تغير المناخ يدق ناقوس الخطر العالمي.. وخبراء يطالبون بتحرك عاجل لتفادي الكارثة
تغير المناخ يدق ناقوس الخطر العالمي.. وخبراء يطالبون بتحرك عاجل لتفادي الكارثة
في ظل تسارع وتيرة الكوارث البيئية حول العالم، تتصاعد التحذيرات من أن البشرية تقترب من نقطة تحول خطيرة قد يصعب التراجع عنها، ويرى خبراء دوليون أن غياب تقييم عالمي شامل للمخاطر المناخية يضع الحكومات والمجتمعات أمام قرارات غير دقيقة، قد تؤدي إلى تفاقم الأزمات بدلا من احتوائها، وهو ما يعكس أزمة عميقة في طريقة إدارة هذا الملف الحيوي.
ووفقا لما نشرته المجلة العلمية “Nature”، فإن مجموعة من العلماء والخبراء الدوليين أكدت أن العالم لا يزال يفتقر إلى تقييم موثوق ومحدث لمخاطر تغير المناخ، رغم تزايد الأدلة العلمية التي تشير إلى أن الكوكب يتجه نحو أضرار بيئية جسيمة قد تكون غير قابلة للإصلاح، ويرى هؤلاء أن هذا النقص في التقييم يحد من قدرة صناع القرار على إدراك حجم التهديد الحقيقي واتخاذ إجراءات فعالة في الوقت المناسب، وفق ما أوردته شبكة "يورونيوز" الجمعة.
أزمة تقييم الغياب المنهجي
يشير الخبراء إلى أن العالم لم يشهد حتى الآن أي تقييم عالمي منسق ومدعوم بتفويض رسمي للمخاطر المناخية، وهو ما يخلق فجوة خطيرة في فهم التحديات البيئية، وهذه الفجوة قد تدفع الحكومات إلى التقليل من حجم المخاطر أو سوء ترتيب أولوياتها، بما يؤدي إلى تخصيص موارد بشكل غير فعال أو اعتماد سياسات لا تتناسب مع حجم الأزمة.
ويؤكد الباحثون أن غياب هذا التقييم لا يؤثر فقط على السياسات الكبرى، بل يمتد أيضا إلى وعي المجتمعات، حيث يصبح المواطنون أقل إدراكا لمدى خطورة التغيرات المناخية، ما يضعف من فرص المشاركة المجتمعية في مواجهة هذه التحديات.
أدلة ميدانية على تصاعد الكارثة
لم تعد آثار تغير المناخ مجرد توقعات نظرية، بل أصبحت واقعا ملموسا في مختلف مناطق العالم، ففي أوروبا، شهد صيف 2024 موجات حر غير مسبوقة أدت إلى وفاة 24400 شخص، تبين أن 68 في المئة من هذه الحالات مرتبطة بشكل مباشر بتغير المناخ، بحسب دراسة أجراها باحثون في مؤسسات علمية مرموقة.
كما أدت هذه الموجات الحارة إلى اندلاع حرائق غابات واسعة النطاق، خاصة في إسبانيا، حيث التهمت النيران أكثر من 380000 هكتار من الأراضي، في مشهد يعكس حجم الخسائر البيئية والبشرية التي باتت تتكرر بوتيرة متزايدة.
وفي آسيا، ساهمت زيادة الرطوبة في الغلاف الجوي نتيجة ارتفاع درجات الحرارة في تغذية العواصف المدارية، ما أدى إلى فيضانات مدمرة وخسائر واسعة النطاق، مؤكدة أن تداعيات الأزمة المناخية لا تقتصر على منطقة دون أخرى، بل تمتد لتشمل العالم بأسره.
قصور الاستجابة السياسية
رغم وضوح المؤشرات العلمية، يرى الخبراء أن الاستجابة السياسية لا تزال دون المستوى المطلوب، فالتعامل مع ارتفاع مستوى سطح البحر، على سبيل المثال، يقتصر في كثير من الأحيان على تعزيز الحواجز البحرية، في حين أن بعض المدن الكبرى قد تواجه خطر التخلي عن أجزاء منها بالكامل إذا استمرت الانبعاثات في الارتفاع.
كما يحذر العلماء من أن موجات الحر المستقبلية قد تتجاوز حدود قدرة الإنسان على التحمل، ما قد يؤدي إلى سقوط عشرات الآلاف من الضحايا في مناطق محددة خلال فترات زمنية قصيرة، وهو سيناريو لا تزال معظم الحكومات غير مستعدة له.
أهمية التقييم العالمي للمخاطر
يرى الخبراء أن إعداد تقييم عالمي شامل للمخاطر المناخية يمكن أن يمثل نقطة تحول في التعامل مع الأزمة. فهذا التقييم من شأنه أن يوفر رؤية دقيقة وشاملة حول طبيعة المخاطر واحتمالات تطورها، ما يساعد صناع القرار على وضع استراتيجيات أكثر فعالية وواقعية.
كما يمكن لهذا التقييم أن يعزز من وعي المجتمعات بحجم التحديات، ويشجع على اتخاذ إجراءات عاجلة للحد من الانبعاثات، بدلا من الاكتفاء بردود فعل متأخرة على الكوارث بعد وقوعها.
تحديات التنفيذ والتنسيق الدولي
ورغم أهمية هذا التقييم، فإن تنفيذه يواجه عدة تحديات، من بينها تعقيد علم المناخ وتباين تأثيراته من منطقة إلى أخرى، إضافة إلى الحاجة لتعاون دولي واسع يشمل تبادل البيانات والخبرات.
كما تلعب العوامل السياسية والاقتصادية دورا في إبطاء الجهود، حيث قد تتردد بعض الدول في الالتزام بإطار دولي موحد، خاصة إذا كان ذلك يتطلب تغييرات جذرية في سياساتها الاقتصادية أو البيئية.
نافذة أمل لا تزال مفتوحة
رغم الصورة القاتمة، يؤكد العلماء أن الفرصة لا تزال قائمة لتجنب أسوأ السيناريوهات، ويشددون على أن التحرك السريع والمنسق يمكن أن يحد من الأضرار ويضع العالم على مسار أكثر استدامة.
ويؤكد الخبراء أن إعداد تقييم عالمي شفاف ومفوض دوليا للمخاطر المناخية بات ضرورة ملحة، ليس فقط لفهم حجم الأزمة، بل أيضا لتحديد الفرص المتاحة لتفاديها.
ويرون أن اللحظة الحالية تمثل نقطة حاسمة، حيث يمكن للقرارات التي تتخذ اليوم أن تحدد شكل الحياة على كوكب الأرض لعقود قادمة.
يعد تغير المناخ أحد أبرز التحديات التي تواجه العالم في القرن 21، نتيجة تراكم انبعاثات الغازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون والميثان منذ الثورة الصناعية، وقد أدى ذلك إلى ارتفاع متوسط درجات الحرارة العالمية بنحو 1.1 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الصناعة حتى عام 2024، وتسعى الجهود الدولية، من خلال اتفاقيات مثل اتفاق باريس للمناخ، إلى الحد من هذا الارتفاع عند 1.5 درجة مئوية لتجنب الآثار الأكثر خطورة، إلا أن التقارير العلمية تشير إلى أن العالم لا يزال بعيدا عن تحقيق هذا الهدف، ما يجعل الحاجة إلى تقييم دقيق وشامل للمخاطر المناخية أمرا أساسيا لتوجيه السياسات وضمان مستقبل أكثر أمنا واستدامة للبشرية.










