مخاوف من حسابات خاطئة.. تحذيرات من كارثة إشعاعية مع اتساع الحرب بالشرق الأوسط
مخاوف من حسابات خاطئة.. تحذيرات من كارثة إشعاعية مع اتساع الحرب بالشرق الأوسط
تتصاعد التحذيرات من كارثة إشعاعية محتملة مع اتساع الحرب في الشرق الأوسط، في ظل مخاوف من اقتراب العمليات العسكرية من منشآت نووية حساسة في إيران، وتزايد احتمال “الخطأ الحسابي” الذي قد يحوّل نزاعًا عسكريًا إلى أزمة صحة عامة عابرة للحدود.
وحذّر المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، اليوم الاثنين، من أن التصعيد العسكري قرب مواقع نووية يرفع مستوى المخاطر، حتى عندما لا تُسجل مؤشرات فورية على تسرب إشعاعي، مشددًا على أن الهجمات على أو قرب المنشآت النووية يمكن أن تُفضي إلى تلوث إشعاعي واسع النطاق لا يقتصر على دولة واحدة.
وأشار غروسي إلى أن الوكالة “لا تملك حتى الآن مؤشرات” على تضرر مواقع نووية إيرانية نتيجة الضربات الأخيرة، بينما اتهم ممثل إيران لدى الوكالة الولايات المتحدة وإسرائيل باستهداف منشأة “نطنز” للتخصيب، في روايتين متعارضتين تعكسان صعوبة التحقق في زمن الحرب وتعطل قنوات الاتصال، بحسب ما ذكرت وكالة الأنباء الألمانية.
أوضح متحدثون باسم الوكالة أن الوضع الإشعاعي في المنطقة “مستقر” حتى الآن، وأنه “لا توجد أدلة” على تأثيرات إشعاعية راهنة، لكنهم في الوقت ذاته دعوا إلى أقصى درجات ضبط النفس لتفادي مخاطر نووية على السكان.
ماذا يعني التسرب الإشعاعي؟
يفترض خبراء السلامة النووية أن الخطر لا يقتصر على “ضربة مباشرة” لمنشأة، بل يمتد إلى سيناريوهات أقل وضوحًا: أضرار في أنظمة الطاقة والتبريد، تعطّل سلاسل الإمداد والصيانة، هجمات تُصيب بنى مساندة (مخازن، خطوط كهرباء، مراكز تحكم)، أو حتى ارتباك إداري يمنع الاستجابة السريعة.
وفي مثل هذه السياقات، يصبح السكان المدنيون أول المتأثرين: عبر تلوث الهواء أو المياه، أو الحاجة إلى إخلاءات عاجلة، أو الضغط على المستشفيات في وقت تنهار فيه الخدمات بسبب الحرب.
ويرتبط البعد الإنساني هنا بفكرة “الزمن”: فالتأخر ساعات في القياس والإبلاغ وإجراءات الحماية قد يغيّر النتائج جذريًا، كما أن الشفافية تصبح مسألة حياة أو موت، ولهذا شددت الوكالة على أن قنوات التواصل مع الجهات التنظيمية النووية “لا غنى عنها”، وأقرت بوجود صعوبات في الاتصال مع السلطات المعنية في إيران وسط التصعيد.
ويتضاعف العبء على الفئات الأكثر هشاشة: الأطفال، والحوامل، وكبار السن، وذوو الأمراض المزمنة، لأن أي اضطراب إشعاعي محتمل يفرض احتياطات صحية وغذائية وتنقلية قد لا تكون متاحة للنازحين أو الفقراء أو من يعيشون في مناطق مكتظة، ما يخلق فجوة نجاة داخل المجتمع الواحد.
ميثاق الأمم المتحدة
أدان مسؤولون أمميون الضربات العسكرية المتبادلة، وذكّروا بأن ميثاق الأمم المتحدة يحظر استخدام القوة ضد سلامة أراضي الدول أو استقلالها السياسي، داعين إلى احترام القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني في كل الأحوال.
ووسّع هذا الموقف الأممي دائرة القلق من “سلسلة تفاعلات خطرة” قد تمتد إلى دول أخرى، بما في ذلك عبر تعطيل الطيران المدني والملاحة البحرية والبنى الحيوية، وهي عوامل تُحوّل النزاع إلى أزمة إنسانية واقتصادية إقليمية حتى قبل الحديث عن أي تسرب إشعاعي.
ويبرز في هذا السياق سؤال حول المساءلة: إذ إن استهداف منشآت نووية (أو العمل العسكري الذي يعرّضها للخطر) يضع الأطراف أمام معايير صارمة تتعلق بواجب الاحتياطات والتمييز والتناسب، لأن أي خطأ قد يُحدث ضررًا طويل الأمد يتجاوز ساحة المعركة إلى أجيال لاحقة.
ما الذي يجري لتقليل المخاطر؟
فعّلت الوكالة الدولية للطاقة الذرية آليات الطوارئ لديها لمتابعة التطورات عبر “مركز الحوادث والطوارئ”، وأكدت أنها على اتصال بدول المنطقة وتنسّق مع شبكات السلامة الإقليمية، مع الإشارة إلى أن القياسات المتاحة حتى الآن لم تُظهر ارتفاعًا في مستويات الإشعاع فوق الخلفية المعتادة في الدول المحيطة.
تعتمد الوقاية -في حال تصاعدت المخاطر- على ثلاثة مسارات متوازية: ضمان استمرار الاتصال الفني مع الجهة الرقابية النووية داخل الدولة المعنية لتبادل البيانات؛ وحماية البنى المساندة (الكهرباء/التبريد/التحكم) من أي تعطّل؛ وتفعيل خطط الصحة العامة (الإنذار المبكر، تجهيز المستشفيات، خطط الإخلاء، وإرشادات السكان).
وتحتاج هذه الخطط إلى شفافية إعلامية صارمة لمواجهة الشائعات، لأن “ذعر الإشعاع” وحده قد يخلق أزمة: هروب جماعي، واكتناز، وانهيار خدمات، أو سلوكيات صحية خاطئة.
ولهذا تكرر الوكالة دعوتها إلى “الضبط” وتفادي الأعمال التي قد ترفع مخاطر السلامة النووية على الناس.
وتؤكد المعطيات المتاحة حتى الآن، بحسب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، عدم وجود دليل على تأثيرات إشعاعية راهنة، لكن التحذير الأساسي يتمثل في أن استمرار الحرب قرب بنى نووية مع تعطل قنوات الاتصال يرفع احتمال كارثة لا يمكن احتواؤها بسهولة.
وتجعل هذه المخاطر “السلامة النووية” جزءًا من ملف حماية المدنيين، لا مجرد شأن فني، وتضع المجتمع الدولي أمام اختبار عاجل، كيف يفرض خطوطًا حمراء تمنع تحويل منشآت نووية -بشكل مباشر أو غير مباشر- إلى عامل تهديد إقليمي طويل الأمد.











