53 ضحية في عام واحد.. تصاعد مقلق لقتل النساء في إقليم كردستان العراق

53 ضحية في عام واحد.. تصاعد مقلق لقتل النساء في إقليم كردستان العراق
وقفة احتجاجية ضد العنف بحق المرأة في أربيل

في إقليم كردستان العراق، تتقاطع التقاليد الاجتماعية الصارمة مع ضعف تطبيق القانون لتشكل تهديداً يومياً لحياة النساء، حيث سجل عام 2025 مقتل أكثر من 53 امرأة في حوادث تراوحت بين القتل المباشر وظروف غامضة وجرائم "الشرف"، وهذه الأرقام، التي تؤكدها تقارير حقوقية محلية ودولية، ترسم صورة مقلقة لأزمة هيكلية تتجاوز الانتهاكات الفردية لتشكل تهديداً للاستقرار الاجتماعي والحقوق الأساسية للمرأة، وبينما تسعى منظمات المجتمع المدني والأمم المتحدة إلى تعزيز الحماية والتوعية، يبقى الطريق طويلاً أمام بناء منظومة قانونية ومجتمعية تكفل للنساء في كردستان الحق في الحياة والأمان، وتضع حداً لثقافة الإفلات من العقاب التي تتغذى على الصمت الاجتماعي والوصمة التقليدية.

العنف الأسري

شهد إقليم كردستان العراق خلال عام 2025 تصاعداً خطيراً في جرائم قتل النساء، حيث تشير بيانات إعلامية محلية وتقارير حقوقية إلى مقتل أكثر من 53 امرأة، في ظل غياب إحصاءات حكومية دقيقة ومحدثة، وتُظهر هذه الأرقام اتجاهاً تصاعدياً مقارنة بالسنوات السابقة، وبحسب المديرية العامة لمناهضة العنف ضد المرأة في الإقليم تم توثيق أكثر من 8,000 حالة عنف أسري سنوياً في السنوات الأخيرة، ما يعكس اتساع نطاق الظاهرة وخطورتها.

وتكشف بيانات المديرية العامة لمناهضة العنف ضد المرأة أن مئات الحالات تُصنف سنوياً ضمن "الوفيات الغامضة"، بما في ذلك حالات الحرق أو السقوط أو الغرق، وهي أنماط ترتبط غالباً بجرائم عنف أسري أو جرائم "الشرف"، كما أشارت شبكة المرأة العراقية في تقرير العنف القائم على النوع الاجتماعي 2024 إلى أن نسبة كبيرة من الجرائم لا يتم الإبلاغ عنها بسبب الضغوط الاجتماعية والخوف من الوصمة.

وتشير البيانات المحلية والدولية إلى أن العنف ضد النساء في إقليم كردستان يمثل جزءاً من أزمة أوسع للعنف القائم على النوع الاجتماعي في العراق، ووفقاً لتقارير شبكة المرأة العراقية لعام 2024 ومديرية مناهضة العنف ضد المرأة في إقليم كردستان 2025، تعرضت نحو 35% من النساء في الإقليم لأشكال مختلفة من العنف الأسري والجسدي أو النفسي خلال السنوات الثلاث الماضية، مع تسجيل أكثر من 53 حالة قتل مؤكدة خلال عام 2025 فقط معظمها في محافظات السليمانية ودهوك وأربيل.

وتبين أحدث الدراسات أن العنف ضد النساء في العراق يمثل أزمة هيكلية مستمرة، حيث أفادت دراسة صندوق الأمم المتحدة للسكان صادرة في 2024 بأن نحو 21% من النساء العراقيات فوق سن 18 تعرضن لشكل من أشكال العنف الجسدي أو النفسي خلال حياتهن، مع ارتفاع النسبة في المناطق الريفية والفئات الهشة اقتصادياً.

 كما تكشف تقارير هيئة الأمم المتحدة للمرأة لعام 2024 أن العنف الأسري يُعد السبب الرئيسي للوفيات بين النساء في العراق، فيما يواجه آلاف النساء تهديداً يومياً داخل المنازل وأماكن العمل، حيث سجلت حالات التحرش والإيذاء النفسي ارتفاعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، كما أشارت تقارير منظمة العفو الدولية 2024 إلى أن ما بين 30 إلى 40% من حالات قتل النساء في العراق تُصنّف رسمياً كـ"انتحار" أو "حوادث عرضية" رغم شبهات قوية بوجود دافع عنف أسري أو جرائم "شرف"، ما يعكس فجوة كبيرة بين الواقع الميداني والبيانات الرسمية، ويبرز الحاجة الملحة لتطبيق القوانين الدولية والمحلية لحماية النساء وتعزيز المساءلة.

يذكر أنه في يونيو 2011، أقرّ برلمان إقليم كردستان قانوناً يجرّم ختان النساء والعنف الأسري. وفي القانون عقوبات تصل إلى حدّ السجن المؤبد لمرتكبي جرائم الشرف، ورحبت الأمم المتحدة بالقانون حينها معتبرةً أنه تقدّم ملحوظ بعد سنوات من المطالبات.

تقارير حقوقية

وتؤكد تقارير منظمة العفو الدولية أن العنف ضد النساء في العراق، بما في ذلك إقليم كردستان، لا يزال يمثل أزمة هيكلية، حيث تشير إلى استمرار جرائم القتل بدوافع "الشرف" مع ضعف في إنفاذ القوانين، كما وثقت المنظمة حالات تم فيها تخفيف الأحكام القضائية على الجناة، ما يعزز ثقافة الإفلات من العقاب.

وفي السياق ذاته، حذرت هيومن رايتس ووتش من أن القوانين العراقية، رغم احتوائها على نصوص تجرّم العنف، لا تزال تتضمن مواد تُستخدم لتخفيف العقوبات في جرائم "الشرف"، ما يحد من فعالية الردع القانوني، وأكدت المنظمة أن غياب الحماية الكافية للنساء المعرضات للخطر يفاقم من حجم الأزمة.

أسباب تصاعد العنف ضد النساء

وتتعدد أسباب تصاعد العنف ضد النساء، حيث تشير دراسة صادرة عن صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن نحو 1 من كل 5 نساء في العراق تعرضن لشكل من أشكال العنف الجسدي أو النفسي، مع ارتفاع النسبة في البيئات الهشة اقتصادياً. كما تلعب البطالة والضغوط الاقتصادية دوراً رئيسياً في زيادة التوتر داخل الأسر، ما يؤدي إلى تصاعد العنف الأسري.

ولا يقتصر العنف على المجال الأسري، إذ أظهرت تقارير أممية أن النساء في العراق يواجهن أيضاً تحديات في أماكن العمل، تشمل التحرش والتمييز، في ظل ضعف آليات الحماية القانونية، وتشير البيانات إلى أن نسبة كبيرة من النساء العاملات يتجنبن الإبلاغ عن الانتهاكات خوفاً من فقدان وظائفهن وفق هيئة الأمم المتحدة للمرأة.

ومن الناحية الإنسانية، تؤدي هذه الجرائم إلى آثار بعيدة المدى، حيث تشير منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” إلى أن الأطفال الذين يشهدون العنف الأسري يكونون أكثر عرضة للاضطرابات النفسية وضعف التحصيل الدراسي، ما يخلق دورة مستمرة من العنف داخل المجتمع.

جذور الظاهرة

وتعود جذور الظاهرة إلى عوامل تاريخية وثقافية، حيث لا تزال بعض الأعراف الاجتماعية تبرر العنف ضد النساء تحت مسميات مختلفة، وهو ما يتعارض مع الالتزامات الدولية للعراق، خاصة اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW)، التي تلزم الدول بحماية النساء من جميع أشكال العنف.

وفي ظل هذه المعطيات، دعت منظمات محلية مثل منظمة وادي ومنظمة آسو لحقوق الإنسان إلى ضرورة تعزيز مراكز الإيواء وتوسيع برامج التوعية المجتمعية، إضافة إلى تدريب أجهزة إنفاذ القانون على التعامل مع قضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي، كما شددت على أهمية إدماج قضايا المرأة في السياسات العامة.

وتشير المعطيات إلى أن استمرار هذه الجرائم دون معالجة جذرية قد يؤدي إلى مزيد من التدهور في أوضاع حقوق المرأة، ما يستدعي استجابة شاملة تشمل الإصلاح القانوني، وتعزيز الوعي المجتمعي، وضمان الحماية الفعلية للنساء، وتؤكد التقارير أن معالجة هذه الأزمة تمثل اختباراً حقيقياً لمدى التزام السلطات بحماية حقوق الإنسان وتحقيق العدالة.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية