خبراء أمميون: ثقافة السلام واحترام حقوق الإنسان شرط أساسي لبقائنا الجماعي
أمام الدورة 61 لمجلس حقوق الإنسان
"ثقافة السلام ليست ترفًا فكريًا ولا شعارًا نظريًا، بل هي شرط أساسي لبقائنا الجماعي، ويجب أن تتحول من مبدأ أخلاقي إلى سياسات وقائية راسخة تعالج جذور النزاعات قبل انفجارها".. بهذه الرسالة الحاسمة افتتحت نائبة مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، ندى الناشف، مداخلتها، خلال الاجتماع السابع عشر من الدورة الحادية والستين لمجلس حقوق الإنسان.
وأكدت ندى الناشف أن الوقاية القائمة على احترام الحقوق، وتعزيز المساءلة، وترسيخ المساواة وسيادة القانون، تمثل الطريق الأكثر فاعلية لكسر دوائر العنف المتكررة.
وشددت على أن إنهاء الحروب لا يتحقق فقط عبر اتفاقات وقف إطلاق النار، بل عبر معالجة الإقصاء والتمييز وخطاب الكراهية، وبناء أنظمة تصحيحية تعيد الثقة بين المجتمعات ومؤسسات الدولة، داعية الدول إلى رفع أصواتها دعمًا لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، وإعادة الالتزام بإنهاء الحرب كأداة في العلاقات الدولية.
وخلال حلقة نقاش رفيعة المستوى حول “حقوق الإنسان وثقافة السلام”، خُصصت لبحث العلاقة المتداخلة بين بناء السلام، والوقاية من النزاعات، وترسيخ منظومة الحقوق كإطار عملي ومستدام لتفادي الانزلاق نحو العنف لم تُخفِ الناشف قلقها من المشهد العالمي الراهن، مشيرة إلى توصيف المفوض السامي للأوضاع الدولية بأنها “عالم مقلوب رأسًا على عقب”، في ظل أكثر من ستين نزاعًا مسلحًا مستعرًا حول العالم، وتفاقم الانقسامات المجتمعية، وتزايد خطاب الكراهية الذي يغذي جرائم الفظائع والانتهاكات الجسيمة.
استقرار طويل الأمد
وأكدت ندى الناشف أن عسكرة السياسات واستخدام القوة لتسوية الخلافات لم يوفرا الأمن لأي مجتمع، بينما أثبت احترام الحقوق وترسيخ المساواة قدرتهما على بناء استقرار طويل الأمد.
وجمعت الجلسة مسؤولين أمميين وخبراء دوليين وممثلين عن منظمات إقليمية ومؤسسات أكاديمية، في نقاش عكس إدراكًا متزايدًا بأن العالم يمر بلحظة حرجة تتطلب مراجعة جادة لأولويات العمل متعدد الأطراف.
وسلطت الناشف الضوء على تراجع فاعلية الحلول العسكرية في إنهاء النزاعات، مستشهدة بدراسات تُظهر انخفاض نسبة الحسم في الحروب من نحو 49% في سبعينيات القرن الماضي إلى أقل من 10% خلال العقد الثاني من الألفية، ما يعكس محدودية المقاربات الأمنية الصرفة، ويعزز الحاجة إلى استراتيجيات وقائية تعالج الأسباب الجذرية للعنف، وعلى رأسها التهميش، وانعدام المساءلة، وتآكل الثقة بالمؤسسات.
حماية متساوية بموجب القانون
من جانبه، وسّع المبعوث الخاص للاتحاد الإفريقي المعني بمنع الإبادة الجماعية، أداما دينغ، الإطار المفاهيمي للنقاش، معتبرًا أن السلام لا يقتصر على غياب الصراع المسلح، بل يقوم على حماية متساوية بموجب القانون، وشعور حقيقي بالانتماء، واحترام متبادل داخل مجتمعات متنوعة.
وأكد دينغ أن تآكل مبدأي المساواة والانتماء يشكل أرضية خصبة لتفشي العنف، وأن الإقصاء غالبًا ما يُطبع تدريجيًا قبل أن تتضح مخاطره.
وأشار دينغ إلى أن الوقاية تتطلب تمكين المجتمعات من رصد المؤشرات التحذيرية المبكرة، ووضع حدود لممارسة السلطة، وضمان المراجعة القضائية الفعالة للتدابير المتخذة باسم الأمن.
كما شدد على أن الشمولية، خاصة مشاركة النساء والشباب، ليست خيارًا سياسيًا، بل شرطًا جوهريًا لاستدامة أي عملية سلام، موضحًا أن المجتمعات التي تعكس تنوعها في مؤسساتها تكون أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات.
أدوات حقوق الإنسان
أما آوا دابو، نائبة المفوض السامي، فقد ركزت على البعد العملي لبناء السلام من خلال أدوات حقوق الإنسان، مؤكدة أن التحليل والرصد المبكر لأنماط التمييز والإقصاء يتيحان فهمًا استباقيًا للمخاطر الناشئة.
وأوضحت أن إدماج مبادئ المشاركة وعدم التمييز والمساءلة في استراتيجيات الوقاية الوطنية يعزز ثقة الجمهور بالمؤسسات، ويحول التركيز من إدارة الأزمات إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع.
وأبرزت دور صندوق الأمم المتحدة لبناء السلام في دعم إصلاحات دستورية وانتخابية شاملة، وتعزيز استقلال المؤسسات الوطنية، وتشجيع مشاركة المرأة في عمليات السلام، والاستثمار في التعليم من أجل التماسك الاجتماعي، مؤكدة أن هذه المبادرات ليست مشاريع معزولة، بل لبنات أساسية لترسيخ ثقافة قائمة على الثقة المتبادلة.
البعد المجتمعي للوقاية
وفي السياق ذاته، تناول ممثل منظمة “إنتربيس” البعد المجتمعي للوقاية، موضحًا أن النزاعات نادرًا ما تبدأ بالسلاح، بل تنشأ من تراكم المظالم، وانعدام قنوات الانتصاف الموثوقة، وتآكل العقد الاجتماعي.
وأكد أن تحويل الحقوق إلى آليات عملية، مثل الرقابة المستقلة، وقنوات الإبلاغ الآمنة، وحماية المبلغين، يشكل شبكة أمان تحول دون التصعيد.
كما عرض نماذج لبرامج تدريب وسطاء شباب في عدد من الدول، باعتبار الاستثمار في قدرات الوساطة لدى الأجيال الجديدة تعزيزًا للبنية الاجتماعية القادرة على إدارة التوترات قبل تحولها إلى أزمات مفتوحة، مشددًا على أن الإدماج الحقيقي لا يقاس فقط بمن يجلس على طاولة الحوار، بل بمدى ارتباط العملية السياسية بالقاعدة الاجتماعية التي يفترض أن تدعمها.
من زاوية أكاديمية، قدم أستاذ القانون بجامعة بريغهام يونغ، ب. ج. شارفس، مقاربة ثلاثية تربط بين حقوق الإنسان وثقافة السلام والكرامة الإنسانية، معتبرًا أن هذه المفاهيم تشكل أضلاع مثلث لا يمكن فصل أحدها عن الآخر.
وأكد أن الكرامة تمثل الأساس الأخلاقي للحقوق، وأن تعزيزها يوفر معيارًا لتقييم التحديات المعاصرة، بما في ذلك استخدامات الذكاء الاصطناعي، الذي ينبغي تشجيع تطبيقاته المعززة للكرامة، وردع ما ينتهكها.
كما شدد على أهمية إشراك الفاعلين الدينيين في جهود صنع السلام، نظرًا لما تحمله التقاليد الدينية من تعاليم داعمة لاحترام الآخر والمصالحة، معتبرًا أن التفاعل الواعي مع هذه الأصوات يمكن أن يعزز الجهود الرامية إلى بناء مجتمعات أكثر انسجامًا.
السلام لا يتحقق بصفقات مؤقتة
على امتداد النقاش، تكررت الإشارة إلى أن السلام المستدام لا يتحقق بصفقات سياسية مؤقتة، بل بمعالجة المظالم التاريخية، وتعزيز العدالة الانتقالية، وضمان مشاركة فعالة لجميع الفئات، بما في ذلك النساء والشباب والأقليات.
كما برزت الدعوة إلى إعادة التوازن داخل منظومة الأمم المتحدة، بحيث لا يطغى التركيز على الاستجابة الأمنية على الاستثمار في الوقاية طويلة الأمد.
واختُتمت الحلقة بالتأكيد على أن العالم يقف أمام مفترق طرق: إما الاستمرار في إدارة أزمات متلاحقة بتكلفة بشرية ومالية باهظة، وإما الاستثمار الجاد في ثقافة سلام متجذرة في احترام الحقوق، والمساواة، والمساءلة، والحوار الشامل.
وأجمع المتحدثون على أن تحويل هذا الطموح إلى واقع يتطلب إرادة سياسية صلبة، وتعاونًا دوليًا متجددًا، واستعدادًا لإعادة بناء الثقة داخل المجتمعات وفيما بينها، بوصف ذلك الطريق الأكثر واقعية لتفادي نزاعات الغد.











