إنستغرام يفتح باب الرقابة العائلية لحماية المراهقين من مخاطر الانتحار الرقمي
إنستغرام يفتح باب الرقابة العائلية لحماية المراهقين من مخاطر الانتحار الرقمي
في خطوة تعكس تصاعد القلق العالمي بشأن الصحة النفسية للمراهقين، أعلن تطبيق إنستغرام الخميس عن إطلاق ميزة جديدة تهدف إلى إشراك أولياء الأمور بشكل مباشر في حماية أبنائهم من المحتوى المرتبط بالانتحار أو إيذاء النفس، وتأتي هذه الخطوة في سياق ضغوط متزايدة على شركات التكنولوجيا لتوفير بيئة رقمية أكثر أمانا، خاصة مع تزايد الأدلة على تأثير المحتوى الحساس على الفئات العمرية الصغيرة.
وبحسب ما نقلته وكالة رويترز، فإن الميزة الجديدة ستقوم بتنبيه أولياء الأمور في حال قيام أبنائهم المراهقين بإجراء عمليات بحث متكررة خلال فترة زمنية قصيرة عن مصطلحات مرتبطة بالانتحار أو إيذاء النفس، وهو ما يعد مؤشرا محتملا على تعرضهم لأزمات نفسية أو ضغوط حادة تستدعي التدخل.
آلية التنبيه ودور الأسرة
أوضحت شركة ميتا بلاتفورمز المالكة لإنستغرام أن التنبيهات ستصل فقط إلى أولياء الأمور الذين قاموا بتفعيل إعدادات الإشراف الاختيارية، ما يعني أن التطبيق لا يفرض الرقابة بشكل تلقائي، بل يمنح الأسر أدوات إضافية لمتابعة نشاط أبنائهم بشكل مسؤول، وتهدف هذه الميزة إلى خلق توازن بين حماية الخصوصية وتمكين الأسرة من التدخل المبكر عند الضرورة.
وأكدت المنصة أن هذه التنبيهات تأتي ضمن منظومة أوسع من السياسات التي تهدف إلى الحد من انتشار المحتوى الضار، حيث تطبق إنستغرام قواعد صارمة تحظر الترويج أو تمجيد السلوكيات المرتبطة بالانتحار أو إيذاء النفس، كما تسعى المنصة إلى توجيه المستخدمين الذين يبحثون عن مثل هذه المواضيع إلى مصادر دعم ومساعدة نفسية بدلا من تركهم عرضة لمحتوى قد يزيد من معاناتهم.
ضغوط حكومية وتشريعات مرتقبة
تزامن إعلان إنستغرام مع موجة من التحركات الحكومية في عدة دول تهدف إلى فرض قيود على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي من قبل الأطفال والمراهقين، ففي يناير الماضي، أعلنت بريطانيا أنها تدرس فرض إجراءات جديدة لتعزيز حماية الأطفال على الإنترنت، وذلك بعد خطوة أستراليا في ديسمبر 2025 التي فرضت قيودا على استخدام منصات التواصل لمن هم دون سن 16 عاما.
كما انضمت دول أوروبية أخرى إلى هذا الاتجاه، حيث أعلنت كل من إسبانيا واليونان وسلوفينيا خلال الأسابيع الماضية أنها تدرس بدورها فرض قيود مشابهة، ويعكس هذا التوجه قلقا متزايدا لدى الحكومات بشأن التأثيرات النفسية والاجتماعية لاستخدام المنصات الرقمية في سن مبكرة، خاصة مع تزايد حالات القلق والاكتئاب بين المراهقين.
بين الحرية الرقمية والحماية النفسية
تثير هذه الخطوات نقاشا واسعا حول التوازن بين حرية استخدام الإنترنت وضرورة حماية الفئات الأكثر هشاشة، فمن جهة، يرى البعض أن فرض قيود صارمة قد يحد من حرية التعبير ويؤثر على تجربة المستخدمين الشباب، بينما يرى آخرون أن غياب الرقابة قد يعرضهم لمخاطر حقيقية، خاصة في ظل انتشار محتوى قد يشجع على السلوكيات الخطرة.
وتشير دراسات حديثة إلى أن التعرض المتكرر لمحتوى يتعلق بالانتحار أو إيذاء النفس قد يسهم في تطبيع هذه السلوكيات لدى بعض المراهقين، خصوصا أولئك الذين يعانون من مشاكل نفسية أو اجتماعية، وفي هذا السياق، تبدو أدوات الرقابة الأبوية والتدخل المبكر ضرورية لتقليل هذه المخاطر.
تحديات التنفيذ والفعالية
رغم أهمية الخطوة التي أعلن عنها إنستغرام، إلا أن فعاليتها ستعتمد إلى حد كبير على وعي أولياء الأمور وقدرتهم على التعامل مع التنبيهات بشكل مناسب، فالتنبيه وحده لا يكفي إذا لم يترافق مع حوار مفتوح ودعم نفسي حقيقي داخل الأسرة، كما أن هناك تحديات تتعلق بإمكانية تحايل بعض المستخدمين على هذه الأنظمة من خلال استخدام مصطلحات بديلة أو حسابات غير خاضعة للإشراف.
من جهة أخرى، تواجه الشركات التكنولوجية تحديا مستمرا في تطوير خوارزميات قادرة على التمييز بين المحتوى الضار والمحتوى التوعوي أو العلاجي، حتى لا يتم حجب مصادر مفيدة قد تساعد المستخدمين في الحصول على الدعم اللازم.
نحو بيئة رقمية أكثر أمانا
تعكس هذه التطورات إدراكا متزايدا لدى شركات التكنولوجيا والحكومات على حد سواء بضرورة اتخاذ خطوات عملية لحماية المستخدمين، خاصة الفئات العمرية الصغيرة، ويبدو أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيدا من الإجراءات التنظيمية والتقنية التي تهدف إلى الحد من المخاطر المرتبطة باستخدام الإنترنت، دون الإضرار بحرية الوصول إلى المعلومات.
كما تبرز أهمية التعاون بين مختلف الأطراف، من شركات التكنولوجيا إلى الحكومات والمؤسسات التعليمية والأسر، لضمان توفير بيئة رقمية صحية وآمنة، فحماية المراهقين لا تقتصر على وضع القوانين أو تطوير التقنيات، بل تتطلب أيضا تعزيز الوعي وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي اللازم.
شهدت السنوات الأخيرة تزايدا ملحوظا في الاهتمام العالمي بقضية الصحة النفسية للمراهقين في ظل الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، وأظهرت تقارير دولية أن الاستخدام المكثف لهذه المنصات قد يرتبط بارتفاع معدلات القلق والاكتئاب، خاصة عند التعرض لمحتوى حساس أو ضار، وقد دفعت هذه المخاوف العديد من الدول إلى دراسة أو تطبيق تشريعات تهدف إلى تنظيم استخدام الأطفال للإنترنت، في حين تعمل الشركات التكنولوجية على تطوير أدوات رقابية وخوارزميات للحد من انتشار المحتوى الخطير، ويأتي إعلان إنستغرام الأخير في هذا السياق، كجزء من جهود أوسع لإعادة تشكيل العلاقة بين المستخدمين الشباب والمنصات الرقمية بما يضمن سلامتهم النفسية ويحافظ في الوقت ذاته على حقوقهم في الوصول إلى الفضاء الرقمي بشكل مسؤول.










