جراء الضغوط الاقتصادية.. اتساع رقعة الإضرابات في إيران لتشمل الأسواق والجامعات

جراء الضغوط الاقتصادية.. اتساع رقعة الإضرابات في إيران لتشمل الأسواق والجامعات
إضراب المحال التجارية في أسواق إيران

تشهد إيران منذ قرابة أسبوعين تصاعداً لافتاً في موجة احتجاجات واسعة تقودها الضغوط الاقتصادية المتراكمة، مع استمرار تراجع قيمة العملة المحلية وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتكاليف المعيشة، في مشهد يعكس حالة احتقان شعبي متزايدة، ومع اتساع رقعة الإضرابات لتشمل الأسواق والجامعات وعدداً كبيراً من المدن، تبدو البلاد أمام واحدة من أكثر الفترات توتراً خلال السنوات الأخيرة.

وفي هذا السياق أفادت وكالة أنباء المرأة، الخميس، بتفاصيل ميدانية عن تطورات الاحتجاجات، مشيرة إلى أن مدينة كرماشان في شرق كردستان شهدت يوم أمس الأربعاء واحدة من أكثر الأيام توتراً، بعدما أدى الإضراب العام إلى شلل شبه كامل في الحركة التجارية، وتحولت شوارع المدينة إلى ساحات مواجهة مفتوحة بين المحتجين وقوات الأمن.

ومع ساعات الصباح الأولى أعاد تجار كرماشان إغلاق الأسواق الرئيسية، في خطوة عكست حجم الغضب الشعبي والتنسيق بين المحتجين، وشمل الإضراب أسواق أوجاك وغاراج وكاشاني وإلهية ونوباهار ومسكان وفرهنجيان المرحلة الثانية، ما أدى إلى توقف النشاط التجاري بشكل كامل تقريباً، وأضفى على المدينة أجواءً غير مسبوقة من التوتر والترقب.

وبحسب تقارير محلية، لم يكن الإضراب مجرد خطوة اقتصادية، بل تحول إلى رسالة سياسية واضحة، حيث اعتبره المحتجون وسيلة للضغط على السلطات في ظل ما وصفوه بالعجز الرسمي عن معالجة الأزمة المعيشية التي تثقل كاهل المواطنين.

شوارع تتحول لساحات مواجهة

انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة تظهر تجمعات حاشدة في شوارع كاشاني ورسالات وإلهية وولاية، حيث ردد المتظاهرون شعارات مناهضة للسلطة، تعبر عن السخط من الأوضاع الاقتصادية والسياسات الحكومية، وأشارت مصادر ميدانية إلى أن قوات الأمن لجأت إلى استخدام الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين، في حين رد بعض المتظاهرين برشق القوات بالحجارة وإغلاق الطرق.

وفي تصعيد رمزي لافت، أقدم محتجون على تحطيم تمثال قاسم سليماني في مدينة جنار شاهيجان بمحافظة فارس، في خطوة حملت دلالات سياسية قوية، وأظهرت انتقال الاحتجاجات من مطالب معيشية مباشرة إلى تعبيرات أكثر حدة عن الرفض الشعبي.

إلى جانب المواجهات المباشرة، لجأ مواطنون إلى أشكال أخرى من الاحتجاج، منها إطلاق أبواق السيارات في الشوارع للتعبير عن الغضب دون الاشتباك المباشر، كما أغلقت بعض المتاجر الحكومية، ومنها فروع أفق كورش، خشية تعرضها لأضرار مع اتساع رقعة الإضراب وتصاعد الغضب الشعبي.

ونقل شهود عيان أن مجموعات من الشبان أغلقت طرقاً رئيسية وأشعلت النيران لإعاقة تقدم القوات الأمنية، في حين حاول آخرون توثيق الاحتجاجات ونشر الصور والفيديوهات على نطاق واسع قبل أي انقطاع محتمل لخدمات الإنترنت، في ظل تجارب سابقة شهدت تقييداً للاتصالات خلال فترات التوتر.

توتر رغم القبضة الأمنية

على الرغم من الانتشار الأمني المكثف والضغوط المتزايدة، استمرت التجمعات في كرماشان، واتخذت الاحتجاجات أشكالاً جديدة من المقاومة المدنية، ما أبقى حالة التوتر قائمة في المدينة، ويشير مراقبون إلى أن استمرار الاحتجاجات رغم الإجراءات الأمنية يعكس عمق الأزمة وفقدان شريحة واسعة من المواطنين الثقة بقدرة الحكومة على تحسين أوضاعهم.

بالتوازي مع ما يجري في الشوارع والأسواق، امتدت الاحتجاجات إلى الجامعات، حيث شهدت جامعة سيستان وبلوشستان، مساء الأربعاء، تجمعاً طلابياً أمام المكتبة المركزية، وردد الطلاب شعارات تندد بارتفاع تكاليف الحياة وتدهور الأوضاع المعيشية، في تعبير واضح عن انخراط شريحة الشباب في الحراك الاحتجاجي.

وأظهرت مقاطع مصورة انتشاراً أمنياً مكثفاً حول الحرم الجامعي، في حين أفادت تقارير بوضع وحدات من الحرس الثوري في مدينة تشابهار في حالة استعداد تحسباً لاندلاع احتجاجات مماثلة، ما يعكس قلق السلطات من انتقال موجة الغضب إلى المؤسسات التعليمية بشكل أوسع.

إضراب عن الطعام داخل السجون

وفي تطور لافت، أعلنت خمس سجينات سياسيات هن وريشة مرادي وزينب جلاليان وسكينة بروانه ومتبل أحمديان وباريسا كمالي، بدء إضراب عن الطعام اعتباراً من الخميس، تضامناً مع الإضراب العام في شرق كردستان واحتجاجاً على الأوضاع الراهنة في البلاد.

ولم تتضح بعد مدة الإضراب أو طبيعة رد إدارات السجون، في حين تشير تقارير محلية إلى أن هذه الخطوة لاقت تفاعلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، واعتبرت رسالة دعم قوية للحراك الشعبي من داخل أماكن الاحتجاز.

بحسب وسائل إعلام محلية، امتدت الاحتجاجات إلى 111 مدينة وبلدة في واحدة من أوسع موجات الاحتجاج انتشاراً جغرافياً خلال الفترة الأخيرة، وشهدت العديد من هذه المناطق مواجهات مباشرة بين المحتجين وقوات الأمن، استخدمت خلالها الأخيرة الغاز المسيل للدموع والرصاص، في حين لجأ المحتجون إلى رشق القوات بالحجارة وإغلاق الطرق.

ومع هذا الاتساع، ارتفع عدد القتلى إلى أكثر من 36 شخصاً، بينهم أطفال، في حين تجاوز عدد المعتقلين 2000 منذ بداية التحركات، وجاء ذلك بالتزامن مع أوامر رئاسية بتشديد التعامل الأمني مع الاحتجاجات، في حين حملت السلطة القضائية جهات خارجية مسؤولية التحريض على ما وصفته بأعمال الشغب.

تأتي هذه الاحتجاجات في ظل أزمة اقتصادية خانقة تعيشها إيران منذ سنوات، تفاقمت بفعل العقوبات الدولية وتراجع عائدات النفط وسوء الإدارة الاقتصادية، ما أدى إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وخلال السنوات الماضية، شهدت البلاد موجات احتجاج متكررة على خلفيات معيشية وسياسية، غالباً ما قوبلت بإجراءات أمنية مشددة، ومع استمرار الضغوط الاقتصادية وغياب حلول ملموسة، يرى محللون أن الاحتجاجات الحالية تعكس حالة تراكم غضب شعبي قد يصعب احتواؤها بالوسائل الأمنية وحدها، في وقت تتزايد فيه المطالب بإصلاحات جذرية تعالج جذور الأزمة وتعيد الثقة بين الدولة والمجتمع.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية