بسبب أساليب الترحيل وحدود القوة.. انتقادات غير مسبوقة تطول شرطة الهجرة الأمريكية

بسبب أساليب الترحيل وحدود القوة.. انتقادات غير مسبوقة تطول شرطة الهجرة الأمريكية
احتجاجات ضد عناصر إدارة الهجرة

تشهد الولايات المتحدة تصاعدا لافتا في الانتقادات الموجهة إلى أساليب عمل شرطة الهجرة والجمارك، في تطور غير مألوف شمل أصواتا محسوبة تقليديا على معسكر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ولم يعد الجدل محصورا بين الديمقراطيين والجمهوريين، بل امتد إلى شخصيات إعلامية محافظة وجزء من القاعدة الشعبية التي دعمت سياسات الهجرة الصارمة خلال الانتخابات الأخيرة، ما فتح نقاشا أوسع حول حدود القوة، وسيادة القانون، وصورة الدولة في عيون مواطنيها.

انتقادات من داخل المعسكر المؤيد

بحسب ما نقلته وكالة فرانس برس السبت، فجّر مقدم البودكاست الشهير جو روغان جدلا واسعا عندما شبّه أساليب عمل إدارة الهجرة والجمارك المعروفة باسم آيس بأساليب الغستابو، الشرطة السرية في ألمانيا النازية، وجاءت تصريحات روغان، الذي دعم ترامب في الانتخابات الأخيرة ويتمتع بتأثير واسع لدى ملايين المتابعين، لتشكل صدمة سياسية وإعلامية، إذ صدرت من داخل الدائرة المحافظة لا من خصوم الإدارة التقليديين.

قال روغان في إحدى حلقاته إن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى رجال مجهزين كالجنود يجوبون الشوارع ويوقفون الناس عشوائيا، متسائلا عمّا إذا كان المواطنون سيُجبرون مستقبلا على إبراز أوراقهم الثبوتية لمجرد الاشتباه، وأشار إلى حالات تبيّن فيها أن أشخاصا أوقفتهم شرطة الهجرة كانوا مواطنين أمريكيين يحملون وثائق قانونية، معتبرا أن هذا النهج يهدد الحريات الأساسية ويقوّض الثقة بين الدولة والمجتمع.

تزامن هذا الجدل مع حادثة أثارت صدمة واسعة في الرأي العام الأمريكي، بعدما أطلق عنصر من إدارة الهجرة والجمارك النار في 7 يناير الجاري على رينيه غود البالغة 37 عاما في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا، وأظهرت استطلاعات الرأي أن غالبية الأمريكيين يرفضون سلوك الضابط في هذه الحادثة، معتبرين أنها تعكس إفراطا في استخدام القوة تحت مظلة إنفاذ قوانين الهجرة.

استطلاعات تكشف انقساما شعبيا

أظهر استطلاع أجراه معهد كوينيبياك أن 57 بالمئة من الناخبين يدينون أساليب عمل إدارة الهجرة والجمارك، وبلغت نسبة الإدانة 94 بالمئة بين الناخبين الديمقراطيين و64 بالمئة بين المستقلين، في حين أيد 84 بالمئة من الجمهوريين هذه الأساليب، ما يعكس انقساما حادا لكنه لم يعد محصورا على أسس حزبية تقليدية.

وفي استطلاع آخر أجرته مجلة ذي إيكونوميست بالتعاون مع معهد يوغوف، أيد 46 بالمئة من المشاركين إلغاء إدارة الهجرة والجمارك، مقابل 43 بالمئة عارضوا حلها، في أول مرة تتفوق فيها نسبة المؤيدين للإلغاء على الرافضين، وهو مؤشر اعتبره محللون تطورا سياسيا مهما في المزاج العام.

علّق الناشط اليساري بن بورغيس على تصريحات جو روغان عبر منصة إكس قائلا إن روغان يمثل أشهر ناخب متردد في الولايات المتحدة، مضيفا أن من المثير للاهتمام مراقبة ما يشغله في هذه المرحلة، ورغم أن هذا التعليق جاء من خصم أيديولوجي، فإنه عكس إدراكا متزايدا لأهمية التحول في خطاب بعض الأصوات المؤثرة داخل اليمين الأمريكي.

موقف البيت الأبيض

في المقابل، تجاهلت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت كون الانتقادات صدرت من شخصية محافظة، وجددت خلال مؤتمر صحفي يوم الخميس موقف الإدارة المتشدد من ملف الهجرة غير النظامية، وقالت إن ضباط الهجرة يطبقون القانون لا أكثر، وإن الحزب الديمقراطي أساء إليهم بوصفهم بالنازيين وأعضاء الغستابو، معتبرة أن هذا الخطاب التحريضي هو ما أدى إلى أعمال العنف التي تشهدها بعض الشوارع.

قراءة قانونية للأزمة

من جانبه، يرى ستيفن شوين، أستاذ القانون في جامعة إلينوي في شيكاغو، أن الجدل يتجاوز الخلافات السياسية المعتادة، وقال في تصريح صحفي إن أساليب الضباط الملثمين والمسلحين أحيانا ببنادق، تتعارض مع المبادئ المتجذرة في الثقافة السياسية والقانونية الأمريكية، بغض النظر عن الموقف من سياسة ترامب المناهضة للهجرة.

أشار شوين إلى أن عمليات التحقق من الهوية التي يجريها عناصر آيس لا يسمح بها القانون إلا في حال وجود اشتباه معقول بنشاط غير قانوني، وأضاف أن مطالبة متظاهرين سلميين بإبراز أوراقهم الثبوتية، أو استهداف أشخاص بناء على انتمائهم الإثني، يدفع كثيرين إلى ربط هذه الممارسات بالأنظمة الشمولية، وهو ما يفسر حدة ردود الفعل الشعبية.

لفت شوين إلى أن عدد عناصر شرطة الهجرة ارتفع إلى نحو 22 ألف عنصر منتشرين في أنحاء البلاد، مقارنة بنحو 10 آلاف قبل عام واحد فقط، وفق بيانات وزارة الأمن الداخلي، واعتبر أن هذا التوسع غير مسبوق، خاصة في ظل ما وصفه بالحماية السياسية والقانونية الواسعة التي يتمتع بها هؤلاء العناصر.

حصانة تثير الجدل

زاد من حدة الجدل تصريحات مسؤولين كبار في الإدارة، فقد قال ستيفن ميلر، أحد أكثر مستشاري البيت الأبيض نفوذاً، مخاطبا عناصر آيس إن لديهم حصانة لتنفيذ مهمتهم، كما أكد نائب الرئيس جاي دي فانس أن عنصر الهجرة الذي أطلق النار على رينيه غود يتمتع بحصانة مطلقة، وهو ما اعتبره منتقدون تشجيعا على الإفلات من المحاسبة.

رغم الخطاب العلني المتشدد، أورد موقع أكسيوس أن الإدارة الأمريكية أجرت استطلاعات رأي داخلية أظهرت تراجعا في دعم إنفاذ قوانين الهجرة حتى بين الناخبين اليمينيين، ونقل الموقع عن مستشار رفيع المستوى أن الرئيس ترامب يريد عمليات ترحيل جماعية، لكنه لا يريد الصورة التي يراها الناس على الأرض، معبرا عن استيائه من الطريقة التي تبدو بها هذه العمليات، لأنها لا تعطي انطباعا جيدا للرأي العام.

صورة الدولة على المحك

يعكس هذا الجدل صراعا أعمق داخل المجتمع الأمريكي بين الرغبة في فرض سيادة القانون، والخوف من أن تتحول أدوات الدولة إلى وسائل قمع تقوض القيم الدستورية، ومع تزايد انتشار عناصر الهجرة في الشوارع، وتكرار الحوادث المثيرة للجدل، تتعاظم الأسئلة حول ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على تنفيذ سياسات الهجرة الصارمة دون المساس بجوهر الحريات المدنية.

أُنشئت إدارة الهجرة والجمارك بعد هجمات 2001 ضمن هيكل وزارة الأمن الداخلي، وأسندت إليها مهام إنفاذ قوانين الهجرة ومكافحة التهريب والجريمة العابرة للحدود، ومع صعود التيارات الشعبوية وتشدد الخطاب السياسي حول الهجرة، توسعت صلاحياتها بشكل ملحوظ، خاصة خلال إدارات جمهورية متعاقبة، وفي السنوات الأخيرة، باتت آيس في قلب نقاش وطني محتدم حول التوازن بين الأمن وحقوق الإنسان، حيث يرى مؤيدوها أنها خط الدفاع الأول عن الحدود، بينما يعتبرها منتقدوها رمزا لتجاوزات الدولة الحديثة، ويبدو أن الجدل الحالي، المدفوع بانتقادات صادرة من داخل المعسكر المحافظ نفسه، قد يشكل نقطة تحول في النقاش الأمريكي حول مستقبل سياسات الهجرة وحدود القوة في دولة القانون.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية