات متوسطة الحجم في أستراليا ستبدأ تقديم إفصاحات مناخية تتضمن انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، في حين تبدأ المملكة المتحدة في تطبيق الإفصاحات المالية الإلزامية المتعلقة بالمناخ وفق معايير الإبلاغ عن الاستدامة في المملكة المتحدة.

الوقود الأحفوري

تتصاعد معركة الوقود الأحفوري في 2026 بوصفها جبهة النزاع الأكثر تعقيدًا، وتذكر "فايننشال تايمز" أن أكثر من 80 دولة سعت  إلى وضع "خارطة طريق" للتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري خلال قمة COP30 في البرازيل في نوفمبر الماضي.

وتتوازى هذه المعركة مع سباق المركبات الكهربائية، وتذكر "فايننشال تايمز" أنه رغم تخفيف الاتحاد الأوروبي لأهداف حظر محركات الاحتراق الداخلي، وتعرض المملكة المتحدة لضغوط للالتزام بالنهج نفسه، يُتوقع حدوث تطورات جديدة مهمة في 2026. 

وتُظهر هذه التطورات أن 2026 يعد ساحة تتقاطع فيها التجارة والبيئة والطاقة والشفافية والتكنولوجيا، ويبدأ الاختبار الحقيقي حين تتحول القواعد إلى تكلفة، والمشروعات إلى تشغيل، والإفصاح إلى التزام، والوقود الأحفوري إلى مواجهة سياسية لم تنجح بعد أكثر من 80 دولة في حسم مسارها.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية