"الهواء المسموم" يصل قاعات مجلس حقوق الإنسان في دورته 61 المنعقدة بجنيف

8 ملايين وفاة مبكرة سنوياً

"الهواء المسموم" يصل قاعات مجلس حقوق الإنسان في دورته 61 المنعقدة بجنيف
مجلس حقوق الإنسان - أرشيف

في وقت بات فيه الهواء الذي نتنفسه محملاً بما لا يُرى من أخطار، يناقش مجلس حقوق الإنسان في دورته الحادية والستين (23 فبراير – 31 مارس) تقرير المقررة الخاصة المعنية بالحق في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة "أستريد بوينتس ريانو".

التقرير يضع حق الإنسان في تنفس هواء نقي في صدارة النقاش الأممي، ويعيد التأكيد أن الهواء ليس ترفاً بيئياً، بل حق أساسي يرتبط بالحياة والكرامة والصحة.

في 27 صفحة يرسم التقرير صورة قاتمة لنحو 8 ملايين وفاة مبكرة سنوياً تُعزى إلى تلوث الهواء، الغالبية الساحقة منها -نحو 83 بالمئة- ترتبط بأمراض مزمنة، في مقدمتها أمراض القلب والأوعية الدموية والجهاز التنفسي والسرطان.

لكن الأثر لا يقف عند هذا الحد؛ فالتعرض المزمن للهواء الملوث يمتد إلى كل أجهزة الجسد، مفاقماً مخاطر الإجهاض، والاضطرابات التناسلية والخرف والاكتئاب وتأخر النمو لدى الأطفال.

الهواء النقي حق إنساني

ورغم أن الهواء النقي حق إنساني معترف به، فإن معظم البشر لا يتمتعون به، كما يورد التقرير؛ فالأسباب عادة ما تكون نتاج خيارات وسياسات، حيث تُمنح الأولوية للنمو الاقتصادي غير المستدام، والتوسع الصناعي الذي يعتمد على الوقود الأحفوري، والتخطيط الحضري المختل، والاعتماد الواسع على الوقود الحيوي الملوث في الطهي والتدفئة، إلى جانب ممارسات زراعية وصناعية تفتقر إلى الاستدامة.

وتتوزع أعباء التلوث بصورة غير عادلة، نحو 2.5 مليار شخص يتعرضون لتركيزات خطرة من الجسيمات الدقيقة، خصوصاً في بلدان الجنوب العالمي، فأكثر من 90 بالمئة من الوفيات المرتبطة بتلوث الهواء الخارجي تعود لهذه الجسيمات.

وتسجل مناطق في شمال إفريقيا والشرق الأوسط وشرق وجنوب شرق آسيا مستويات مرتفعة من أكاسيد النيتروجين، في حين تستمر بؤر ثاني أكسيد الكبريت قرب مراكز صناعية كبرى في دول عدة.

أما التعرض لأول أكسيد الكربون، فيبقى مرتفعاً حيث يُستخدم الوقود الحيوي على نطاق واسع، خصوصاً في إفريقيا جنوب الصحراء.

ويتعاظم القلق مع استمرار الاعتماد العالمي على الفحم، ففي عام 2024 بلغ الطلب العالمي عليه 8.8 مليارات طن متري، ووفر أكثر من ثلث الكهرباء في العالم، رغم تعهدات التخلص التدريجي منه.

مبادرات الهواء النظيف

في المقابل يظل تمويل مبادرات الهواء النظيف هامشياً، إذ لم يتجاوز واحداً بالمئة من إجمالي المساعدة الإنمائية، في حين ارتفع تمويل مشاريع الوقود الأحفوري بصورة ملحوظة، وهكذا تستمر أنماط استخراج تضر بالمجتمعات المهمشة، مدفوعة بطلب ورؤوس أموال عابرة للحدود.

ويدفع الأطفال الثمن الأشد فداحة، ففي عام 2021 توفي أكثر من 700 ألف طفل دون الخامسة لأسباب مرتبطة بتلوث الهواء، بمعدل يقارب ألفي طفل يومياً، وأكثر من 70 بالمئة من هذه الوفيات ارتبط بتلوث الهواء داخل المنازل نتيجة الطهي بوقود ملوث، خصوصاً في إفريقيا وجنوب آسيا.

وكبار السن ليسوا بمنأى؛ إذ تشير دراسات إلى ارتباط التعرض لملوثات معينة بزيادة مخاطر الخرف والوفاة المبكرة، وغالباً ما يعيش الفقراء في مناطق أشد تلوثاً وأكثر تعرضاً لتداعيات المناخ.

كما يتقاطع تلوث الهواء مع أزمة المناخ، فمواسم الحرائق القياسية التي تفاقمت مع ارتفاع درجات الحرارة أدت إلى تدهور حاد في نوعية الهواء في قارات عدة، متسببة في آلاف الوفيات وتجاوزات خطرة لمستويات الجسيمات الدقيقة.

اتخاذ إجراءات وقائية

أمام هذه الوقائع، يخلص التقرير إلى أن الأثر الخطير لتلوث الهواء في حقوق الإنسان لم يعد محل جدل علمي، إذ يؤكد ضرورة اتخاذ إجراءات وقائية وتصحيحية عاجلة، قصيرة وطويلة الأمد، لمعالجة المصادر المحلية والعابرة للحدود.

ويدعو الدول إلى اعتماد نهج قائم على صحة الإنسان في سياسات وقوانين نوعية الهواء، مع الاعتراف بالمخاطر الجسيمة المثبتة علمياً، ووضع وتنفيذ خطط عمل فعالة تشمل أنظمة إنذار مبكر وبروتوكولات واضحة عند بلوغ مستويات خطرة، مع أولوية لحماية الفئات الأشد ضعفاً.

ويوصي أيضاً بتحديد حدود انبعاثات صارمة لكل ملوث ومنشأة، ومنع تراكم الأعباء في المجتمعات المثقلة بالتلوث، وعدم الترخيص لمنشآت ملوثة جديدة فيها إلا بشروط استثنائية مشددة، إلى جانب توفير رصد شامل ومستمر لنوعية الهواء على مدار العام، ولا سيما قرب المواقع الصناعية والموانئ وطرق النقل الرئيسية.

ويشدد التقرير على دور الحكومات المحلية والإقليمية في قيادة التحول نحو هواء أنظف بوصفه استثماراً في الصحة والعدالة والكرامة الإنسانية.

 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية