للتوازن بين الأمن والحقوق.. تحديث تعريف "الإرهاب" على طاولة مجلس حقوق الإنسان

أمام الدورة 61 لمجلس حقوق الإنسان

للتوازن بين الأمن والحقوق.. تحديث تعريف "الإرهاب" على طاولة مجلس حقوق الإنسان
مجلس حقوق الإنسان - أرشيف

يناقش مجلس حقوق الإنسان في دورته الحادية والستين تقرير المقرر الخاص المعني بتعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية في سياق مكافحة الإرهاب، بن سول، والذي يقدم مراجعة مُحدثة للتعريف النموذجي للإرهاب الصادر عام 2010. 

وتبدو هذه الخطوة تقنية في ظاهرها، لكنها في جوهرها محاولة لإعادة ضبط البوصلة بين ضرورات الأمن وضمانات الحقوق، في عالم لا يزال يفتقر إلى تعريف دولي متفق عليه للإرهاب.

والتقرير الواقع في 25 صفحة يستند إلى حصيلة واسعة من الأنشطة، بينها زيارة قطرية إلى الصومال، وتوجيه 151 رسالة إلى دول وجهات فاعلة، وإصدار 105 بيانات خلال أكثر من 80 فعالية، فضلاً عن مداخلات أمام هيئات قضائية دولية ووطنية.

وتأتي تلك الجهود في سياق إخفاق امتد قرابة قرن في التوصل إلى تعريف جامع، في حين لا تزال المفاوضات بشأن الاتفاقية الشاملة حول الإرهاب الدولي متعثرة منذ أكثر من 25 عاماً.

تكلفة حقوقية باهظة

ويشير التقرير إلى أن غياب تعريف دولي واضح دفع العديد من الدول إلى تبني تعريفات وطنية متباينة، اتسم بعضها بالغموض والاتساع المفرط، وقد ترتب على ذلك، في العديد من الحالات، وقوع انتهاكات لحقوق الإنسان تمثلت في تجريم سلوكيات لا ترقى إلى مستوى الإرهاب، وتوسيع سلطات الشرطة وأجهزة الاستخبارات، وإدراج أفراد ومنظمات على قوائم الإرهاب، وفرض عقوبات مالية دون ضمانات كافية.

وتحمل المجتمع المدني تكلفة باهظة لهذا الاتساع، إذ طالت التدابير المقيدة مدافعين عن حقوق الإنسان، وصحفيين، ومعارضين سياسيين، وأقليات، وشعوباً أصلية، وعاملين في المجال الإنساني، وقضاة، ومحامين.

ومن هنا يؤكد المقرر الخاص أن وضع تعريف مشترك ودقيق للإرهاب ليس ترفاً قانونياً، بل ضرورة معيارية لحماية الحقوق من العنف الإرهابي ومن إساءة استخدام قوانين مكافحته على السواء.

نحو تعريف منضبط

يقترح التقرير حصر الإرهاب في أفعال إجرامية جسيمة تتسبب عمداً في الوفاة أو الإصابة الجسدية الخطيرة أو أخذ الرهائن، كما يُبدي تحفظاً إزاء التوسع في إدراج "الأذى العقلي" إذا لم يقترن بعنف فعلي، محذراً من أن تجريم التهديدات دون فعل مادي قد يفضي إلى مسؤولية مفرطة.

كما يتناول عنصر "تعريض حياة الإنسان للخطر"، موضحاً أن مجرد استخدام المتفجرات أو الأنشطة المرتبطة بها لا يكفي لاعتبار الفعل إرهابياً ما لم يقترن بقصد إحداث وفاة أو إصابة خطيرة، وفيما يتعلق بالإضرار بالممتلكات، يشدد التقرير على ضرورة اشتراط "تدمير واسع النطاق" مقصود، يترتب عليه خطر جسيم على الحياة أو خسارة اقتصادية كبيرة، مع مراعاة خصوصية الممتلكات الثقافية ذات القيمة الوطنية أو الدولية.

ويرفض التقرير التعريفات التي تكتفي بالإشارة إلى خسارة اقتصادية كبيرة دون اشتراط التدمير الواسع النطاق، معتبراً إياها "فضفاضة"، كما يدعو إلى تجنب إدراج سلوكيات غامضة مثل "عرقلة المرور" ضمن أفعال الإرهاب.

أما الركن المعنوي، فيؤكد التقرير ضرورة توافر نية واضحة لارتكاب الفعل الإرهابي، واستبعاد المعايير الدنيا مثل الإهمال أو الاستهتار بالمخاطر، مشيراً إلى أن الغرض من الفعل يجب أن يكون، بحكم طبيعته أو سياقه، إثارة حالة من الرعب بين الجمهور أو إرغام حكومة أو منظمة دولية على القيام بعمل أو الامتناع عنه دون مسوغ.

الحدود الفاصلة

يشدد التقرير على أن التزامات مكافحة الإرهاب لا تعفي الدول من احترام القانون الدولي، ومن ذلك حظر استخدام القوة والتدخل الأجنبي أو دعم جماعات ترتكب أعمالاً إرهابية.

كما يوضح أن حصر تعريف الإرهاب في الأفعال الأشد جسامة لا يمنع الدول من تجريم أفعال أقل خطورة بموجب قوانينها العامة، أو اتخاذ تدابير وقائية، شريطة احترام الضمانات الحقوقية.

وأوصى التقرير باعتماد التعريف النموذجي المُحدث الذي ينص على أن الجريمة الإرهابية تتحقق إذا ارتكب شخص عمداً عملاً إجرامياً جسيماً يتسبب في الوفاة أو الإصابة الجسدية الخطيرة أو أخذ الرهائن، أو في تدمير واسع النطاق لأماكن عامة أو مرافق حيوية يعرّض الحياة لخطر جسيم أو يفضي إلى خسارة اقتصادية كبيرة، وكان الغرض من السلوك إثارة الرعب بين الجمهور أو إرغام حكومة أو منظمة دولية على القيام بعمل دون مسوغ.

كما دعا صراحة إلى استبعاد أعمال الاحتجاج التي لا تتسبب في الوفاة أو الإصابة الجسدية الخطيرة من نطاق تعريف الإرهاب، ضماناً لعدم تجريم حرية التعبير والتجمع السلمي.

وفي المحصلة، يضع التقرير المجتمع الدولي أمام اختبار دقيق، يتمثل في صياغة تعريف يواجه العنف الإرهابي بصرامة، من دون أن يتحول إلى أداة تُقوض الحقوق التي يُفترض أن يحميها.

 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية