حين تضيق الزنازين.. بلجيكا تبحث عن سجون خارج حدودها

حين تضيق الزنازين.. بلجيكا تبحث عن سجون خارج حدودها
اكتظاظ السجون في بلجيكا

في خطوة تعكس حجم الضغط الذي يرزح تحته نظام السجون البلجيكي، أعلنت الحكومة البلجيكية الاثنين عزمها فتح مباحثات رسمية مع السلطات الإستونية لبحث إمكان استئجار مساحات سجنية في هذا البلد الواقع في منطقة البلطيق، بهدف نقل معتقلين أجانب يقيمون في بلجيكا بشكل غير قانوني، ويفتح القرار نقاشا واسعا حول حدود الحلول الممكنة لأزمة مزمنة، وحول التوازن الدقيق بين ضرورات الأمن واحترام حقوق الإنسان.

وبحسب وكالة فرانس برس، أكد وزيرا العدل واللجوء في بلجيكا أن زيارة رسمية إلى العاصمة تالين ستتم على مدى يومين، يجريان خلالها مباحثات مع المسؤولين الإستونيين، وعلى رأسهم وزيرة العدل والشؤون الرقمية، إضافة إلى جولة ميدانية في أحد سجون تالين للاطلاع على بنيتها وإمكاناتها، وتأتي هذه الزيارة في إطار دراسة خيارات عملية للتعامل مع الاكتظاظ غير المسبوق داخل السجون البلجيكية.

اكتظاظ مزمن وضغط يومي

تعاني بلجيكا منذ سنوات من أزمة اكتظاظ حادة داخل سجونها، لكنها بلغت في الأشهر الأخيرة مستوى بات يوصف بالحرج. فبحسب إدارة السجون، تضم البلاد حاليا 13501 سجين، في حين لا تتجاوز القدرة الاستيعابية الرسمية 11049 مكانا، هذا الفارق الكبير بين العدد الفعلي والطاقة الاستيعابية أدى إلى ظروف احتجاز صعبة، حيث يضطر نحو 600 سجين إلى النوم على الأرض، وسط شكاوى متزايدة من تدهور الأوضاع الإنسانية والأمنية.

نقابات حراس السجون كانت من أوائل الجهات التي دقت ناقوس الخطر، محذرة من أن الاكتظاظ لا يهدد فقط كرامة السجناء، بل أيضا سلامة العاملين داخل المؤسسات العقابية، وتشير هذه النقابات إلى أن الضغط المستمر ينعكس توترا داخل السجون، ويحد من قدرة الإدارة على تنفيذ برامج التأهيل وإعادة الإدماج.

ثلث السجناء بلا حق إقامة

في بيان مشترك، أوضح وزيرا العدل واللجوء أن نحو ثلث السجناء في بلجيكا، من أصل ما يقارب 13000 معتقل، لا يحق لهم الإقامة القانونية في البلاد، وترى الحكومة أن هذا الواقع يفرض البحث عن حلول استثنائية لتخفيف العبء عن النظام السجني وتعزيز أمن المواطنين في الوقت نفسه.

وأكد البيان أن الحكومة تأمل في دراسة جميع الاحتمالات المتاحة، ومن بينها خيار استئجار أو حتى بناء سجن في الخارج، مخصص للمعتقلين الأجانب الذين لا يملكون وضعا قانونيا يسمح ببقائهم في بلجيكا. 

ويعكس هذا الطرح توجها سياسيا يسعى إلى الفصل بين ملف الاكتظاظ وملف الهجرة غير النظامية، ولو خارج الحدود الوطنية.

إستونيا خيار ثالث

ليست إستونيا المحطة الأولى في هذا المسار، فبعد كوسوفو وألبانيا، تصبح الدولة البلطيقية ثالث بلد تنظر الحكومة البلجيكية، برئاسة المحافظ بارت دي ويفر، في التعاون معه لإرسال جزء من المعتقلين الأجانب، وتبرر بروكسل هذا الاختيار بثقتها في النظام القضائي الإستوني، الذي تصفه بأنه متجذر في احترام القانون وحقوق الإنسان، إضافة إلى إشادتها بتطور بنيته الرقمية والإدارية داخل السجون.

وترى الحكومة البلجيكية أن التعاون مع دولة عضو في الاتحاد الأوروبي مثل إستونيا قد يوفر إطارا قانونيا أوضح، ويخفف من الانتقادات المتعلقة بنقل السجناء إلى دول ذات معايير أقل وضوحا في مجال حقوق الإنسان.

انقسام داخل الائتلاف الحاكم

رغم ذلك، لا يحظى هذا التوجه بإجماع سياسي داخل بلجيكا. إذ تشهد أروقة الائتلاف الحاكم نقاشا محتدما حول أفضل السبل لمعالجة الأزمة، وزيرة العدل تدفع باتجاه السماح بالإفراج المبكر عن بعض المحكومين الذين يوشكون على إنهاء مدة عقوبتهم، معتبرة أن هذا الإجراء قد يخفف الضغط بسرعة ويحد من التدهور الإنساني داخل السجون.

لكن هذا المقترح يواجه معارضة قوية من الجناح اليميني داخل الغالبية الحاكمة، الذي يرى أن أي تخفيف في العقوبات قد يبعث برسالة خاطئة للمجتمع، ويقوض ثقة المواطنين في النظام القضائي، خصوصا في ظل تصاعد المخاوف الأمنية.

انتقادات حقوقية متواصلة

من جهتها، تدين منظمات غير حكومية بلجيكية وأوروبية ما تصفه بالإفراط في استخدام الحبس الاحتياطي، معتبرة أن هذا الخيار بات يستخدم كحل سهل في ظل نقص الموارد اللازمة لتطبيق بدائل فعالة، مثل المراقبة الإلكترونية أو العقوبات المجتمعية، وترى هذه المنظمات أن الاكتظاظ الحالي ليس قدرا محتوما، بل نتيجة خيارات سياسية وقضائية تراكمت على مدى سنوات.

وتحذر هذه الجهات من أن نقل السجناء إلى الخارج قد يحل المشكلة رقميا، لكنه لا يعالج جذورها، بل قد يخلق تحديات جديدة تتعلق بمتابعة أوضاع المحتجزين وضمان حقوقهم، إضافة إلى صعوبة التواصل مع عائلاتهم ومحاميهم.

ملف الصحة النفسية في السجون

أحد أوجه الأزمة يتمثل في وجود عدد كبير من السجناء الذين يعانون اضطرابات نفسية حادة، واقترح وزير الصحة البلجيكي تعزيز خدمات الطب النفسي الجنائي لتقليل عدد هؤلاء داخل السجون، مشيرا إلى أن نحو 1100 سجين يقبعون خلف القضبان بسبب غياب مرافق مناسبة لإيوائهم وعلاجهم.

ويرى خبراء أن السجون تحولت جزئيا إلى مؤسسات إيواء قسري لمرضى نفسيين، وهو دور لا يتناسب مع طبيعتها ولا مع إمكاناتها، ويزيد من تعقيد الوضع الإنساني والأمني داخلها.

بين الحلول السريعة والأسئلة الكبرى

يطرح خيار استئجار سجون في الخارج أسئلة جوهرية حول مستقبل السياسات العقابية في أوروبا، فبين من يعتبره حلا براغماتيا وضروريا في مواجهة أزمة خانقة، ومن يراه تنازلا خطيرا عن مسؤوليات الدولة تجاه من تحتجزهم، يبقى الجدل مفتوحا.

وتؤكد الحكومة البلجيكية أن أي تعاون مع إستونيا أو غيرها سيتم في إطار احترام المعايير الأوروبية لحقوق الإنسان، وأن الهدف ليس الترحيل القسري أو التخلي عن السجناء، بل إدارة أزمة باتت تهدد استقرار النظام بأكمله.

تعود أزمة الاكتظاظ في السجون البلجيكية إلى عوامل متعددة، من بينها تشديد السياسات الجنائية خلال العقدين الماضيين، والاعتماد الواسع على الحبس الاحتياطي، إضافة إلى تأخر تنفيذ مشاريع توسيع أو تحديث البنية التحتية السجنية، وقد أدت هذه العوامل مجتمعة إلى وضع تواجه فيه بلجيكا انتقادات متكررة من هيئات أوروبية ودولية معنية بحقوق الإنسان، وفي السنوات الأخيرة، بدأت بعض الدول الأوروبية البحث عن حلول عابرة للحدود، من خلال استئجار سجون أو نقل معتقلين، في محاولة للتعامل مع الضغوط الداخلية، غير أن هذه المقاربات تظل محل جدل قانوني وأخلاقي واسع، خصوصا في ظل التزام الاتحاد الأوروبي المعلن بضمان معاملة إنسانية وكريمة لكل من يحرم من حريته.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية