تشديد سياسات الهجرة في بريطانيا.. من "الردع" إلى جعل اللجوء إقامة مؤقتة
تشديد سياسات الهجرة في بريطانيا.. من "الردع" إلى جعل اللجوء إقامة مؤقتة
تسارعت بريطانيا خلال الشهور الماضية في مسار تشديد سياسات الهجرة واللجوء، مع انتقال واضح من الاكتفاء بتشديد إجراءات الحدود إلى إعادة تعريف “الحماية” نفسها.
وأعلنت وزارة الداخلية البريطانية، في بيان رسمي، أن طلبات اللجوء الجديدة بدءا من 2 مارس الجاري ستُمنح “حماية مؤقتة” تُراجع كل 30 شهرًا بدل منح إقامة أولية لخمس سنوات كما كان معمولًا به، مع إمكانية تجديد الحماية إذا استمر الخطر، أو مطالبة الشخص بالعودة إذا اعتُبرت بلاده “آمنة”.
وأوضحت الحكومة أن النموذج الجديد يستهدف “إعادة ضبط” منظومة اللجوء والعودة، وأن منح الإقامة سيكون مشروطًا باستمرار الحاجة للحماية، مع جعل من تنتفي عنهم هذه الحاجة “عرضة للإزالة/ الترحيل”.
ووسّعت خطة “الطريق إلى الاستقرار” عبر رفع سقف الانتقال إلى الإقامة الدائمة للاجئين إلى 20 عامًا وفق ما نقلته تقارير صحفية ووثائق حكومية سابقة على التطبيق، في تشديد يُعد من الأكبر في العصر الحديث.
نزاع قانوني متوقع
أثار التحول إلى “حماية مؤقتة” موجة انتقادات قانونية وحقوقية داخل بريطانيا، إذ حذّرت جهات مهنية من أن تكرار مراجعات الوضع كل 30 شهرًا قد يُبقي اللاجئين في حالة “تعليق” طويلة، ويعرّضهم لضغط نفسي واجتماعي، ويعقّد الاندماج (العمل، السكن، لمّ الشمل).
ورجّحت تقارير إعلامية أن يُطلب من بعض اللاجئين الانتقال إلى “مسارات تأشيرات عادية” ودفع رسوم الهجرة، بدل الاستمرار على مسار حماية مستقر، وهو ما اعتبرته منظمات طبية وحقوقية عاملًا قد يعيد “تجريح” الناجين من التعذيب والحروب.
وحذّر مجلس اللاجئين البريطاني من أن تعميم المراجعات قد يخلق أعباء إدارية ضخمة وتكاليف إضافية على دافعي الضرائب، فضلًا عن تراكم ملفات دون حسم سريع.
ودافعت وزارة الداخلية عن الإجراء باعتباره متوافقًا مع الالتزامات الدولية ويهدف إلى تقليل “حوافز” الهجرة غير النظامية، في وقت تصاعد فيه الضغط السياسي الداخلي على الحكومة لإظهار قبضة أشد في ملف القوارب الصغيرة والعودة.
إعادة تشكيل المنظومة
جاء هذا التشديد ضمن سياق سياسي وتشريعي متقلب شهدته بريطانيا منذ 2023، مع موجة قوانين وإصلاحات هدفت لردع الهجرة غير النظامية وتسريع “العودة”، ثم مراجعة بعض المسارات السابقة وإعادة ترتيبها تحت حكومة حزب العمال.
وأظهرت وثائق حكومية أن “قِصر مدة الإقامة” و“إطالة طريق الاستقرار” جزء من رؤية أوسع بعنوان “استعادة النظام والسيطرة” في سياسة اللجوء والعودة.
وأوضح تقييم حكومي لمشروع “قانون أمن الحدود واللجوء والهجرة” لعام 2025 أن الحكومة اتجهت في الوقت نفسه إلى إلغاء أجزاء من سياسات سابقة مرتبطة بترحيلات رواندا وبعض بنود قانون الهجرة غير النظامية، مع طرح أدوات بديلة لإدارة الحدود والعودة.
أكبر إصلاحات للجوء
وبحسب وكالة "رويترز"، قدّمت الحكومة هذه الحزمة بوصفها أكبر إصلاحات للجوء في الزمن الحديث، مع تشديد على أن الحماية لن تكون “تلقائية” ولا تقود سريعًا إلى الاستقرار الدائم، وأن مراجعات 30 شهرًا ستصبح قاعدة عامة.
وتعكس المحصلة أن بريطانيا تتحرك نحو نموذج يجعل “اللجوء” أقل استقرارًا وأكثر قابلية للمراجعة والسحب، مقابل وعد حكومي بأن ذلك سيُضعف شبكات التهريب ويزيد القدرة على العودة عند تحسن الظروف.
ويبقى الاختبار الحقيقي في التطبيق.. هل تستطيع الدولة تنفيذ مراجعات عادلة وسريعة دون خلق “ملايين” الملفات المتراكمة، وهل تُترجم سياسة الردع إلى انخفاض فعلي في الهجرة غير النظامية دون الإضرار بحقوق من يحتاجون للحماية؟











