بسبب العواصف.. شركات التأمين في أمريكا وكندا ترصد قفزة في مطالب تعويضات تأخر الرحلات

بسبب العواصف.. شركات التأمين في أمريكا وكندا ترصد قفزة في مطالب تعويضات تأخر الرحلات
تكدس في أحد المطارات الأمريكية نتيجة اضطراب حركة السفر جراء العواصف

في نهاية يناير الماضي ضربت عاصفة شتوية عنيفة الولايات المتحدة وكندا، تاركة وراءها مشدداً من المطارات المشلولة والمسافرين العالقين وسلسلة طويلة من المطالبات التأمينية التي ارتفعت بوتيرة غير مسبوقة، وبينما كانت الثلوج الكثيفة والرياح المتجمدة تعطل حركة الطيران، كانت شركات التأمين تستعد لموجة ضخمة من طلبات التعويض، في مشهد يعكس هشاشة قطاع النقل الجوي أمام التقلبات المناخية القاسية.

ووفقاً لما نقلته وكالة رويترز الإخبارية الاثنين، أكدت عدة شركات متخصصة في المدفوعات التأمينية أن العاصفة التي اجتاحت مناطق واسعة من أمريكا الشمالية بين 23 و27 يناير تسببت في ارتفاع حاد في المطالبات المتعلقة بتأخر وإلغاء الرحلات الجوية، وسط تقديرات أولية تشير إلى خسائر مؤمنة قد تصل إلى مليارات الدولارات.

تصاعد غير مسبوق في المطالبات

أعلنت شركة كولينسون جروب، وهي مزود عالمي لخدمات دخول صالات المطارات وتأمين السفر، أن المطالبات المتعلقة بالرحلات المتأخرة ارتفعت بنسبة 19 بالمئة خلال الفترة من 23 إلى 27 يناير مقارنة بفترة مماثلة لم تشهد أحداثاً جوية مؤثرة، وتعكس هذه النسبة حجم الاضطراب الذي ضرب قطاع الطيران خلال أيام قليلة فقط، حيث تحولت المطارات الكبرى إلى ساحات انتظار ممتدة، واضطر آلاف المسافرين إلى إعادة ترتيب خططهم وسط أجواء من الارتباك.

ويمثل هذا الارتفاع مؤشراً مباشراً على حجم الضغط الذي تعرضت له شركات الطيران وشركات التأمين على حد سواء، فكل رحلة متأخرة أو ملغاة تعني سلسلة من الالتزامات المالية، سواء عبر تعويضات مباشرة أو مزايا إضافية مثل الإقامة الفندقية أو الدخول إلى صالات المطارات أو استرداد قيمة التذاكر.

خسائر بمليارات الدولارات

تقديرات أولية صادرة عن شركة فريسيك اند كارن كلارك اند كومباني المتخصصة في تقييم الخسائر أشارت إلى أن الخسائر المغطاة تأمينياً جراء العاصفة قد تتراوح بين 4 مليارات و6.7 مليار دولار، هذه الأرقام تضع العاصفة ضمن قائمة الأحداث المناخية الأعلى كلفة في السنوات الأخيرة، خاصة أنها لم تقتصر على منطقة واحدة بل امتدت آثارها إلى نطاق جغرافي واسع.

وقد تضررت 26 ولاية أمريكية على الأقل من هذه العاصفة، مع تسجيل أكبر الأضرار في ولايات الجنوب، حيث البنية التحتية أقل استعداداً للتعامل مع موجات البرد الشديدة مقارنة بالولايات الشمالية المعتادة على الظروف الثلجية القاسية، ووسط هذه الفوضى الجوية، ألغت شركات الطيران أكثر من 11 ألف رحلة، ما تسبب في تعطيل خطط سفر مئات الآلاف من الركاب.

تعويضات فورية للمسافرين

لم يقتصر تأثير الخسائر جراء العواصف على الأرقام الإجمالية، بل تجسد أيضاً في قصص فردية لمسافرين وجدوا أنفسهم عالقين في مطارات مكتظة. في هذا السياق، دفعت شركة بلينك بارامتريك المتخصصة في حلول التعويض الفوري نحو 50 ألف دولار في صورة مدفوعات نقدية أو مزايا تشمل دخول صالات المطارات ونقاط طيران ومكافآت أخرى، تعويضاً عن الرحلات الملغاة.

ويعتمد نموذج هذا النوع من الشركات على التعويض السريع بناءً على بيانات آنية لحركة الطيران، دون الحاجة إلى إجراءات مطولة لتقديم المطالبات، هذا التطور يعكس تحولاً في صناعة التأمين نحو الاعتماد على التكنولوجيا والبيانات الضخمة لتسريع الاستجابة للأحداث الطارئة، خاصة في قطاع السفر الذي يتسم بحساسية عالية للوقت.

المطارات تحت ضغط العاصفة

المشهد في المطارات خلال تلك الأيام كان كفيلاً بإبراز حجم الأزمة.. طوابير طويلة أمام مكاتب شركات الطيران، لوحات إقلاع تملؤها إشعارات التأخير والإلغاء، وأسر بأكملها تفترش المقاعد في انتظار أي تحديث، ومع كل ساعة تمر كانت التكلفة الاقتصادية تتضخم، ليس فقط على مستوى شركات الطيران، بل أيضاً على مستوى الاقتصاد المحلي في المدن المتضررة.

فإلغاء آلاف الرحلات يعني خسائر في قطاعات الفنادق والمطاعم وخدمات النقل الأرضي، كما يضع ضغطاً إضافياً على شركات التأمين التي يتعين عليها تقييم المطالبات بسرعة مع الحفاظ على معايير التدقيق لمنع أي مطالبات غير دقيقة.

اختبار جديد لصناعة التأمين

العاصفة الأخيرة سلطت الضوء على التحديات المتزايدة التي تواجهها صناعة التأمين في ظل تزايد الظواهر المناخية المتطرفة، فمع تغير المناخ، أصبحت العواصف الشتوية أكثر شدة وأوسع نطاقاً، ما يضاعف من حجم الخسائر المحتملة ويجبر شركات التأمين على إعادة تقييم نماذج المخاطر والتسعير.

ارتفاع المطالبات بنسبة 19 بالمئة خلال أيام معدودة ليس مجرد رقم عابر، بل إشارة إلى نمط قد يتكرر مستقبلاً، ومع كل حدث مناخي كبير، تتعاظم الحاجة إلى أنظمة إنذار مبكر أكثر دقة، واستثمارات كبرى في البنية التحتية للمطارات، إلى جانب سياسات تأمين مرنة تستجيب بسرعة للمتغيرات.

الجنوب الأمريكي في قلب الأزمة

من اللافت أن أكبر الأضرار سُجلت في ولايات الجنوب الأمريكي، وهي مناطق لا تعتاد على موجات الصقيع القاسية، ما يجعل شبكات الكهرباء والطرق والمطارات أكثر عرضة للشلل عند أول اختبار حقيقي، هذا الواقع يطرح تساؤلات حول جاهزية البنية التحتية في مواجهة تقلبات مناخية متزايدة، وحول كلفة التأخر في الاستثمار الوقائي مقارنة بكلفة التعويضات اللاحقة.

في ظل هذه المعطيات، تبدو الأرقام الأولية للخسائر التي تتراوح بين 4 و6.7 مليار دولار مرشحة للارتفاع مع اكتمال عمليات التقييم، خاصة إذا أضيفت إليها الخسائر غير المؤمن عليها والتداعيات الاقتصادية غير المباشرة.

تعد العواصف الشتوية من بين أكثر الكوارث الطبيعية كلفة في أمريكا الشمالية، خصوصاً عندما تتزامن مع مواسم السفر الكثيف في شهري يناير وفبراير، يعتمد قطاع الطيران على شبكة معقدة من العمليات اللوجستية التي تتأثر بسرعة بأي اضطراب في الأحوال الجوية، وتشير بيانات سابقة إلى أن إلغاء آلاف الرحلات خلال أيام قليلة يمكن أن يرفع المطالبات التأمينية بمئات الملايين من الدولارات، خاصة مع انتشار منتجات التأمين على السفر التي توفر تعويضات فورية عند التأخير أو الإلغاء.

 كما أن توسع استخدام نماذج التعويض البارامتري التي تعتمد على مؤشرات محددة مسبقاً مثل مدة التأخير، أسهم في تسريع صرف التعويضات وزيادة الشفافية، لكنه في الوقت ذاته زاد من حساسية الشركات تجاه أي ارتفاع مفاجئ في عدد المطالبات، وفي هذا السياق، تمثل العاصفة الأخيرة اختباراً جديداً لقدرة قطاعي الطيران والتأمين على التكيف مع واقع مناخي يتسم بقدر أكبر من عدم اليقين.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية