أمام المراجعة الأممية.. صورة مزدوجة لحقوق الإنسان في بنما
خلال الدورة 61 لمجلس حقوق الإنسان
تخضع بنما لمراجعة دورية أمام مجلس حقوق الإنسان ضمن آلية الاستعراض الدوري الشامل، في إطار الدورة الحادية والستين المنعقدة بين 23 فبراير الجاري و31 مارس المقبل.
ويعرض التقرير الأممي خلاصة جلسة الاستعراض التي عُقدت في نوفمبر 2025، مسلطا الضوء على ما أحرزته الدولة من تقدم، مقابل حزمة توصيات تدعو إلى تعميق الإصلاحات وتعزيز الضمانات الحقوقية.
بدوره، أكد وفد بنما التزامه بالديمقراطية وبالمنظومة متعددة الأطراف لحماية حقوق الإنسان، مشيرا إلى اعتماد حزمة قوانين وسياسات عامة لمكافحة التمييز وتعزيز المساواة.
ومن بين الخطوات البارزة إقرار بروتوكولات قضائية تراعي المنظور الجنساني، وإطلاق سياسات تستهدف الحد من الفقر وعدم المساواة استنادا إلى مؤشرات الفقر متعدد الأبعاد.
وفي ما يتعلق بالشعوب الأصلية، تم إضفاء الطابع المؤسسي على خطة تنمية شاملة تضمن مشاركة السلطات التقليدية في صنع القرار، بما يعزز الحق في المشاركة وعدم التهميش.
كما قدمت بنما تقريرها الوطني بشأن أهداف التنمية المستدامة، واعتمدت سياسات للإدارة البيئية، مع التقدم في تنفيذ اتفاق إقليمي يكرس الحق في الوصول إلى المعلومات والمشاركة العامة والعدالة في القضايا البيئية.
وعلى صعيد النزاهة، أقرت تشريعات لتنظيم تضارب المصالح في الخدمة العامة وتعزيز الشفافية والمساءلة، أما في قطاع العدالة الجنائية فأشارت الحكومة إلى انخفاض معدلات جرائم القتل، وإطلاق برامج لإعادة تأهيل السجناء بهدف تقليل الاكتظاظ ودعم إعادة الإدماج المجتمعي.
الفئات الأكثر عرضة
وأبرز التقرير خطوات لتعزيز حماية الأطفال عبر إنشاء نظام وطني شامل لحماية حقوق الطفل، وآليات قضائية متخصصة، إلى جانب تطوير نظام إنذار مبكر للبحث عن الأطفال المفقودين.
كما أنشئ نظام وطني للرعاية يهدف إلى حماية كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة وتعزيز إمكانية الوصول والمساواة في سوق العمل.
وفي مجال مكافحة الاتجار بالأشخاص، تم تحديث الإطار القانوني لتجريم الجريمة وتعزيز آليات حماية الضحايا.
كما توسعت خدمات الصحة النفسية والرعاية المشتركة بين الثقافات، واعتمدت خطط للصحة الجنسية والإنجابية والحد من وفيات الأمهات.
وفي قطاع التعليم، جرى توسيع برامج الرقمنة والربط بالإنترنت في المناطق الريفية، وتعزيز التعليم الثنائي اللغة في المجتمعات الأصلية، إلى جانب دعم إدماج الطلبة ذوي الإعاقة، كما اعتمدت الدولة خططا للحد من مخاطر الكوارث وتعزيز القدرة على الصمود البيئي حتى عام 2030.
إشادات وملاحظات نقدية
وشهدت الجلسة مداخلات من 89 دولة، رحبت العديد منها بالتقدم المحرز في مكافحة الفقر، وتمكين المرأة عبر إنشاء وزارة مختصة، وتعزيز الشفافية، وحماية الأطفال، والاعتراف بحقوق الأشخاص المنتمين إلى مجتمع الميم، كما أشيد بإدماج حقوق الإنسان في خطط التنمية، وتوسيع برامج التحويلات النقدية للفئات الأكثر احتياجا.
في المقابل، دعت بعض الدول إلى تعزيز استقلال القضاء، ومكافحة الفساد بفاعلية أكبر، والحد من اكتظاظ السجون، وضمان احترام المعايير الدولية في أماكن الاحتجاز.
كما طُرحت تساؤلات حول الاعتراف القانوني بالهوية الجنسانية، وحماية المهاجرين واللاجئين، وتعزيز تدابير منع الاستخدام المفرط للقوة أثناء إنفاذ القانون.
توصيات لتعميق الإصلاح
وخلص التقرير إلى أن بنما ستنظر في جملة توصيات وتقدم ردودها قبل نهاية الدورة الحالية، ومن أبرزها التصديق على الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم، واتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 169 بشأن الشعوب الأصلية والقبلية، والبروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
كما أوصت دول باعتماد خطة عمل وطنية شاملة لحقوق الإنسان، وتعزيز الآلية الوطنية لتنفيذ التوصيات ورصدها، وسن تشريع شامل لمكافحة جميع أشكال التمييز يضمن الحماية المتساوية للفئات الضعيفة، بما في ذلك على أساس الميل الجنسي والهوية الجنسانية.
وشملت التوصيات أيضا عدم خضوع جريمة التعذيب للتقادم، وتحسين ظروف الاحتجاز بما يتماشى مع المعايير الدولية، ومنع الاستخدام المفرط للقوة، وتعزيز مكافحة الاتجار بالبشر، ودعم استقلال القضاء وتسريع إجراءات مكافحة الفساد واسترداد الأموال غير المشروعة.
وإجمالا تعكس المراجعة صورة مزدوجة عن بنما، إذ تشير إلى وجود تقدم ملموس في البناء التشريعي والمؤسسي، لكن يقابله طلب أممي واضح بمزيد من الضمانات لضمان التنفيذ الفعلي، وسد الفجوات في المساءلة، وتعزيز المساواة وعدم التمييز.
ويظل التحدي أمام بنما هو تحويل الإصلاحات القانونية إلى أثر ملموس في حياة الأفراد، بما يرسخ ثقافة حقوق الإنسان، ويعزز الثقة في مؤسسات العدالة، وسيادة القانون.










