مجلس حقوق الإنسان يرصد كيف تحولت سنغافورة إلى نموذج عالمي للحق في بيئة صحية
بين رهانات الاستدامة واختبار الحقوق..
يناقش مجلس حقوق الإنسان في دورته الحادية والستين تقرير المقررة الخاصة المعنية بحق الإنسان في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة، أستريد بوينتس ريانيو، حول تجربة سنغافورة بوصفها دولة محدودة الأرض والموارد، سعت إلى تحويل الهشاشة الجغرافية إلى محفز للابتكار البيئي.
ويعرض التقرير في عشرين صفحة حصيلة زيارة رسمية أُجريت في مايو 2025 لتقييم إعمال الحق في بيئة صحية، ورصد الممارسات الفضلى والتحديات القائمة.
ومنذ استقلالها عام 1965 أولت سنغافورة أولوية قصوى للإدارة الرشيدة لمواردها الطبيعية المحدودة، وقد تحولت خلال 6 عقود من ميناء تجاري يعاني البطالة إلى اقتصاد متقدم مرتفع الدخل، يحتل مرتبة متقدمة عالمياً في نصيب الفرد من الناتج المحلي وتنمية رأس المال البشري.
غير أن هذا النجاح الاقتصادي ترافق مع إدراك مبكر لتهديدات وجودية والتي تتمثل في تغير المناخ، وندرة المياه، وأمن الطاقة، والاعتماد الكثيف على استيراد الغذاء.
ويشير التقرير إلى أن الدولة طورت استراتيجيات متكاملة لتعزيز كفاءة استخدام المياه والطاقة، والتخفيف من الانبعاثات، والتكيف مع آثار المناخ، ضمن سياق "الأزمة الكوكبية الثلاثية"، والتي تتمثل في تغير المناخ، وفقدان التنوع البيولوجي، والتلوث السام.
الرفاه والحدود البيئية
رغم أن إسهاماتها لا تجاوز 0.1% من الانبعاثات العالمية، فإن بصمتها الكربونية للفرد والانبعاثات المرتبطة بالاستهلاك تظل مرتفعة نسبياً، ما يفتح نقاشاً حول التحول من منطق النمو غير المحدود إلى نموذج يضع الرفاه والحدود البيئية في صلب السياسات العامة.
وصادقت سنغافورة على أربع من الاتفاقيات الأساسية لحقوق الإنسان، وانخرطت بفعالية في المنظومة البيئية متعددة الأطراف، منها اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ واتفاقية باريس، فضلاً عن اتفاقيات إدارة النفايات والمواد الكيميائية، كما أسهمت تاريخياً في صياغة اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وصادقت مؤخراً على اتفاق حفظ التنوع البيولوجي البحري في أعالي البحار.
داخلياً، لا ينص الدستور صراحة على الحق في بيئة صحية، وتؤكد الحكومة أن الإدارة البيئية الفعالة تتحقق عبر منظومة تنظيمية دقيقة.
وقد سنت تشريعات متخصصة لمكافحة التلوث، وتسعير الكربون، وإدارة الموارد، مع آليات رقابة وتفتيش منتظمة، غير أن التقرير يدعو إلى إدماج صريح للنهج القائم على حقوق الإنسان والنظم الإيكولوجية في التخطيط الوطني، ما يعزز الاتساق بين الرؤية التقنية والالتزامات الحقوقية.
الخطة الخضراء 2030
وتتبنى سنغافورة تخطيطاً طويل الأجل يمتد لخمسين عاماً تُراجع خططه دورياً، وفي 2021 أطلقت "الخطة الخضراء 2030" لتسريع الانتقال نحو الحياد الكربوني وتعزيز القدرة على الصمود.
لكن المقررة الخاصة تشير إلى ضرورة مواءمة وثقى بين الخطط بعيدة ومتوسطة الأجل، وضمان إدراج جميع الأهداف البيئية والمناخية في إطار موحد يحمي حقوق الأجيال الحالية والمقبلة.
كما شددت على أهمية تقييمات الأثر البيئي المبكرة والشاملة، وفق مبادئ الحيطة والوقاية والتناسب وأفضل العلوم المتاحة، مع ضمان الوصول إلى المعلومات والمشاركة العامة والعدالة البيئية، وإيلاء عناية خاصة للفئات الهشة.
وتغطي شبكة وطنية من محطات الرصد ستة ملوثات رئيسية، وقد حققت الدولة تقدماً في بعض المؤشرات، في حين لا تزال الجسيمات الدقيقة والأوزون تمثل تحديًا، كما يتأثر الهواء أحياناً بضباب عابر للحدود ناتج عن حرائق إقليمية، ما يبرز البعد العابر للحدود للحق في هواء نقي.
أما تغير المناخ فيمثل تهديداً وجودياً لمدينة / دولة منخفضة الارتفاع؛ إذ يتوقع ارتفاع مستوى البحر بنحو متر أو أكثر بحلول نهاية القرن، مع تزايد موجات الحر والأمطار الغزيرة.
ويحذر التقرير من آثار غير متناسبة في النساء والأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة وذوي الدخل المحدود، ما يمس حقوق الحياة والصحة والسكن والماء والغذاء.
مخاطر اضطرابات الإمداد
تعتمد سنغافورة على استيراد أكثر من 90% من غذائها، ما يعرضها لمخاطر اضطرابات الإمداد، وقد حددت هدف إنتاج 30% محلياً بحلول 2030، إلا أن الإنتاج انخفض مؤخراً لأسباب هيكلية.
ويوصي التقرير بتعزيز سلاسل إمداد مستدامة، والحد من هدر الغذاء المرتفع، وضمان ألا تسهم الواردات في إزالة الغابات أو انتهاكات بيئية خارج الحدود.
في المقابل، حققت تغطية شبه كاملة للمياه والصرف الصحي عبر مزيج من الاستيراد والتحلية وإعادة التدوير وجمع مياه الأمطار، ويُعد تسعير المياه أداة لإدارة الطلب، مع دعوة لتعزيز الكفاءة في القطاعات كثيفة الاستهلاك، ومنها التقنيات الرقمية ومراكز البيانات.
ويخلص التقرير إلى أن تجربة سنغافورة تُظهر قدرة الدولة الصغيرة على الابتكار البيئي، لكنها تحتاج إلى اعتراف صريح بالحق في بيئة صحية ضمن إطارها القانوني، وتعميم النهج الحقوقي في التخطيط، وتعزيز المشاركة والشفافية. فحماية البيئة ليست خياراً تقنياً فحسب، بل التزام قانوني وأخلاقي يضمن كرامة الإنسان واستدامة الأجيال.










