تصاعد القمع.. اللجنة الأولمبية الدولية تدق ناقوس الخطر بشأن الرياضيين الإيرانيين

تصاعد القمع.. اللجنة الأولمبية الدولية تدق ناقوس الخطر بشأن الرياضيين الإيرانيين
اللجنة الأولمبية الدولية

في الوقت الذي يفترض أن تكون فيه الرياضة مساحة آمنة تتجاوز السياسة والصراعات، يجد الرياضيون الإيرانيون أنفسهم اليوم في قلب أزمة إنسانية متفاقمة، فرضتها حملة قمع واسعة تشهدها البلاد منذ أشهر. 

هذه التطورات لم تمر مرور الكرام على المؤسسات الرياضية الدولية، التي عبّرت عن قلق بالغ إزاء سلامة الرياضيين، وسط تقارير عن اعتقالات جماعية واختفاءات قسرية طالت آلاف المواطنين، بينهم رياضيون معروفون.

قلق دولي متصاعد

في هذا السياق، أعربت اللجنة الأولمبية الدولية والاتحاد العالمي للمصارعة عن مخاوف جدية بشأن أوضاع الرياضيين الإيرانيين، في ظل تصاعد القمع الذي تمارسه السلطات ضد المتظاهرين، وأكدت اللجنة الأولمبية الدولية في بيان ونقلته وكالة رويترز وشبكة إيران إنترناشيونال الجمعة، أنها تتابع بقلق بالغ ما يمر به الرياضيون الإيرانيون نتيجة الأحداث الجارية في البلاد، وذلك بدعم من الاتحاد الدولي للاتحادات الأولمبية الصيفية والشتوية.

ويأتي هذا الموقف في وقت تشير فيه تقارير حقوقية إلى مقتل ما لا يقل عن 36,500 شخص خلال حملة القمع، إضافة إلى اعتقالات واسعة النطاق شملت آلاف المواطنين، وورود معلومات عن حالات اختفاء قسري لمحتجزين لم يُعرف مصيرهم حتى الآن.

حملة اعتقالات وترهيب

بحسب ما نقلته وكالات الأنباء ووسائل الإعلام الإيرانية نفذت قوات الأمن التابعة للنظام الإيراني، والتي عملت في كثير من الأحيان بملابس مدنية، حملة اعتقالات واسعة هدفت إلى منع تجدد الاحتجاجات الشعبية، وشملت هذه الحملة آلاف الأشخاص في مختلف المدن، وسط أجواء من الترهيب والملاحقة، ما خلق حالة من الخوف والقلق داخل المجتمع الإيراني، بما في ذلك الأوساط الرياضية.

وتشير مصادر قريبة من الملف إلى أن بعض الرياضيين وجدوا أنفسهم تحت ضغط مباشر، سواء بسبب مشاركتهم في الاحتجاجات أو بسبب تعبيرهم عن مواقف تضامنية مع المحتجين، وهو ما جعلهم عرضة للملاحقة الأمنية.

في بيانها، أكدت اللجنة الأولمبية الدولية أنها تشعر بقلق خاص إزاء وضع الرياضيين الإيرانيين المتأثرين بالأحداث الجارية في بلادهم، مشيرة إلى أن هذا القلق ينسجم مع موقفها المبدئي تجاه جميع الرياضيين الذين يواجهون صراعات ومآسي في مناطق مختلفة من العالم.

وأضاف البيان أن اللجنة تدرك حدود قدرتها على التأثير المباشر في التطورات العالمية والوطنية، لكنها شددت في الوقت نفسه على التزامها بمواصلة التعاون مع شركائها الأولمبيين لتقديم الدعم الممكن، غالبا عبر ما وصفته بالدبلوماسية الرياضية الهادئة، التي تعتمد الحوار والاتصالات غير العلنية لحماية الرياضيين والدفاع عن حقوقهم.

وتعكس هذه اللغة الحذرة إدراك اللجنة لتعقيدات المشهد السياسي، ورغبتها في الحفاظ على قنوات التواصل المفتوحة، دون التخلي عن مسؤوليتها الأخلاقية تجاه الرياضيين الذين يفترض أن تحميهم القيم الأولمبية.

مصارعو إيران في دائرة الخطر

من جانبه، أعلن الاتحاد العالمي للمصارعة عن تلقيه معلومات مثيرة للقلق تتعلق بأمن عدد من المصارعين الإيرانيين خلال التطورات الأخيرة للاحتجاجات في إيران، وأوضح الاتحاد في بيان رسمي أنه تلقى رسائل متعددة تشير إلى وضع أربعة مصارعين إيرانيين على وجه الخصوص، دون الكشف عن أسمائهم، ما أثار مخاوف واسعة داخل الأوساط الرياضية.

وأكد الاتحاد أن موقعه كهيئة رياضية دولية لا يتيح له التأثير المباشر على الشؤون السياسية أو الأمنية داخل الدول، لكنه شدد على قلقه البالغ إزاء سلامة الرياضيين الإيرانيين المتضررين من الأحداث الجارية، وعلى التزامه بمتابعة القضية والحصول على معلومات موثوقة بشأن أوضاعهم.

وأشار الاتحاد العالمي للمصارعة إلى أن حماية الرياضيين واحترام القيم الأساسية للرياضة يمثلان جوهر رسالته، مؤكدا أنه لن يتجاهل أي معلومات تتعلق بانتهاك حقوق الرياضيين أو تعريض حياتهم للخطر.

الرياضة بين القيم والواقع

تعيد هذه التطورات إلى الواجهة سؤالا قديما جديدا حول قدرة المؤسسات الرياضية الدولية على حماية الرياضيين في ظل أنظمة سياسية قمعية، فبينما تقوم الفلسفة الأولمبية على مبادئ السلام والكرامة الإنسانية والمساواة، يجد الرياضيون في بعض الدول أنفسهم أسرى واقع سياسي وأمني يفرض عليهم أثمانا باهظة، لمجرد التعبير عن آرائهم أو مواقفهم الإنسانية.

ويرى مراقبون أن الرياضيين الإيرانيين يواجهون تحديا مزدوجا، يتمثل في الحفاظ على مسيرتهم الرياضية من جهة، وضمان سلامتهم الشخصية من جهة أخرى، في بيئة باتت فيها أي خطوة محسوبة وقد تكون عواقبها قاسية.

أصوات خافتة وقلق متزايد

رغم محدودية المعلومات المتاحة بسبب القيود المفروضة على الإعلام، تتزايد المخاوف من أن يكون عدد الرياضيين المتضررين أكبر مما هو معلن. ويشير ناشطون إلى أن الخوف من الانتقام يدفع كثيرين إلى الصمت، ما يصعب مهمة توثيق الانتهاكات أو إيصالها إلى الرأي العام الدولي.

في هذا السياق، يكتسب موقف اللجنة الأولمبية الدولية والاتحاد العالمي للمصارعة أهمية خاصة، كونه يسلط الضوء على القضية ويمنحها بعدا دوليا، حتى وإن ظل التحرك العملي محكوما بالحذر والقيود الدبلوماسية.

دعوات لحماية الرياضيين

يطالب حقوقيون ومتابعون للشأن الرياضي بأن تتجاوز المؤسسات الدولية حدود البيانات القلقة، وأن تبحث عن آليات أكثر فاعلية لحماية الرياضيين، سواء عبر توفير ملاذات آمنة، أو الضغط من أجل احترام حقوقهم الأساسية، أو على الأقل ضمان عدم معاقبتهم بسبب مواقف سلمية.

ويؤكد هؤلاء أن الصمت أو الاكتفاء بالدبلوماسية الهادئة قد لا يكون كافيا في حالات الانتهاكات الجسيمة، خاصة عندما يتعلق الأمر بحياة أشخاص يفترض أن يكونوا رموزا للسلام والتنافس الشريف.

تشهد إيران منذ أشهر موجة احتجاجات واسعة، قابلتها السلطات بحملة قمع شديدة شملت استخدام القوة المفرطة، واعتقالات جماعية، ومحاكمات سريعة، وسط اتهامات بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وقد طالت هذه الإجراءات مختلف فئات المجتمع، بما في ذلك طلاب وفنانون ورياضيون. ويُعد الرياضيون في إيران شخصيات عامة تحظى بمتابعة جماهيرية واسعة، ما يجعل مواقفهم ذات تأثير رمزي كبير، ويضعهم في مرمى الضغوط الأمنية، وفي ظل هذا الواقع، تواجه المؤسسات الرياضية الدولية اختبارا حقيقيا لقدرتها على الدفاع عن القيم التي تأسست عليها، وضمان ألا تتحول الرياضة إلى ساحة أخرى من ساحات القمع والصراع.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية