مؤشرات مقلقة.. تراجع اقتصادي يضع مستوى المعيشة الفرنسي تحت المتوسط الأوروبي
مؤشرات مقلقة.. تراجع اقتصادي يضع مستوى المعيشة الفرنسي تحت المتوسط الأوروبي
لم تعد صورة فرنسا باعتبارها إحدى قاطرات الازدهار في أوروبا مطابقة للواقع الذي تعكسه المؤشرات الاقتصادية الحديثة، فالأرقام الصادرة خلال السنوات الأخيرة تكشف مسارا تراجعيا مستمرا في مستوى المعيشة، وضع فرنسا في موقع أقل من المتوسط الأوروبي، في تحول يحمل أبعادا اجتماعية وإنسانية تتجاوز لغة الإحصاءات الجافة، هذا التراجع لا يقتصر على مقارنة رقمية مع دول أخرى، بل ينعكس مباشرة على حياة ملايين الفرنسيين، وعلى قدرتهم على العمل والاستهلاك والادخار، وعلى شعورهم بالأمان الاقتصادي.
وفي تقرير استندت إليه صحيفة لوفيغارو السبت نقلا عن وكالة الإحصاءات الأوروبية “يوروستات”، أظهرت البيانات أن الناتج المحلي الإجمالي للفرد في فرنسا بات أدنى من متوسط الاتحاد الأوروبي، بل وأقل من دول كانت تعد حتى وقت قريب أقل نموا، ووفقا لهذه التقديرات، سجل الناتج المحلي الإجمالي للفرد في فرنسا خلال العام الماضي مستوى أقل بنسبة 2 بالمئة من متوسط الدول ال27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، في مؤشر يعكس تراجعا ملموسا في القوة الشرائية ومستوى المعيشة.
تراجع لم يعد مفاجئا
يشير متابعون إلى أن هذا الانخفاض لم يكن وليد اللحظة، بل نتيجة مسار طويل من التراجع التدريجي بدأ قبل نحو عشر سنوات، وتسارع بشكل أوضح خلال العقد الأخير، فمنذ عام 2022، باتت فرنسا ضمن الجزء الأدنى من التصنيف الأوروبي، بعد أن كانت لعقود طويلة من بين الدول الأكثر ازدهارا، ولم يعد الانتماء إلى الاقتصاد الفرنسي يضمن مستوى معيشة أعلى من المتوسط الأوروبي، وهو تحول يحمل دلالات عميقة على صعيد النموذج الاقتصادي والاجتماعي للبلاد.
يوضح إريك دور، مدير الدراسات الاقتصادية في مدرسة ليسيج للإدارة، أن هذه المؤشرات محسوبة وفق تعادل القوة الشرائية، أي أنها تأخذ في الاعتبار فروق الأسعار بين الدول، ما يجعلها مقياسا دقيقا لمستوى المعيشة الفعلي للمواطنين، ووفق هذا المعيار، فإن المقارنة لا تقتصر على الناتج الاسمي، بل تعكس القدرة الحقيقية للأفراد على تلبية احتياجاتهم اليومية. وحتى عند مقارنة فرنسا بدول منطقة اليورو ال21 الأكثر تقاربا من حيث البنية الاقتصادية، يبقى الناتج المحلي الإجمالي للفرد أقل بنحو 1 بالمئة من المتوسط.
فجوة تتسع مع الشمال وتضيق مع الشرق
تكشف المقارنة التاريخية مدى عمق التحول، ففي عام 1975، كان الناتج المحلي الإجمالي الفرنسي للفرد مماثلا تقريبا لألمانيا، بينما تصل الفجوة اليوم إلى نحو 18 بالمئة لصالح الاقتصاد الألماني، أما الدنمارك، التي كانت تتفوق على فرنسا بـ13 نقطة فقط في منتصف السبعينيات، فقد أصبحت اليوم أغنى منها بنحو 30 بالمئة. في المقابل، تقلص الفارق مع دول كانت تعد أقل نموا بكثير، مثل بولندا، التي كانت متأخرة عن فرنسا بـ60 بالمئة في عام 2000، ولم يعد الفارق اليوم يتجاوز 20 نقطة.
يرى ماثيو بلان، المدير المساعد للمرصد الفرنسي للظروف الاقتصادية، أن العقد الأخير شهد موجتين رئيسيتين من التراجع، الأولى بين 2013 و2017، حين انخفض المؤشر من 109 أي أعلى من المتوسط الأوروبي بـ9 بالمئة، إلى 103، في فترة تميزت بتطبيق سياسة العرض خلال رئاسة فرانسوا هولاند، وهي سياسة لم تحقق الانتعاش المأمول، أما الموجة الثانية فجاءت مع سياسة مهما كلف الأمر التي انتهجها إيمانويل ماكرون منذ مارس 2020 لمواجهة تداعيات جائحة كورونا، حيث واصل المؤشر تراجعه إلى 104 في 2020، ثم 101 في 2021، وصولا إلى 97 في 2022، رغم الدعم الواسع للقدرة الشرائية والاقتصاد.
أزمة أعمق من السياسات
لا يختزل الخبراء أسباب التراجع في الخيارات السياسية وحدها، حيث تعاني فرنسا ضعفا بنيويا في معدل النشاط الاقتصادي. ففي عام 2024، كان أقل من نصف السكان يعملون، وهي نسبة لا تتجاوزها سوءا سوى سلوفاكيا وبلجيكا داخل الاتحاد الأوروبي، ويرتبط هذا الواقع بعوامل ديموغرافية، مثل انخفاض نسبة السكان في الفئة العمرية بين 20 و64 عاما، إضافة إلى عوامل بنيوية تتعلق بانخفاض معدلات توظيف الشباب وكبار السن، وقلة ساعات العمل للفرد مقارنة بدول أوروبية أخرى.
رغم أن فرنسا لا تزال تحتل المرتبة السابعة أوروبيا من حيث الإنتاجية، فإن مكاسب هذه الإنتاجية تتآكل منذ سنوات، بحسب بنوا بيلو مدير الاستثمارات في ناتيكيس ويلث مانجمنت، ويشير خبراء إلى أن تراجع القطاع الصناعي، وضعف منظومة التعليم، ونقص الاستثمارات في البحث العلمي، إلى جانب آثار جائحة كورونا، كلها عوامل أسهمت في فقدان سوق العمل الفرنسي مرونته مقارنة باقتصادات أوروبية أخرى.
انعكاسات اجتماعية صامتة
وراء هذه المؤشرات الاقتصادية، تتشكل أزمة اجتماعية أقل صخبا لكنها أكثر عمقا. فتباطؤ النمو وتراجع القوة الشرائية يضغطان على الطبقات الوسطى والفقيرة، ويزيدان من الشعور بعدم اليقين، ويؤثران على فرص الشباب في الاندماج بسوق العمل، كما يحدان من قدرة الدولة على الحفاظ على نموذجها الاجتماعي القائم على الخدمات العامة الواسعة والحماية الاجتماعية، في ظل موارد مالية تتعرض لضغوط متزايدة.
مستقبل محفوف بالتحديات
تبدو استعادة المكانة الاقتصادية لفرنسا على المدى المتوسط أمرا بالغ الصعوبة، وفق تقدير ماثيو بلان، خاصة مع تراكم ديون عامة تقترب من 3500 مليار يورو، وعجز مزمن في الميزانية يصعب خفضه دون المساس بقدرة الدولة على التدخل الاقتصادي، وعلى عكس ألمانيا التي تملك هامشا ماليا يسمح بخطط تحفيزية تصل إلى 500 مليار يورو، تواجه فرنسا تحديا جوهريا يتمثل في كيفية توفير 100 مليار يورو من التوفير بحلول نهاية 2029، وهو سؤال لا يقدم مشروع ميزانية 2026 إجابة واضحة عنه حتى الآن.
يعتمد الاتحاد الأوروبي في تقييم مستويات المعيشة على مؤشر الناتج المحلي الإجمالي للفرد وفق تعادل القوة الشرائية، باعتباره أداة تعكس القدرة الفعلية للسكان على الاستهلاك مقارنة بتكاليف المعيشة، وشكلت فرنسا لعقود طويلة إحدى ركائز الاقتصاد الأوروبي بفضل قاعدتها الصناعية ونظامها الاجتماعي واستثماراتها العامة، غير أن التحولات الديموغرافية، وتغير بنية الاقتصاد العالمي، وتحديات المنافسة، إضافة إلى أزمات متلاحقة مثل الأزمة المالية العالمية وجائحة كورونا، أسهمت في إضعاف هذا النموذج، واليوم، تقف فرنسا أمام مفترق طرق اقتصادي واجتماعي، يتطلب إعادة نظر عميقة في سياسات العمل والتعليم والاستثمار، إذا ما أرادت وقف مسار التراجع واستعادة ثقة مواطنيها بمستقبل أكثر استقرارا وعدلا.











