عمال التعدين الصينيون بين نيران الجماعات الأفغانية المسلحة وغضب السكان المحليين

عمال التعدين الصينيون بين نيران الجماعات الأفغانية المسلحة وغضب السكان المحليين
قطاع التعدين في أفغانستان

تواجه الاستثمارات الصينية في قطاع التعدين داخل أفغانستان تحديات أمنية متفاقمة، في ظل تصاعد الهجمات التي تستهدف العمال الصينيين، ما يسلط الضوء على عجز سلطة حركة طالبان عن فرض الأمن الكامل في مناطق الشمال، خاصة على الحدود مع طاجيكستان، ويكشف هذا الواقع عن معادلة معقدة تجمع بين المصالح الاقتصادية والتوترات المحلية والفراغ الأمني الذي لا يزال يهدد استقرار البلاد.

تصاعد الهجمات على العمال الصينيين

بحسب تقرير تحليلي نشرته مجلة فورين بوليسي، فإن العمال الصينيين العاملين في قطاع التعدين، ولا سيما استخراج الذهب، أصبحوا أهدافاً متكررة لهجمات تنفذها جماعات مسلحة مجهولة، وتشير البيانات إلى تسجيل 7 حوادث على الأقل منذ نوفمبر 2024 في المناطق الحدودية بين أفغانستان وطاجيكستان أسفرت عن مقتل 9 صينيين وإصابة 10 آخرين، في حين ارتبط نحو 80 في المئة من هذه الهجمات بأنشطة التعدين، وفق ما نقلته شبكة "أفغانستان إنترناشيونال" الاثنين.

اقتصاد المعادن في قلب الصراع

منذ عودة طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021، عززت الصين حضورها في قطاع التعدين بأفغانستان، مستفيدة من الفراغ الدولي والحاجة الاقتصادية الملحة لدى كابول وقد اندفع مستثمرون وعمال صينيون نحو شمال البلاد، خاصة مع ارتفاع أسعار الذهب عالمياً، ما أدى إلى توسع ملحوظ في عمليات التنقيب، بعضها قانوني بدعم رسمي، وبعضها الآخر يتم عبر ترتيبات محلية غير منظمة.

غير أن هذا التوسع لم يمر دون توترات، إذ أثارت أنشطة التعدين استياء السكان المحليين الذين يرون أن مواردهم الطبيعية يتم استغلالها دون تحقيق مكاسب مباشرة لهم، وفي مناطق مثل بدخشان وتخار، تحولت هذه التوترات إلى مواجهات ميدانية، وصلت في بعض الأحيان إلى إحراق معدات التعدين والاشتباك مع الشركات العاملة.

الحدود الملتهبة بين أفغانستان وطاجيكستان

لم تقتصر تداعيات التعدين على الداخل الأفغاني، بل امتدت إلى الحدود مع طاجيكستان، حيث أدى بعض الأنشطة إلى تغيير مجاري الأنهار الحدودية، ما أثار مخاوف سيادية لدى دوشنبه، وفي أغسطس 2025 اندلعت اشتباكات بين قوات حرس الحدود التابعة لطالبان ونظيرتها الطاجيكية، تلتها حوادث أخرى في أكتوبر أسفرت عن سقوط قتلى، بينهم عمال صينيون.

وتعكس هذه التطورات هشاشة الوضع الحدودي، في ظل تبادل الاتهامات بين الطرفين بشأن مسؤولية الهجمات. فبينما تتهم طاجيكستان جماعات إجرامية ومهربي مخدرات، تشير طالبان إلى وجود أطراف تسعى لتقويض علاقاتها الخارجية، دون تحديد واضح للجهات المنفذة.

معضلة أمنية بلا حلول واضحة

ترى الباحثة سارا غودك من معهد ستيمسون أن الصين تجد نفسها أمام خيارات صعبة.. فإما أن تضغط على سلطات طالبان في أفغانستان وسلطات طاجيكستان لتعزيز الأمن، أو توقف أنشطة التعدين، أو تتجه نحو تدخل مباشر، وهو خيار غير مرجح بسبب التزام بكين بسياسة عدم التدخل العسكري خارج حدودها.

وفي محاولة لاحتواء الأزمة أصدرت السفارات الصينية في المنطقة عدة تحذيرات لمواطنيها، كان آخرها في يناير الماضي، دعت فيه إلى مغادرة مناطق الخطر، كما نقلت بعض الشركات عمالها إلى مناطق أكثر أماناً، غير أن المشكلة الكبرى تظل في العمالة المرتبطة بالتعدين غير القانوني التي يصعب ضبطها أو إجبارها على المغادرة.

ضغوط دبلوماسية وتحركات محدودة

كثفت الصين تحركاتها الدبلوماسية، حيث طالب مسؤولوها كلاً من طالبان وطاجيكستان باتخاذ إجراءات حاسمة لحماية المواطنين والمشاريع الصينية، كما دعت في الأمم المتحدة إلى فتح تحقيقات ومحاسبة المسؤولين عن الهجمات.

ورغم إعلان تشكيل لجان أمنية مشتركة بين كابل ودوشنبه، فإن تأثير هذه الخطوات ظل محدوداً على الأرض، في ظل استمرار الهجمات وتعدد الجهات المسلحة غير الخاضعة لسيطرة كاملة من أي طرف.

تحديات السيطرة الأمنية

تكشف التطورات أن طالبان لا تملك سيطرة كاملة على جميع الجماعات المسلحة داخل أفغانستان، كما أن مفهوم مكافحة الإرهاب يختلف بين الأطراف، ما يعرقل التنسيق الأمني الفعال، وفي المقابل تواجه طاجيكستان تحديات في تأمين حدودها، وسط تقارير عن فساد داخل بعض وحدات حرس الحدود.

وقد تسعى دوشنبه إلى طلب دعم أمني خارجي، كما حدث في يناير 2025 عبر برامج إقليمية، إلا أن هذه الإجراءات تبقى محدودة التأثير طالما استمرت مصادر التهديد من الجانب الأفغاني.

مستقبل غامض للاستثمارات الصينية

تضع هذه التحديات مستقبل الاستثمارات الصينية في أفغانستان أمام اختبار صعب، فبينما تسعى بكين إلى توسيع نفوذها الاقتصادي وتعزيز مشاريع الربط الإقليمي، فإن استمرار المخاطر الأمنية قد يدفعها إلى تقليص وجودها أو إعادة تقييم استراتيجيتها.

كما أن استمرار سقوط ضحايا من المواطنين الصينيين قد يشكل ضغطاً داخلياً على الحكومة الصينية، ويؤثر في صورتها الخارجية، خاصة في ظل عجزها عن توفير الحماية الكاملة لرعاياها.

تعد أفغانستان واحدة من أغنى دول العالم بالموارد الطبيعية غير المستغلة، ومنها الذهب والنحاس والنفط، وهو ما جعلها محط اهتمام دولي، خاصة من قبل الصين التي تسعى إلى تأمين مصادر للمواد الخام ضمن استراتيجيتها الاقتصادية العالمية، وبعد انسحاب القوات الأجنبية عام 2021 وجدت بكين فرصة لتعزيز وجودها في البلاد عبر الاستثمار في التعدين والبنية التحتية، غير أن البيئة الأمنية الهشة، والانقسامات المحلية، وضعف مؤسسات الدولة، جعلت هذه الاستثمارات محفوفة بالمخاطر، كما أن التداخل بين المصالح الاقتصادية والصراعات المحلية والإقليمية، خاصة على الحدود مع طاجيكستان، يزيد من تعقيد المشهد، ويجعل تحقيق الاستقرار شرطاً أساسياً لأي مشاريع طويلة الأمد في المنطقة.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية