الحرب مع الإسلام لم تنتهِ بعد

الحرب مع الإسلام لم تنتهِ بعد

 

فورين افرز

مؤخراً هذا العام وفي ذكرى هجمات الحادي عشر من سبتمبر خرجت عشرات الآراء وتركزت على الولايات المتحدة كالعادة، وخاصة في ما سمي بالحرب العالمية على الإرهاب وإرثها الكبير في ذلك.

ولا شك بالطبع أن العقدين اللذين أعقبا أحداث الحادي عشر من سبتمبر يمثلان فصلاً هاماً في تاريخ العالم الحديث لكنه أيضاً فصل لا يتعلق بالولايات المتحدة الأمريكية وحدها بل بتغير حاد وكبير للعالم بأسره.

منذ عام 1979 أدى الصراع العنيف حول كيفية التكيف مع الحداثة إلى اضطراب العالم الإسلامي من غرب إفريقيا إلى جنوب شرق آسيا واجتاحت فكرة صراع الحضارات العالم الإسلامي وخاصة الجاليات المسلمة المغتربة والموجودة تحديداً في أوروبا وبدأت فكرة وضع الإسلام كفكر في مواجهة الفكر الغربي بكل ما تمثله المواجهة والمقارنة من سوء فهم وسوء تقدير للأمر برمته.

وما شاهده الأمريكيون من وقتها هو تداعيات هذا الصراع حول التكيف الذي يشبه لحد كبير حروب الإصلاح الديني والاجتماعي التي اجتاحت العالم المسيحي في القرنين السادس عشر والسابع عشر، والصراعات الطويلة في القرنين التاسع عشر والعشرين حول كيفية تقييم المجتمعات الصناعية الحديثة.

بشكل أساسي ظلت الولايات المتحدة دخيلة على هذا الصراع رافضة التورط فيه ومجرد رد فعل لكل ما يحدث داخل العالم الإسلامي على الرغم من أن الأمريكيين يميلون بطبيعة الحال إلى وضع أنفسهم وحكومتهم دوماً في قلب الحدث ويصورون أنفسهم عادة إما ضحايا أو جناة وهو تشوه في الرؤية يعيق تطور العلاقات أو الوصول لشراكة حقيقية مع العالم الخارجي ولو تحقق ذلك لتغيرت الجغرافيا السياسية للحروب داخل العالم الإسلامي وكذلك في واشنطن.

كان عام 1979 علامة فارقة في العالم الإسلامي، في إيران أطاحت ثورة شعبية بالنظام الملكي وتطورت الثورة في ما بعد إلى حكم إسلامي لا يرحم، في أفغانستان أدت انتفاضة إسلامية عامة ضد الحكومة الاشتراكية التي أطاحت قبلها بعام بالملكية إلى استيلاء الاتحاد السوفيتي على البلاد، تحركت باكستان هي الأخرى نحو الحكم الإسلامي، وفي السعودية عززت الدولة التزامها بالحكم الإسلامي من أجل مواجهة أداء إيران الثوري الذي كان يخطط لقيادة العالم الإسلامي.

نشأت كل هذه الانفجارات داخل مجتمعات ذات أغلبية مسلمة كافحت للتكيف والحداثة بمفهومها في تلك الفترة، في إيران الأكثر حداثة حينها انضم الى الثوار حلفاء من التجار والطلاب والمهنيين ولكن بمجرد وصول الشاه إلى السلطة قضى على كل هذه القوى الليبرالية بشكل مأساوي وسحق شركاء سابقين وانفرد بالسلطة.

في نفس العام 1979 الذي يحق أن نسميه عام التغيرات الحادة أحكم صدام حسين قبضته على السلطة وفي العام التالي استغل الاضطرابات في إيران لشن حرب بأمل إضفاء الشرعية على حكمه وتوسيع نطاقه والترويج لنفسه على أنه من قام بإيقاف المد الشيعي لإيران واستمرت الحرب العراقية الإيرانية حتى عام 1988 وفي غضونها اندلعت الحرب السوفيتية في أفغانستان من عام 1980 حتى عام 1989 وهي الحرب التي قتلت وشردت الملايين.

حينها بدأت الولايات المتحدة في نشر المزيد من القوات البحرية في الخليج الفارسي، إلا أن الولايات المتحدة ظلت لاعباً هامشياً في هاتين الحربين. فقد كانت منشغلة في الشرق الأوسط بصراع صغير نسبياً وغير مجدٍ في نهاية المطاف على لبنان.

كان للولايات المتحدة دور ضئيل في الحرب الإيرانية إلا أن تحرك صدام نحو الجنوب لانتزاع الثروة النفطية من دول الخليج وهجومه على الكويت حرك الولايات المتحدة بل والعالم ضده وتلقى ضربة موجعة باركتها الأمم المتحدة في تسعينيات القرن الماضي.

سعت واشنطن لتعزيز قواعدها العسكرية في المنطقة لكنها ركزت على الحفاظ على الأمن في العراق المهزوم، واحتواء إيران، ومحاولة إحياء محادثات السلام الإسرائيلية الفلسطينية، ولم تتعامل حقاً مع القضايا الجوهرية التي تحرك الصراعات داخل المجتمعات الإسلامية وهو الأمر الذي سيقود إلى تورطها أكثر في الأمر.

 

وتنتقل حروب الإسلام إلى أمريكا بصورة فعلية في تلك المرحلة التي انقسمت فيها الحركات الإسلامية السنية وظهرت المعسكرات المختلفة الفكرية والتي ظهر منها بن لادن الإسلامي المغامر الذي بنى جماعته المتطرفة العالمية باسم القاعدة وتحولت بفضلها ساحات المعارك في الحروب في العالم الإسلامي لقتال وحشي في أفغانستان والجزائر والبوسنة ومصر والصومال.

الجديد في الأمر هو الفكر الذي قدمته القاعدة وبن لادن وهو فكرة الجماعة الإسلامية الذي يتلخص في أن “الأعداء القريبين” للإسلام -سواء في مصر أو إسرائيل أو المملكة العربية السعودية أو الصومال أو في أي مكان آخر- يعتمدون جميعاً على الولايات المتحدة، وبالتالي يجب شن الجهاد ضد “العدو البعيد”: الولايات المتحدة الأمريكية. وبالفعل أعلنت القاعدة رسمياً الحرب ضد الولايات المتحدة في أوائل عام 1998. لكن الولايات المتحدة لم تولِ اهتماماً كبيراً حينها، في وقت لاحق من ذلك العام، استخدم عناصر القاعدة شاحنات مفخخة لتفجير سفارتين أمريكيتين في شرق إفريقيا، وكانت تلك هي البداية فقط.

تتابعت بعد ذلك العمليات المختلفة من تنظيم القاعدة ضد الأهداف الأمريكية وكان دافع بن لادن المعلن مواجهة الاستبداد الأمريكي والأعمق هو الارتقاء بنفسه ومجموعته إلى شخصيات تاريخية عالمية وأنهم جبابرة عالميون يناهضون قوى عظمى مستبدة وأدى الخطاب السياسي الأمريكي بدوره إلى تضخيم الصورة بوضع بن لادن على قدم المساواة مع هتلر وستالين وغيرهما فجاءت هجمات الحادي عشر من سبتمبر التي هزت أمريكا والعالم نتيجة البيئة الأمنية المتساهلة في ذلك الوقت وبعدها بدأت حربها هي والعديد من دول العالم على الإرهاب فكان تدخلها في أفغانستان لتشتيت القاعدة التي وجدت لنفسها غطاء لفترة في باكستان في الوقت ذاته انخرطت الولايات المتحدة في تجاوزات أثناء حربها على الإرهاب تمثلت في سوء معاملة السجناء وإدارتها الكارثية للوضع في العراق ما أعطى القاعدة والمتطرفين المدعومين من إيران قواعد جديدة للعمليات واستمرت السياسات الأمريكية غير فاعلة.

 

بعد عام 2006 صارت القاعدة قوة متراجعة، واستقرت الأوضاع في العراق في 2007-2008. وقامت الولايات المتحدة وحلفاؤها بمطاردة ما تبقى من تنظيم القاعدة الأصلي. وتم القبض على المخطط الرئيسي وراء هجمات 11 سبتمبر، خالد شيخ محمد، في باكستان في مارس 2003. قامت الولايات المتحدة أخيراً بتعقب بن لادن إلى مخبئه الباكستاني وقتله في غارة نفذت جيداً في مايو 2011.

 

وبعد سنوات من التجربة والخطأ بدأ الأمريكيون يتعلمون أن بوصفهم غرباء عليهم، مساعدة المسلمين الذين يرغبون في تهميش واحتواء المتطرفين في مجتمعاته.، كان هذا يشمل عادةً أعداداً صغيرة نسبياً من الأمريكيين الذين استفادوا من خلفياتهم المهنية والتعليمية، مثل الاستخبارات التقنية، والنقل الجوي، والدعم اللوجستي، والمساعدات الطبية، والضربات الدقيقة في نقل خبراتهم لكن لم يلق الجانب المدني مثل هذه الجهود ونفس القدر من الاهتمام أو الاستثمار، ولكن كان هناك عادة عدد قليل من الأمريكيين والأوروبيين يفهمون الظروف المحلية في تلك الدول ويمكنهم اللعب في بعض الأحيان من خلالها.

تطورت اللعبة أكثر مع الوقت فقد تطور موقع إيران الجيوسياسي وانضمت للتجمع الناشئ المناهض لأمريكا الذي يضم الصين وروسيا في صميمه وباكستان وطالبان كعضوين تابعين ونوعت طالبان من دعمها فظهرت تركيا في اللعبة بحنينها إلى المجد العثماني وتأرجحها بين الاستبداد والديمقراطية كقطب ثالث للجذب في الحرب داخل العالم الإسلامي وبدعمها للمقاتلين في أذربيجان وسوريا وليبيا وهي تستعرض عضلاتها في صراعات الطاقة في شرق المتوسط.

وإذا أراد الأمريكيون القلقون التركيز على الأماكن التي قد يكون دورهم فيها أكثر أهمية، فإن أول مكان يجب البحث فيه هو إفريقيا ومن بعدها سوريا وشمال العراق ومناطق عدة مرشحة لدخول دائرة التطرف ولكن هل ستغير الولايات المتحدة فعلاً من سياساتها في الملاحقة الأمنية فقط والدخول في المناطق الشائكة كجزء من القوى على الأرض إلى قوة مؤثرة في تحريك المياه الراكدة بحلول تدفع البشر في تلك المناطق إلى معنى الحداثة والتكيف مع العالم الحديث.

إذا استثمرت واشنطن جهدها الإبداعي في التأثير في الاستثمار في تلك المناطق وحل القضايا في تلك الدول وتنشيط التنمية ستجد فرصاً بناءة للتأثير على مسار الحروب في العالم الإسلامي.

إذا كانت الولايات المتحدة تريد مساعدة العالم الإسلامي على الخروج من عقود من الصراع الحضاري، فعليها أن تركز بدرجة أقل على الملاحقة الأمنية فقط للمتطرفين الذين يخوضون صراعاً خادعاً من أجل النقاء الديني ويمكن لحكومة الولايات المتحدة أن تكون أكثر فاعلية إذا تمكنت بشكل استباقي من مساعدة هؤلاء المسلمين الذين يحاولون حل مشكلاتهم الفكرية والاقتصادية والذين يحاولون، بضمير حي، من أجل التغلب على تحديات الأجيال التي تواجه مجتمعاتهم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

.

.

 

.

 

 

 

 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية