"الإفلاس المائي".. كيف قادت التنمية غير المستدامة ملايين البشر إلى العطش؟

"الإفلاس المائي".. كيف قادت التنمية غير المستدامة ملايين البشر إلى العطش؟
موجات الجفاف أصبحت أكثر تكرارًا وانتشارًا

كشف تقرير أممي حديث أن العالم لم يعد يواجه أزمة مياه عابرة، بل دخل مرحلة جديدة توصف بـ"الإفلاس المائي"، في تحوّل يُنذر بتداعيات مباشرة على أحد أكثر الحقوق الإنسانية أساسية: الحق في الحصول على مياه آمنة وكافية.

يؤكد التقرير، الذي تناولته صحيفة "واشنطن بوست"، أن ما يحدث ليس خللًا مؤقتًا يمكن تجاوزه، بل فشلًا هيكليًا طويل الأمد ناتجًا عن تغير المناخ، والتلوث، وعقود من الإفراط المنهجي في استنزاف الموارد المائية.

ويحذر خبراء الأمم المتحدة من أن هذا الإفلاس ألحق أضرارًا لا يمكن إصلاحها بمصادر المياه العذبة الأساسية، تاركًا مليارات البشر دون القدرة على تلبية احتياجاتهم اليومية من المياه، في مشهد يعكس تراجعًا خطيرًا في قدرة الدول والمجتمع الدولي على الوفاء بالتزاماتهم الحقوقية تجاه السكان.

ويشبّه تقرير الصادر عن جامعة الأمم المتحدة، الذراع البحثية للمنظمة الدولية، وضع البشرية بشخص غارق في خراب مالي، لم يكتفِ بإنفاق دخله السنوي من المياه المتجددة، بل استنزف أيضًا مدخراته طويلة الأجل المخزنة في طبقات المياه الجوفية والأنهار الجليدية والنظم البيئية، بينما يواصل في الوقت نفسه تلويث ما تبقى من موارد مائية بفعل المخلفات البشرية والزراعية والصناعية.

يؤكد مدير معهد المياه والبيئة والصحة التابع لجامعة الأمم المتحدة، كافيه مدني، المؤلف الرئيسي للدراسة، أن مؤشرات هذا الانهيار متعددة ومقلقة، فأكثر من نصف البحيرات الكبيرة في العالم تشهد تقلصًا مستمرًا، فيما يعاني نحو 70% من طبقات المياه الجوفية من تراجع طويل الأمد.

وفي الوقت ذاته، أصبحت موجات الجفاف واسعة النطاق أكثر تكرارًا وانتشارًا، بتكلفة اقتصادية تُقدّر بنحو 307 مليارات دولار سنويًا في المتوسط، بينما يواجه قرابة 4.4 مليار شخص ندرة في المياه لمدة شهر واحد على الأقل كل عام.

يرفض مدني وزملاؤه توصيف الوضع بمصطلحات مثل "إجهاد مائي" أو "أزمة مياه"، معتبرين أن هذه اللغة تُقلل من حجم الخسائر الفعلية، إذ يوحي وصف الأزمة بإمكانية العودة إلى الوضع الطبيعي، بينما الواقع يشير إلى أن هذا "الوضع الطبيعي" لم يعد موجودًا في العديد من المناطق.

تراجع الحماية البيئية

يوضح التقرير أن الأنشطة البشرية ألحقت أضرارًا لا رجعة فيها بالأنظمة التي تنتج المياه العذبة وتنظمها وتخزنها، فقد أدى ارتفاع درجات الحرارة، الناتج في معظمه عن حرق الوقود الأحفوري، إلى تغيير أنماط هطول الأمطار وزيادة معدلات التبخر، كما أسهمت إزالة الغابات والتوسع العمراني في تدمير النظم البيئية التي تعمل كمرشحات طبيعية للمياه، في حين تسبب الاستخراج المفرط للمياه في انهيار طبقات المياه الجوفية وتقليص قدرتها على التجدد.

ويقرّ معدّو التقرير بأن الأنهار الجليدية الجبلية، التي تراكمت على مدى قرون أو آلاف السنين، لن تتجدد خلال حياة الإنسان، مؤكدين أن ما يبدو ظاهريًا كأزمة هو في الواقع "وضع جديد لا يمكن تجنبه"، وأن بعض الخسائر باتت حتمية، مع ضرورة منع المزيد من الأضرار التي لا يمكن إصلاحها عبر إعادة تنظيم إدارة المياه وفق ميزانية هيدرولوجية أصغر.

وينتقد التقرير السياسات السائدة التي تركز بشكل ضيق على تحسين خدمات مياه الشرب والصرف الصحي أو رفع كفاءة الصناعات تدريجيًا، دون معالجة الجذور الهيكلية للمشكلة.

وقبيل انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة للمياه في الإمارات، دعا خبراء المنظمة القادة إلى الاعتراف الرسمي بحالة "الإفلاس المائي العالمي" وتبني نهج جديد لإدارة الموارد المتناقصة، محذرين من أن تجاهل ذلك سيقود إلى مزيد من نقص الغذاء، وانتشار الأمراض، وتصاعد النزاعات المرتبطة بالمياه.

تحول العجز إلى اضطراب

يستحضر كافيه مدني تجربته الشخصية في إيران لتوضيح خطورة اللغة المستخدمة لوصف شح المياه، فقد شاهد مقطعًا قديمًا عن نقص المياه في طهران وُصف حينها بـ"الأزمة"، وهي اللغة ذاتها التي تُستخدم اليوم لوصف جفاف ممتد لسنوات دفع الرئيس مسعود بيزشكيان إلى التفكير في إخلاء المدينة، ويتساءل مدني: إلى متى يمكن تسمية وضع مزمن كهذا "أزمة"؟

يربط التقرير بين نقص المياه في إيران وبين تقنين المياه، وانقطاع الكهرباء، وارتفاع أسعار الغذاء، وهي عوامل أسهمت في تأجيج احتجاجات جماهيرية واجهتها السلطات بحملة قمع، في مثال يوضح كيف يتحول الإخفاق في إدارة الموارد المائية إلى تهديد مباشر للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

وتوضح مديرة مركز سياسات المياه بجامعة ويسكونسن في ميلووكي، ميليسا سكانلان، أن هذه المشكلات لم تعد حكرًا على دول بعينها، بل تطال دولًا من مختلف مستويات الدخل.

وتشير إلى أن مدنًا كبرى مثل كيب تاون وتشيناي ومكسيكو سيتي باتت على حافة "يوم الصفر"، حيث تنخفض الإمدادات إلى مستويات تهدد بحرمان ملايين السكان من المياه.

تسجل التقارير آثارًا واسعة النطاق للجفاف، من ارتفاع أسعار الغذاء عالميًا، إلى تدمير حقول الأرز ومزارع الفاكهة بسبب تملح المياه، وانخفاض قدرة السدود الكهرومائية على توليد الكهرباء، إضافة إلى هبوط الأراضي نتيجة الإفراط في ضخ المياه الجوفية، وما يرافقه من إضرار بالبنية التحتية وزيادة مخاطر الفيضانات.

مفهوم "الإفلاس المائي"

من جانبها، تكشف منصة "ديلي مافريك" الجنوب إفريقية أن تقرير الأمم المتحدة لا يطرح مفهوم "الإفلاس المائي" كمجرد استعارة، بل كإطار سياسي وعلمي جديد يعكس خسائر لا رجعة فيها في رأس المال المائي الطبيعي.

ويوضح التقرير أن العواقب الإنسانية للإفلاس المائي جسيمة، إذ يعيش ما لا يقل عن 75% من سكان العالم في دول تعاني من انعدام الأمن المائي، بينما يواجه نحو 4 مليارات شخص ندرة حادة في المياه لمدة شهر واحد على الأقل سنويًا، ويعيش قرابة ملياري إنسان على أراضٍ تهبط بفعل استنزاف المياه الجوفية.

وتشدد مجلة "ديسكفر" الأمريكية على أن نضوب المياه لم يعد مشكلة هيدرولوجية فحسب، بل قضية عدالة وحوكمة، ترتبط مباشرة بالهشاشة والنزوح والصراع.

وتنقل المجلة عن وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، تشيليدزي ماروالا، قوله إن إدارة هذا الإفلاس بشكل عادل، مع حماية المجتمعات الأكثر ضعفًا وتقاسم الخسائر بشكل منصف، باتت مسألة أساسية للحفاظ على السلم الاجتماعي.

يختتم مدني بالتأكيد على أن الاعتراف بالإفلاس المائي لا يعني الاستسلام، بل يمثل نقطة انطلاق لاتخاذ قرارات صعبة وصادقة تحمي الناس والاقتصادات والنظم البيئية، محذرًا من أن كل تأخير إضافي سيعمّق العجز ويقوّض الحق في الماء بوصفه حقًا إنسانيًا غير قابل للتفاوض.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية