"الحصان الباكي".. من خطأ تصنيع إلى رمز للصمت والإرهاق المهني في الصين

"الحصان الباكي".. من خطأ تصنيع إلى رمز للصمت والإرهاق المهني في الصين
دمية "الحصان الباكي"

كشف خطأ تصنيع بسيط عن أزمة أوسع في حقوق العمال في الصين، إذ تحوّلت دمية "الحصان الباكي" القطيفة إلى رمز شائع للإرهاق في مكان العمل، بعد أن أظهر خطأ في الإنتاج عبوسًا بدل ابتسامة.

في السابع عشر من فبراير تحتفل الصين ببداية عام الحصان، البرج الفلكي الذي يرمز إلى الطاقة العالية والعمل الجاد، إلا أن انتشار اللعبة المحشوة المعيبة أظهر أن كثيرًا من الصينيين لا يشعرون بروح الاحتفال.

وأوضحت الغارديان أن لعبة الحصان الأحمر التي أنتجتها شركة "هابي سيستر" في مدينة ييوو غرب الصين، كان من المفترض أن تأتي بابتسامة عريضة، لكن خطأً مصنعيًا أدى إلى وصولها إلى المتاجر بوجه عابس يائس، ولأن فتحتَي أنف الحصان ظهرتا كدموع، فسّر المستهلكون التعابير على أنها انعكاس لحالة إحباطهم من ضغوط العمل اليومية.

وأضافت مالكة الشركة، تشانغ هوتشينغ، لوكالة رويترز: "كان الناس يمزحون قائلين إن الحصان الباكي هو مظهرك في العمل، والحصان المبتسم هو مظهرك بعد العمل"، وأشارت إلى أن الطلبات اليومية للعبة تجاوزت 15 ألف وحدة بحلول منتصف يناير، ما دفع المصنع إلى فتح 10 خطوط إنتاج إضافية لتلبية الطلب.

وربطت التقارير بين رواج اللعبة وواقع العمل في الصين، حيث يعاني الموظفون من نظام “996” الذي يجبرهم على العمل من التاسعة صباحًا حتى التاسعة مساءً ستة أيام في الأسبوع.

وبينما أشاد بعض رواد الأعمال، ومنهم جاك ما مؤسس شركة علي بابا، بهذه الممارسة، فقد تعرض النظام لانتقادات شديدة منذ عام 2021 بعد وفاة موظف في شركة تجارة إلكترونية عقب نوبة ليلية طويلة.

تم حظر النظام رسميًا، لكن ساعات العمل الإضافية الطويلة ما زالت شائعة، وهو ما يجعل الدمية تعبيرًا رمزيًا عن الإنهاك المهني.

سلطت "ساوث تشاينا مورنينغ بوست" الضوء على رأي المستهلكين، حيث قالت مشترية تُدعى توان توان مامي: "يبدو هذا الحصان الصغير حزينًا ومثيرًا للشفقة، تمامًا كما أشعر في العمل"، في مؤشر على أن تعابير اللعبة تجاوزت الخطأ الفني لتصبح انعكاسًا لمشاعر حقيقية لدى الموظفين.

ظاهرة الألعاب 

أوضحت "رويترز" أن الحصان الباكي لا يمثل حالة فردية، بل جزء من رواج أوسع للألعاب “القبيحة اللطيفة” التي اكتسبت شهرة في السنوات الأخيرة بفضل شخصيات مثل "لابوبو" الوحش ذو الأسنان الحادة من سلسلة "بوب مارت".

أشار بائع الألعاب المخضرم، لو تشنشيان، من ييوو إلى أن الإقبال على الحصان الباكي أصبح شبه يومي: "في هذه الأيام، يكاد كل من يدخل المتجر يسأل عن الحصان الباكي"، مضيفًا أن الطلب المتزايد دفع الموظفين إلى إعادة ملء الرفوف بسرعة بعد نفادها.

وأوضح موقع "بيبول" الأمريكي أن دمية الحصان الباكي أصبحت من أبرز هدايا رأس السنة القمرية في الصين، واعتبرها المستخدمون انعكاسًا صريحًا لمشاعرهم اليومية في العمل.

وقالت تشانغ هوتشينغ: "سنستمر في بيعه، هذا الحصان الباكي يجسد واقع العاملين في العصر الحديث".

ربط التقرير الحقوقي للموضوع بين هذا الانتشار وحق العمال في بيئة عمل صحية، حيث يمكن للمنتجات الرمزية أن تعكس المعاناة الواقعية للموظفين، وتطرح تساؤلات حول التوازن بين العمل والحياة، وأثر ساعات العمل الطويلة في الصحة النفسية والجسدية للموظفين.

تصاميم اللعبة الأصلية

وسجّلت رويترز أن تصاميم اللعبة الأصلية كانت تهدف لنشر البهجة خلال رأس السنة القمرية، لكن خياطة الفم بالمقلوب حولتها إلى دمية حزينة للغاية، ورغم العرض الأولي لاسترداد ثمن اللعبة من قبل تشانغ هوتشينغ، لم تُعد اللعبة من قبل الزبائن، وانتشرت صورها بسرعة على الإنترنت.

وأوضح محلل وسائل التواصل الاجتماعي، جاكوب كوك، أن التحول من خطأ بسيط إلى ظاهرة واسعة يعكس قدرة المنتجات الرقمية والمادية على التعبير عن معاناة الطبقات العاملة، خاصة الشباب الذين يعانون من ضغط العمل المستمر والقيود الاجتماعية والثقافية في بيئة العمل الصينية.

أشارت "الغارديان" إلى أن الحصان الباكي أصبح رمزًا صامتًا للحق في التعبير عن الذات والاحتجاج غير المباشر على ظروف العمل، وهو ما يفسر رواج اللعبة خارج الصين أيضًا، حيث تم تقديم طلبات شراء بالجملة من جنوب إفريقيا وشرق آسيا والشرق الأوسط.

وأكدت تشانغ هوتشينغ أنها لا تعرف بالضبط من ارتكب الخطأ في الخياطة، لكنها اختارت منح الجميع مكافأة، مع الحفاظ على إنتاج اللعبة.

وأوضحت أن اللعبة توفر منفذًا للتعبير عن التوتر والإرهاق المهني بطريقة مقبولة اجتماعيًا، ما يعكس فهمًا ضمنيًا لحقوق العاملين في التعبير عن حالتهم النفسية والمهنية.

أوضح موقع "بيبول" أن بعض البائعين الشباب أقرّوا بأن اللعبة "قبيحة"، لكن اعترافهم بموافقة الشباب على شرائها يعكس تحولًا في الثقافة الاستهلاكية، حيث أصبح التعبير عن المشاعر عبر المنتجات جزءًا من الحريات اليومية للطبقة العاملة.




ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية