جراء القمع.. توجه أوروبي نحو إدراج الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية

جراء القمع.. توجه أوروبي نحو إدراج الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية
الاتحاد الأوروبي

يتجه الاتحاد الأوروبي نحو واحدة من أكثر خطواته السياسية تشدداً في تعاطيه مع إيران، مع ترجيح إدراج الحرس الثوري الإيراني على قائمة المنظمات الإرهابية، في قرار يحمل أبعاداً سياسية وأمنية وإنسانية واسعة، وهذا التحرك الذي يتزامن مع تصاعد الانتقادات الدولية لسجل طهران الحقوقي يعكس تحولاً واضحاً في المزاج الأوروبي تجاه الجمهورية الإيرانية بعد سنوات من التردد والحسابات الدبلوماسية المعقدة.

وقالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، اليوم الخميس، قبيل اجتماع مجلس وزراء الخارجية في بروكسل، إن الاتحاد يتجه على الأرجح إلى تصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية، إلى جانب فرض حزمة جديدة من العقوبات على طهران، وأضافت أن هذا القرار يأتي رداً على ما وصفته بالسلوك العنيف والمتكرر للسلطات الإيرانية، مؤكدة أن من يتصرف تصرف تنظيم إرهابي يجب أن يتوقع أن يعامل على هذا الأساس، وفق وكالة رويترز.

تصعيد سياسي ورسائل واضحة

ويعد هذا التوجه الأوروبي بمنزلة رسالة سياسية شديدة اللهجة إلى القيادة الإيرانية، في وقت تشهد فيه البلاد واحدة من أكثر موجات الاحتجاج دموية في تاريخها الحديث، فبحسب منظمات حقوقية دولية، قوبلت الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت أواخر ديسمبر بقمع واسع النطاق، أسفر عن مقتل الآلاف، معظمهم من المتظاهرين، على يد قوات الأمن.

وتشير تقارير ميدانية إلى أن الاحتجاجات الشعبية اندلعت في البداية على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع الأسعار، قبل أن تتحول سريعاً إلى حراك سياسي واسع يرفع شعارات مناهضة للجمهورية الإسلامية، ويطالب بتغييرات جذرية في بنية الحكم.

دعم أوروبي متزايد للقرار

وخلال الأيام الماضية أعلنت عدة دول أوروبية، في مقدمتها فرنسا وإيطاليا، تأييدها الصريح لإدراج الحرس الثوري في لائحة الاتحاد الأوروبي للمنظمات الإرهابية، ويعكس هذا الموقف تحولاً ملحوظاً، خصوصاً من جانب باريس التي كانت حتى وقت قريب من أبرز المعارضين لمثل هذه الخطوة، خشية تداعياتها على العلاقات الثنائية وعلى مصير مواطنين أوروبيين محتجزين في إيران.

وأكدت كالاس أن التصنيف المحتمل سيضع الحرس الثوري في الخانة نفسها مع تنظيمات مصنفة إرهابية دولياً، مثل تنظيم القاعدة وتنظيم داعش، معتبرة أن ذلك يعكس طبيعة الدور الذي يلعبه الحرس داخل إيران وخارجها.

عقوبات قائمة ورمزية سياسية

ورغم أن الاتحاد الأوروبي سبق أن فرض عقوبات على كيان الحرس الثوري إضافة إلى عدد من قادته، على خلفية قمع احتجاجات سابقة ودعم إيران لروسيا في حرب أوكرانيا، فإن الخطوة الجديدة ينظر إليها على أنها ذات طابع رمزي كبير أكثر من كونها إجراءً اقتصادياً مؤثراً بشكل مباشر.

ويرى دبلوماسيون أوروبيون أن إدراج الحرس الثوري على قائمة الإرهاب يشكل إدانة سياسية صريحة لسياسات طهران، ويعزز موقف الاتحاد في الضغط الدولي المتزايد على النظام الإيراني بسبب ملف حقوق الإنسان.

أرقام صادمة عن القمع

وفي هذا السياق قالت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان “هرانا”، وهي منظمة مقرها الولايات المتحدة، إنها وثقت مقتل 6221 شخصاً خلال الاحتجاجات، بينهم 5856 متظاهراً و100 قاصر و214 عنصراً من قوات الأمن و49 من المارة، وأضافت أنها لا تزال تحقق في 17091 حالة وفاة محتملة أخرى، مشيرة إلى اعتقال ما لا يقل عن 42324 شخصاً.

في المقابل أقرت السلطات الإيرانية رسمياً بمقتل أكثر من 3000 شخص، مؤكدة أن غالبيتهم من عناصر قوات الأمن أو مدنيين، إضافة إلى من وصفتهم بمثيري الشغب، متهمة إياهم بتلقي دعم من الولايات المتحدة وإسرائيل.

موقف فرنسي حاسم

وأعلن قصر الإليزيه، الأربعاء، دعم فرنسا الرسمي لإدراج الحرس الثوري في لائحة المنظمات الإرهابية، في تحول لافت في موقف باريس، وشدد وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، لدى وصوله إلى اجتماع بروكسل، على ضرورة عدم الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة.

وأضاف بارو أن هذا القرار يمثل أيضاً نداءً من فرنسا إلى السلطات الإيرانية للإفراج عن آلاف السجناء الذين زج بهم النظام في السجون، ووضع حد لعمليات الإعدام التي قال إنها تكرس أكثر أشكال القمع عنفاً في تاريخ إيران المعاصر، كما دعا طهران إلى إنهاء حجب الإنترنت المفروض منذ الثامن من يناير مع اتساع رقعة الاحتجاجات، وإعادة منح الشعب الإيراني القدرة على اختيار مستقبله.

الدعم الإيطالي ومواقف متقاربة

من جهته حث وزير الخارجية الإيطالي أنتونيو تاياني الاتحاد الأوروبي على المضي قدماً في تصنيف الحرس الثوري، مؤكداً أنه سيطرح الفكرة بالتنسيق مع شركاء أوروبيين آخرين، في مؤشر على اتساع دائرة التأييد داخل التكتل الذي يضم 27 دولة.

ورغم التحذيرات الإيرانية المتكررة من عواقب وصفتها بالمدمرة في حال إدراج الحرس الثوري على القائمة الأوروبية، أكدت كايا كالاس أن القنوات الدبلوماسية مع طهران ستبقى مفتوحة، حتى بعد اتخاذ القرار، مشددة على أن الاتحاد لا يسعى إلى قطع التواصل السياسي بالكامل.

توتر إقليمي وسياق دولي معقد

ويأتي القرار الأوروبي المرتقب في ظل تصاعد التوتر الإقليمي، بعد تحذير وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من أن بلاده سترد فوراً وبقوة على أي عملية عسكرية أمريكية، وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد صرح بأن الوقت ينفد لتفادي سيناريو المواجهة، من دون استبعاد إمكانية التوصل إلى اتفاق جديد بشأن البرنامج النووي الإيراني.

ولم يستبعد ترامب شن هجوم جديد على إيران على خلفية قمع الاحتجاجات، وذلك بعد مشاركة الولايات المتحدة في حرب استمرت 12 يوماً في يونيو الماضي، شنتها إسرائيل على الجمهورية الإيرانية، ما زاد من حدة المخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.

تأسس الحرس الثوري الإيراني، واسمه الرسمي قوات حرس الثورة الإسلامية، عام 1979 عقب انتصار الثورة بقيادة الإمام الخميني، ويخضع مباشرة لسلطة المرشد الأعلى للجمهورية آية الله علي خامنئي، وينص الدستور الإيراني على أن مهمة الحرس الأساسية هي حماية الثورة ومكتسباتها، إلا أن دوره توسع ليشمل نفوذاً عسكرياً وأمنياً واقتصادياً واسعاً داخل البلاد وخارجها، وخلال العقود الماضية اتُّهم الحرس الثوري بالضلوع في قمع المعارضين، ودعم جماعات مسلحة في المنطقة، والتدخل في شؤون دول أخرى، ما جعله محور انتقادات وعقوبات دولية متزايدة.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية