حماية للحقوق الشخصية.. وزيرة ألمانية تدعو لتشديد العقوبات على الصور المفبركة بالذكاء الاصطناعي
حماية للحقوق الشخصية.. وزيرة ألمانية تدعو لتشديد العقوبات على الصور المفبركة بالذكاء الاصطناعي
تواجه ألمانيا تحدياً جديداً يتمثل في انتشار الصور الجنسية التي يتم توليدها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وهو ما دفع وزيرة العدل شتيفاني هوبيش إلى الدعوة لتشديد القوانين وضمان حماية فضلى للضحايا.
وأوضحت الوزيرة في تصريحات لصحيفة نويه أوسنابروكر تسايتونج الألمانية، ونقلتها وكالة الأنباء الألمانية الأربعاء، أن هذه الصور تشكل انتهاكاً صارخاً للحقوق الشخصية وتحول الأفراد إلى مجرد أشياء، مطالبة بتحديث القانون الجنائي لمواجهة التلاعب الرقمي بالصور بشكل محدد وواضح.
إنتاج ضار وغير قانوني
تأتي تصريحات هوبيش على خلفية استخدام أداة الذكاء الاصطناعي جروك على منصة إكس، المملوكة للملياردير الأمريكي إيلون ماسك، لتوليد صور جنسية للنساء دون موافقتهن، ومنها وضعهن في ملابس مثيرة، وأوضحت الوزيرة أن هذه الممارسات تعد مروعة وتحرم الضحايا من حريتهم وكرامتهم، كما شددت على أن إنتاج صور جنسية للأطفال والمراهقين أمر مرفوض تماماً ويشكل جريمة قانونية مع عقوبات مشددة.
أوضحت هوبيش أن القوانين الحالية توفر إمكانيات لمعاقبة توزيع الصور المعدلة للبالغين، لكنها غير كافية لمواجهة التحديات الجديدة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، مؤكدة أن الوزارة تعمل على مشروع قانون للحماية من العنف الرقمي يهدف إلى فرض عقوبات صارمة على التزييف العميق الذي ينتهك الحقوق الشخصية، وأضافت الوزيرة أن القانون الجديد سيسمح للضحايا بالتحرك بسرعة لإيقاف انتشار هذه الصور وحذفها من المنصات، كما قد يشمل إيقافاً مؤقتاً للحسابات التي ترتكب انتهاكات جسيمة بشكل متكرر.
الحقوق الشخصية قبل حرية التعبير
ورداً على الانتقادات التي تشير إلى أن هذه الإجراءات قد تمثل تقييداً لحرية التعبير، أكدت هوبيش أن الأمر لا يتعلق بالرقابة، موضحة أن حرية التعبير تنتهي حيث تبدأ انتهاكات الحقوق الشخصية، وأن الهدف هو حماية الأفراد وليس حظر البرمجيات أو إغلاق المنصات، وأشارت الوزيرة إلى أن التنظيم والمراجعة لهذه التقنيات يقع إلى حد كبير ضمن اختصاص الاتحاد الأوروبي، مشيدة بالمراجعة التي أطلقتها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين فيما يتعلق بمنصة إكس وتقنية جروك.
آليات الحماية المتاحة
تسعى ألمانيا عبر هذا المشروع الجديد إلى تمكين المتضررين من حماية أنفسهم من الانتهاكات الرقمية، ومنها الصور المزيفة التي تستخدم للابتزاز أو التشهير أو الأذى النفسي، وذلك من خلال تسريع إجراءات إزالة المحتوى المخالف وتفعيل العقوبات على الجهات التي تنشر هذه الصور أو تسهم في تداولها، وتعد هذه الخطوة جزءاً من جهود أوسع لحماية الأفراد من العنف الرقمي والتلاعب بالمعلومات الشخصية، في ظل ازدياد استخدام الذكاء الاصطناعي لتوليد محتوى قد يكون مسيئاً أو جريمة بحقه.
لم تقتصر مثل تلك المطالب والانتقادات على ألمانيا وحدها، إذ واجهت منصة إكس مطالب وإدانات مماثلة في دول أخرى، فقد أثار مسؤولون بريطانيون وفرنسيون وإسبانيون القضية أمام الادعاء العام والهيئات التنظيمية، معتبرين أن المحتوى المتداول غير قانوني بشكل واضح، كما طلبت السلطات الهندية توضيحات رسمية من الشركة بشأن استخدام غروك في إنتاج صور لنساء وقاصرين بملابس فاضحة، ما يعكس اتساع نطاق القلق الدولي من هذه التقنية.
قصرت منصة إكس استخدام خاصية إنشاء الصور عبر غروك على المستخدمين المشتركين بمقابل مادي، وأكدت أنها تزيل أي محتوى غير قانوني وتعلق الحسابات المتورطة بشكل دائم، وأوضحت أن أي شخص يستخدم غروك لإنتاج محتوى مخالف سيواجه العقوبات ذاتها كما لو أنه نشر محتوى غير قانوني بنفسه، في المقابل نفت شركة إكس. إيه. آي المطورة لغروك الاتهامات، ووصفت بعض التقارير الإعلامية بأنها غير دقيقة.
تحذيرات حقوقية وأممية
تأتي هذه القضية في سياق تحذيرات متصاعدة من منظمات حقوقية وهيئات أممية بشأن المخاطر المتزايدة لاستخدام الذكاء الاصطناعي دون ضوابط صارمة، فقد حذرت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان من أن التقنيات التوليدية يمكن أن تتحول إلى أدوات لانتهاك الخصوصية والتشهير والعنف الجنسي الرقمي، خصوصاً بحق النساء والأطفال.
وأكدت تقارير أممية أن الصور المفبركة والمواد المزيفة تشكل تهديداً مباشراً للكرامة الإنسانية، وتسهم في تطبيع الانتهاكات الرقمية، داعية الحكومات إلى سن تشريعات واضحة تلزم الشركات المطورة بتحمل مسؤولياتها الأخلاقية والقانونية، كما شددت منظمات حقوق الإنسان على أن غياب الرقابة قد يؤدي إلى توسيع دائرة الإفلات من العقاب في الجرائم الرقمية العابرة للحدود.
يشهد العالم اليوم انتشاراً متسارعاً للذكاء الاصطناعي في مجالات متعددة، منها إنتاج الصور والفيديو، الأمر الذي أوجد ثغرات قانونية وأخلاقية لم يتم التعامل معها بشكل كامل في العديد من الدول، وفي ألمانيا، ينص القانون الجنائي على عقوبات مشددة لحيازة وتوزيع المواد الإباحية للأطفال، في حين تعد قوانين حماية البالغين أقل تفصيلاً في مواجهة الصور المزيفة أو المعدلة رقمياً. وقد أظهرت تجارب سابقة أن انتشار المحتوى الرقمي المسيء يمكن أن يتسبب في أضرار نفسية واجتماعية جسيمة للضحايا، إضافة إلى تأثيراته في سمعتهم وحقوقهم الأساسية، وتسعى ألمانيا من خلال مشروع القانون الجديد للحماية من العنف الرقمي إلى سد هذه الثغرات القانونية، مع مراعاة التوازن بين حماية الحقوق الشخصية والحفاظ على حرية التعبير، وإعطاء أولوية للضحايا في مواجهة المحتوى المسيء، خاصة مع تنامي استخدام أدوات التزييف العميق أو ما يعرف بالديب فيك.










