تقرير بيئي: شركات كبرى تزيّف أرقام خفض الميثان في تقارير الاستدامة
الأقمار الصناعية كشفت التلاعب
أظهرت بيانات منظمات بيئية أن كبرى شركات إنتاج الغاز في الولايات المتحدة تُعدّ من أكبر مصادر انبعاثات غاز الميثان، بعد رصد أكثر من 20 سحابة ضخمة خلال العام الماضي، انطلقت من منشآت تابعة لشركتي "إي كيو تي" و"إكسباند إنرجي"، بالإضافة إلى حوادث فردية لشركة "بيركشاير _ هاثاواي إنرجي".
جاء ذلك في تقرير نقلته "فايننشال تايمز"، اليوم السبت، والتي أوضحت أن الأجهزة المحمولة جواً والأقمار الصناعية رصدت هذه الانبعاثات في حوض الأبلاش، أحد أكبر مناطق إنتاج الغاز في الولايات المتحدة.
وقامت منظمة "غاز ليكس" ومنظمة "إيرث وركس" بتحليل بيانات أقمار "كربون مابر" لأكثر من 80 حالة تسرب كبيرة لغاز الميثان في منشآت النفط والغاز بولايتَي فرجينيا الغربية وبنسلفانيا خلال الفترة من نوفمبر 2024 إلى أكتوبر 2025.
وبحسب نفس التقرير، تم التحقق من صحة البيانات عبر مطابقة إحداثيات مواقع التسرب مع السجلات العامة لتحديد الشركة المشغلة، ما يمنح النتائج طابعًا أكثر مصداقية مقارنة بالتقارير التي تعتمد على تقديرات غير قابلة للتدقيق.
وتُعرّف وكالة حماية البيئة الأمريكية الانبعاثات الضخمة للميثان بأنها انبعاث أكثر من 100 كيلوغرام من الميثان في الساعة، وتؤكد البيانات أن معظم الانبعاثات التي رصدتها الأقمار الصناعية تقع ضمن هذا التصنيف.
ويُعد الميثان غازًا عديم اللون وغير مرئي للعين، وهو المكون الرئيسي للغاز الطبيعي، ويُظهر تأثيره في الاحتباس الحراري قوة تفوق 80 ضعفًا مقارنة بثاني أكسيد الكربون على مدى 20 عامًا، ما يجعل التحكم فيه من الأهداف الأساسية لتعهدات الأمم المتحدة في الحد من الاحتباس الحراري.
تساؤلات حول شفافية الشركات
قال روب جاكسون، الأستاذ في كلية ستانفورد دوير للاستدامة، إنه "كلما تعمّقنا في البحث، وجدنا أن الانبعاثات أعلى مما تُشير إليه وكالة حماية البيئة والشركات"، وهو ما يطرح سؤالًا حقوقيًا جوهريًا حول شفافية الشركات والجهات الحكومية في الإفصاح عن حجم التلوث الحقيقي ومدى قدرة المجتمعات على مساءلة المتسببين.
تم ربط منشآت مملوكة أو مُدارة من قِبل شركة إكيو تي بـ14 حادثة انبعاث، موزعة على 11 موقعًا لحفر الآبار ومحطات ضغط تابعة لخطوط الأنابيب، في حين رُصدت ثمانية انبعاثات أخرى في سبعة مواقع تابعة لشركة إكسباند إنرجي.
وفي مواجهة هذه البيانات اعترضت "إي كيو تي" على بعض الحوادث، مشيرة إلى أن أجهزة المراقبة الخارجية التي تستعين بها لم ترصد انبعاثات في الفترة المحيطة بالأحداث التي حددتها منصة "كربون مابر"، أو أنها قاست انبعاثات أقل بكثير من تقديرات المنظمات غير الربحية.
وأشارت الشركة أيضًا إلى أن التنبيهات الخارجية غالبًا ما تصل بعد فترة من رصد الميثان، ما يحد من جدواها التشغيلية ويصعب التمييز بين الأحداث الحقيقية والإنذارات الكاذبة.
وعلى الرغم من ذلك، تظل حقيقة وجود "سحب ضخمة" مرصودة عبر الأقمار الصناعية تمثل انتقادات مباشرة لمدى جدية الشركات في تطبيق برامج الكشف والإصلاح التي تذكرها في تقارير الاستدامة، والتي تؤكد التزامها بالحد من انبعاثات الميثان.
عمليات النفط والغاز
في الوقت الذي تُعدّ فيه الولايات المتحدة أكبر مُصدّر لغاز الميثان في العالم من عمليات النفط والغاز، تشير دراسات بيئية -مثل تلك التي أجرتها منظمات صندوق الدفاع البيئي وميثان سات بالتعاون مع جامعة هارفارد- إلى أن معظم الانبعاثات تأتي من مصادر أصغر حجمًا لا تتجاوز 100 كيلوغرام في الساعة.
وبحسب تقرير فايننشال تايمز، فإن بيانات شركتي "إي كيو تي" و"إكسباند إنرجي" تُظهر انخفاض كثافة انبعاثات الميثان لديهما، وهو مقياس للانبعاثات المرتبطة بالإنتاج، ما يسمح بزيادة الإنتاج، في حين تستمر الأقمار الصناعية في رصد حالات انبعاثات ضخمة.
وقال المدير الأول لقسم الأعمال وانتقال الطاقة في صندوق الدفاع البيئي، أندرو باكستر، إن "حتى الشركات الرائدة في هذا القطاع لا تزال في بداية الطريق، ويتبقى أمامها الكثير لخفض انبعاثات الميثان التشغيلية"، ما يضع المجتمع الدولي أمام حقيقة أن "الريادة" في القطاع لا تعني بالضرورة الالتزام الكامل بحقوق المجتمعات المتضررة في بيئة آمنة.
تحدث التقرير أيضًا عن الأسباب المحتملة للانبعاثات الكبيرة، مثل سوء التوزيع أو البنية التحتية أو حوادث الخلل التي تؤدي إلى تسرب عرضي من الصمامات، ويقول بعض المشغلين إنهم مضطرون لتصريف الغاز عبر التهوية أو الحرق للحفاظ على السلامة، خصوصاً بالنسبة لخطوط الأنابيب، لكن الخبراء يؤكدون وجود حلول هندسية مثل تقنيات إعادة إشعال الموقد تلقائيًا لمنع تحوله إلى مصدر انبعاثات هائل، كما ذكر جوناثان بانكس المدير العالمي لمنع تلوث الميثان في فرقة العمل المعنية بالهواء النظيف.
وأضاف باكستر أن بعض المنشآت تُصدر كميات كبيرة من الميثان نتيجة لتصميمها القديم، إذ شُيّدت قبل وقت طويل من التزام الشركات بخفض الانبعاثات، وأن الشركات "تعيش تبعات خيارات اتخذتها قبل ما بين خمسة أعوام وعشرين عامًا"، وهو ما يعني أن "الإصلاح السريع" ليس خيارًا بسيطًا، بل يتطلب استثمارات ضخمة وإرادة سياسية.
ولم تكن الانبعاثات مجرد حوادث منفصلة، بل رُصدت أكثر من مرة خلال فترة ستين يومًا، حيث رصد جهاز "كربون مابر" عمودًا كثيفًا من الميثان فوق أحد أصول شركة بيركشاير هاثاواي إنرجي في 12 يوليو، قُدّر أنه انبعث منه 2000 كيلوغرام في الساعة، ثم رصد الجهاز عمودًا آخر في 3 أغسطس أكثر من 1000 كيلوغرام في الساعة، ولاحظت الأقمار الصناعية زيادة حجم العمود بعد أقل من نصف ساعة.
وقال متحدث باسم بيركشاير هاثاواي إن التسرب رُصد عبر أنظمتها الخاصة وتم إصلاحه في 12 أغسطس بعد الحصول على قطع الغيار اللازمة، وأضاف أن شركات أخرى في المنطقة قد تكون مسؤولة عن الانبعاث الذي رصده المستشعر.
وفي حالة أخرى، رُصدت سحابة كبيرة من الميثان فوق منشأة تابعة لـ"إي كيو تي" في فرجينيا الغربية في 2 و9 مارس، وعاد القمر الصناعي في 12 يوليو لرصد سحابة كبيرة أخرى في نفس اليوم، في حين أفادت الشركة بأنها لم ترصد أي خلل أو أعمال صيانة في ذلك التاريخ، مؤكدة عدم وجود دليل على "تسريبات مستمرة" بناءً على تحقيقاتها.
تقارير البنك الدولي
وفي سياق الحرق العالمي للغاز، أوضح البنك الدولي أن مستوى حرق الغاز العالمي ارتفع للعام الثاني على التوالي، ليبلغ أعلى مستوى منذ 2007، مع هدر طاقة يقدر بنحو 63 مليار دولار، وانبعاث ما يقدر بنحو 389 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، منها 46 مليون طن من غاز الميثان غير المحترق.
وأشار البنك إلى أن أكبر تسعة بلدان تقوم بعمليات الحرق لا تزال مسؤولة عن ثلاثة أرباع إجمالي عمليات الحرق، وأن كثافة حرق الغاز ظلت مرتفعة خلال الخمسة عشر عامًا الماضية.
وقال المدير العالمي لقطاع الممارسات العالمية للطاقة والصناعات الاستخراجية في البنك الدولي، ديميتريوس باباثاناسيو، إن "من المحبط للغاية أن نرى هذا المورد الطبيعي يُهدر" في وقت لا يزال فيه أكثر من مليار شخص يفتقدون إلى مصادر طاقة موثوقة، وأكد البنك أن البلدان التي التزمت بمبادرة "الوقف التام للحرق المعتاد للغاز بحلول 2030" حققت انخفاضًا متوسطه 12% في كثافة الحرق، في حين شهدت البلدان التي لم تصادق على المبادرة زيادة بنسبة 25%.
وأضاف المدير بالبنك الدولي المسؤول عن الشراكة العالمية للحد من حرق الغاز والميثان، زوبين بامجي، أن الحلول موجودة، وأن على الحكومات والمشغلين وضع الحد من حرق الغاز على رأس أولوياتهم؛ لأن الغاز المهدر يمكن أن يتحول إلى محرك للتنمية الاقتصادية إذا جرى استغلاله بدلًا من حرقه.
وفي سياق الضغط التجاري والسياسي، نقلت "سكاي نيوز" أن واشنطن طلبت من الاتحاد الأوروبي إعفاء صادراتها من النفط والغاز من الالتزامات المفروضة بموجب قانون الميثان الأوروبي الذي يلزم مستوردي النفط والغاز بمراقبة انبعاثات الميثان المرتبطة بالواردات والإبلاغ عنها، وأن واشنطن اقترحت تأجيل تطبيق متطلبات الإبلاغ حتى أكتوبر 2035.
وأشارت المنصة إلى أن وزير الطاقة الأمريكي، كريس رايت يعترض على التشريع، معتبرًا أن تطبيقه غير عملي وقد يؤدي إلى تعطيل إمدادات الغاز الأمريكي، في حين أكد مفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي دان يورجنسن أن بروكسل ستسهل التنفيذ لكنها لا تنوي تعديل القانون، وأنه يشكل ركيزة أساسية في السياسات المناخية الأوروبية.
ويبدو أن هذه المعركة بين واشنطن وبروكسل ليست مجرد خلاف تجاري، بل هي صراع حول من يملك الحق في فرض معايير بيئية، ومن يتحمل تكلفة الانتقال إلى اقتصاد أقل انبعاثًا، في حين تظل حقوق الشعوب في الهواء النظيف والحق في الصحة على المحك.











