القضاء الفرنسي يلاحق مستوطنتين إسرائيليتين بتهم التواطؤ في جرائم الإبادة بغزة

القضاء الفرنسي يلاحق مستوطنتين إسرائيليتين بتهم التواطؤ في جرائم الإبادة بغزة
راشيل تويتو ونيلي كوبر ناوري

في تطور قانوني لافت يحمل أبعادا إنسانية وسياسية عميقة، أصدرت السلطات القضائية في فرنسا مذكرتي توقيف بحق مستوطنتين إسرائيليتين تحملان الجنسية الفرنسية، على خلفية الاشتباه بتورطهما في تعطيل وصول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة خلال الحرب الإسرائيلية على القطاع، وتأتي هذه الخطوة في وقت تتزايد فيه الدعوات الدولية لمحاسبة الأفراد والجهات المتورطة في عرقلة العمل الإنساني، باعتبار ذلك انتهاكا صارخا للقانون الدولي الإنساني وحقوق المدنيين.

ونقلت وكالة قدس برس، الثلاثاء، عن صحيفة لوموند الفرنسية، أن مذكرتي التوقيف صدرتا بحق راشيل تويتو ونيلي كوبر ناوري، بعد تحقيقات قضائية تناولت أنشطتهما خلال عامي 2024 و2025، وما تضمنته من تحركات وتحريض علني استهدف شاحنات المساعدات المتجهة إلى قطاع غزة.

تهم ثقيلة ذات طابع إنساني وقانوني

وبحسب ما أوردته لوموند، فإن القضاء الفرنسي وجه للمستوطنتين تهم التحريض العلني والمباشر على الإبادة الجماعية في غزة، إضافة إلى تهمة التواطؤ في الإبادة الجماعية. وهي من أخطر التهم التي ينص عليها القانون الجنائي الفرنسي، خصوصا عندما ترتبط بوقائع تمس حياة المدنيين وحقهم في الغذاء والدواء والحماية أثناء النزاعات المسلحة.

وتستند هذه التهم إلى سلسلة من الأفعال الموثقة، من بينها المشاركة في تنظيم أو دعم تحركات ميدانية هدفت إلى تعطيل وصول شاحنات الإغاثة الإنسانية إلى قطاع غزة، في وقت كان فيه السكان المدنيون يواجهون أوضاعا إنسانية كارثية نتيجة القصف والحصار ونقص المواد الأساسية.

حركة الأمر 9 وعرقلة الإغاثة

وتعرف راشيل تويتو بأنها متحدثة باسم حركة الأمر 9، وهي مجموعة يمينية إسرائيلية متطرفة برز اسمها خلال العدوان على غزة، وتشير تقارير حقوقية وإعلامية دولية إلى أن هذه الحركة لعبت دورا محوريا في تنظيم حملات ميدانية لقطع الطرق أمام شاحنات المساعدات، ومهاجمتها بشكل مباشر، وإتلاف محتوياتها.

وخلال مايو 2024، وثقت تقارير متطابقة حوادث نهب وإحراق شاحنات إغاثة قرب مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية، في مشاهد أثارت موجة تنديد واسعة من منظمات إنسانية دولية اعتبرت أن هذه الأفعال ترقى إلى جرائم حرب، كونها تستهدف إمدادات مخصصة لإنقاذ حياة المدنيين.

وفي يونيو 2024، صنفت وزارة الخارجية الأمريكية حركة الأمر 9 كجماعة إسرائيلية متطرفة عنيفة، بسبب تورطها المتكرر في الاعتداء على قوافل المساعدات الإنسانية، وهو تصنيف أضفى بعدا دوليا إضافيا على ملف الحركة وأنشطتها.

دور جمعية إسرائيل إلى الأبد

أما نيلي كوبر ناوري فتشغل منصب رئيسة جمعية إسرائيل إلى الأبد، وهي منظمة إسرائيلية فرنسية ذات توجه قومي يميني، ووفقا لما أوردته تقارير صحفية، فقد شاركت الجمعية في تعبئة متطوعين للمشاركة في عمليات تعطيل المساعدات، ووجهت دعوات علنية للانضمام إلى التحركات التي تستهدف شاحنات الإغاثة.

وفي تصريحات إعلامية سابقة، قالت كوبر ناوري إن تزويد سكان غزة بالمساعدات أمر غير أخلاقي، وذهبت إلى حد اعتبار المدنيين في القطاع غير أبرياء، وهي تصريحات اعتبرها خبراء قانونيون تحريضا مباشرا ينزع الصفة المدنية عن السكان، ويبرر استهدافهم أو حرمانهم من حقوقهم الأساسية.

ردود فعل وإنكار الاتهامات

في ردها على مذكرتي التوقيف، وصفت نيلي كوبر ناوري الخطوة القضائية الفرنسية بأنها اضطهاد معاد للسامية، واعتبرت أنها تشكل سابقة خطيرة قد تطال جنودا ومدنيين من مزدوجي الجنسية، أما راشيل تويتو فهاجمت بدورها القضاء الفرنسي، معتبرة أنه يتجاوب بسرعة مع شكاوى منظمات مؤيدة للفلسطينيين، وفق ما نقلته صحيفة لوموند.

في المقابل، يرى مراقبون قانونيون أن هذه الردود تعكس محاولة لتحويل مسار القضية من بعدها الإنساني والقانوني إلى سجال سياسي وإيديولوجي، في حين أن جوهر الملف يتعلق بأفعال ملموسة استهدفت عرقلة المساعدات الإنسانية في سياق نزاع مسلح.

أبعاد إنسانية تتجاوز الأفراد

لا تقتصر أهمية هذه القضية على ملاحقة شخصيتين بعينهما، بل تتجاوز ذلك لتسلط الضوء على خطورة استهداف العمل الإنساني واستخدام الغذاء والدواء كأدوات ضغط وعقاب جماعي، وتؤكد منظمات حقوق الإنسان أن عرقلة المساعدات في غزة خلال الحرب ساهمت بشكل مباشر في تفاقم المجاعة وانتشار الأمراض وارتفاع أعداد الضحايا، خصوصا بين الأطفال وكبار السن.

ويشير خبراء في القانون الدولي إلى أن تحميل الأفراد المسؤولية الجنائية عن مثل هذه الأفعال يمثل تطورا مهما في مسار المساءلة، ويبعث برسالة مفادها أن الجنسية المزدوجة أو النشاط السياسي لا يشكلان حصانة من المحاسبة عندما يتعلق الأمر بجرائم تمس الإنسانية جمعاء.

يأتي هذا التطور القضائي في سياق الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة التي اندلعت في أكتوبر 2023، وأسفرت عن واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في المنطقة خلال العقود الأخيرة، فقد أدى القصف المكثف والحصار المشدد إلى انهيار شبه كامل للبنية التحتية الصحية والخدمية، واعتمد ملايين المدنيين بشكل أساسي على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة، وفي هذا الإطار، شددت اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني على ضرورة ضمان مرور المساعدات دون عوائق، واعتبرت عرقلتها أو استهدافها جريمة جسيمة.

 وتزايدت خلال عامي 2024 و2025 الدعوات داخل أوروبا لمحاسبة الأفراد والمنظمات المتورطة في التحريض أو المشاركة في أعمال تمس هذا المبدأ الأساسي، وهو ما يفسر تحرك القضاء الفرنسي استنادا إلى مبدأ الولاية القضائية عندما يكون المتهمون من حملة الجنسية الفرنسية.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية