حين يتحول تغير المناخ إلى خطر أمني.. المعلومات المضللة تهدد الأرواح في كندا
حين يتحول تغير المناخ إلى خطر أمني.. المعلومات المضللة تهدد الأرواح في كندا
لم تعد الكوارث المرتبطة بتغير المناخ في كندا تقتصر على ألسنة اللهب أو مياه الفيضانات أو موجات الجفاف المتصاعدة، بل باتت تترافق مع تهديد غير مرئي يتمثل في المعلومات المضللة التي تنتشر بسرعة وتربك الاستجابة العامة، ففي اللحظات التي يفترض أن يتجه فيها السكان إلى الاحتماء أو الإخلاء، يجد كثيرون أنفسهم عالقين بين روايات متناقضة وشائعات تشكك في صحة التحذيرات الرسمية، ما يضع الأرواح والبنية التحتية أمام مخاطر يمكن تجنبها.
ووفق ما نشرته منصة الطاقة المتخصصة، الجمعة، فإن منشورات مضللة على وسائل التواصل الاجتماعي زعمت خلال أزمات مناخية حديثة أن حرائق الغابات في كندا كانت متعمدة، وأن أوامر الإخلاء غير قانونية أو تتجاوز صلاحيات الحكومة، بل وصل الأمر إلى الادعاء بتلاعب السلطات بخرائط انتشار الدخان، وهي روايات أسهمت في تأخير استجابة بعض السكان للخطر الحقيقي.
تأثير مباشر في قرارات الإخلاء
في عدد من المجتمعات الكندية، لم يكن انتشار هذه المعلومات مجرد ضجيج رقمي عابر، بل انعكس مباشرة على قرارات مصيرية، فقد تردد بعض السكان في مغادرة منازلهم في الوقت المناسب، إما بسبب الشك في صدقية التحذيرات، أو الاعتقاد بأن الخطر مبالغ فيه أو مختلق، وعندما تتأخر عمليات الإخلاء أو تضعف درجة الالتزام بالإرشادات، تتراجع قدرة الدولة على حماية الأرواح، ويتضاعف حجم الخسائر البشرية والمادية.
تهديد يتجاوز التواصل إلى الأمن القومي
تحذر دراسات وخبراء من أن المعلومات المضللة بشأن تغير المناخ لم تعد مجرد مشكلة تواصل، بل تحولت إلى قضية تمس الأمن القومي، فأنظمة الاستجابة للطوارئ تعتمد في جوهرها على ثقة الجمهور، وعندما تتآكل هذه الثقة تنهار سلسلة الاستجابة بأكملها. ومع تزايد وتيرة حرائق الغابات والفيضانات والجفاف في كندا، بات الافتراض القائل بأن الناس يصدقون المعلومات الرسمية افتراضاً هشاً، تظهر تصدعاته مع كل أزمة جديدة.
ولا يقتصر هذا الخلل على اللحظات الحرجة فقط، بل يمتد أثره إلى السياسات المناخية طويلة الأمد. فعندما تصبح الروايات الكاذبة أكثر إقناعاً لدى قطاعات من المجتمع من الأدلة العلمية، يتراجع الدعم الشعبي للإجراءات الاستباقية، وتضعف فرص التكيف مع واقع مناخي أكثر قسوة.
كيف يدرك الناس الجفاف والمخاطر
تظهر أبحاث حديثة أن إدراك الناس للجفاف والكوارث المناخية لا يتشكل فقط بناءً على البيانات الرسمية، بل يتأثر بتجاربهم الشخصية وذكرياتهم وهوياتهم ومؤشرات اجتماعية مثل مستوى الثقة بالمؤسسات والشعور بالألفة مع المكان، وهذه التراكمات المعرفية تجعل المجتمعات عرضة لروايات مضللة، خصوصاً عندما تتناقض التحذيرات الرسمية مع ما يراه الأفراد بأعينهم أو يعتقدونه بناءً على تجارب سابقة.
وتوثق أدلة من كندا ودول أخرى كيف تؤدي المعلومات المضللة خلال الطوارئ المناخية إلى تقليل السلوكيات الوقائية، وزيادة الارتباك، وإضعاف السلطة المؤسسية، ما يفتح الباب أمام خسائر كان بالإمكان الحد منها.
استثمارات كبيرة وثغرة معلوماتية
استثمرت كندا خلال السنوات الماضية مليارات الدولارات لتعزيز قدراتها في مكافحة حرائق الغابات، وتحسين مقاومة الفيضانات، وضمان موثوقية إمدادات الطاقة، كما انضمت الحكومة الكندية مؤخراً إلى المبادرة العالمية لنزاهة المعلومات بشأن تغير المناخ، بهدف التحقيق في الأخبار الكاذبة وتعزيز قدرات الاستجابة.
ورغم أهمية هذه الخطوات، يرى خبراء أن التعامل مع المعلومات المضللة لا يزال هامشياً مقارنة بحجم التهديد، فمسؤولية إيصال الرسائل الفعالة موزعة بين قطاعات متعددة تشمل السلامة العامة والبيئة وإدارة الطوارئ والسياسة الرقمية، دون وجود جهة مركزية تتولى رصد التهديدات المعلوماتية أو التنبؤ بها أو التعامل معها أثناء الأزمات، وهذا التشتت يؤدي إلى بطء الاستجابة وضعف التنسيق وزيادة المخاطر على السلامة العامة.
سباق غير متكافئ مع وسائل التواصل
ما تزال كندا تعتمد بدرجة كبيرة على وسائل اتصال تقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والمواقع الحكومية الثابتة، في وقت تصاغ فيه المعلومات المضللة خصوصاً لبيئة وسائل التواصل الاجتماعي، فالمحتوى الكاذب غالباً ما ينتشر بسرعة كبرى بفضل شحنته العاطفية والتكرار، في حين تحتاج المعلومات الموثقة إلى وقت أطول للوصول والإقناع.
وتظهر الأبحاث أن المنصات الرقمية تميل إلى تضخيم الادعاءات المثيرة، ما يمنح الروايات الكاذبة أفضلية انتشار واضحة، وعندما تحاول الحكومات تصحيح هذه الروايات خلال الأزمات، تكون المشاعر في ذروتها، والوقت محدوداً، ما يجعل التصحيح المتأخر أقل فعالية.
الحاجة إلى بناء الثقة قبل الكارثة
يشدد مختصون على أن الثقة لا يمكن بناؤها في خضم الأزمة، بل يجب ترسيخها مسبقاً من خلال شفافية واتساق وأنظمة اتصال حديثة، ومع اقتراب موسم حرائق الغابات، تبدو الأشهر القليلة المقبلة حاسمة لتغيير النهج من التصحيح التفاعلي إلى الاستعداد الاستباقي.
ويحذر محللون من أن انتظار الأزمة الآتية لكشف نقاط الضعف ذاتها لا يعكس مرونة، بل تكرار للخطأ، فالاستعداد يتطلب خططاً واضحة للتواصل مع الجمهور، تشرح المخاطر وأنظمة الإنذار والإخلاء قبل وقوع الكوارث، وبالمنصات التي يستخدمها الناس فعلياً.
تنسيق مؤسسي وشراكات مجتمعية
يرى خبراء أن معالجة المعلومات المضللة بشأن المناخ تستدعي آلية تنسيق فعالة بين الحكومة الفيدرالية وحكومات المقاطعات، مرتبطة مباشرة بإدارة الطوارئ لا بالاتصالات السياسية، مثل هذه الآلية يمكن أن تسمح بالكشف المبكر عن أنماط المعلومات المضللة والاستجابة لها بسرعة، تماماً كما يجري رصد المخاطر المناخية والهيدرولوجية.
كما يؤكدون أهمية الشراكات مع الجهات الموثوقة محلياً، مثل قادة المجتمع والمعلمين والعاملين في المجال الصحي والمنظمات المحلية الذين غالباً ما يحظون بثقة كبرى من المؤسسات الرسمية أثناء الأزمات، وقد أظهرت تجارب حرائق الغابات الأخيرة أن الصفحات المجتمعية والمتطوعين كانوا من بين أكثر الجهات فاعلية في دحض الادعاءات الكاذبة.
معركة الوعي جزء من معركة المناخ
قد لا يكون من الممكن القضاء على كل شائعة أو معلومة مضللة، لكن تجاهل هذا البعد يهدد بجعل إدارة الطوارئ أكثر خطورة وتعقيداً، فالقدرة على مواجهة تغير المناخ لا تعتمد فقط على الجدران والسدود والطائرات، بل على مدى استعداد الناس لتصديق التحذيرات التي تهدف إلى حمايتهم.
تشهد كندا في السنوات الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في الكوارث المرتبطة بتغير المناخ، من حرائق غابات واسعة إلى فيضانات وجفاف متكرر، ما يفرض ضغطاً متزايداً على أنظمة الطوارئ والبنية التحتية. وفي هذا السياق، برزت المعلومات المضللة بوصفها عاملاً جديداً يفاقم المخاطر عبر تقويض الثقة في التحذيرات الرسمية وتأخير الاستجابة المجتمعية. ومع اعتماد متزايد على وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها مصدراً رئيساً للأخبار، باتت مواجهة هذا التحدي جزءاً لا يتجزأ من أمن كندا وسلامتها العامة على المدى الطويل.










