الحرب في السودان.. الاغتصاب سلاح لقهر وترهيب المواطنين
الحرب في السودان.. الاغتصاب سلاح لقهر وترهيب المواطنين
بدلاً من أن تعود بالحطب اللازم للوقود في منزلها وعمل الغذاء لأسرتها الصغيرة عادت كلثوم إحدى الساكنات في مدينة الجنينة السودانية بجرح وألم نفسي لا يُمحى بعد أن تحول مشوارها إلى جحيم كما تقول، إذ اعترض طريقها أربعة من عناصر قوات الدعم السريع الذين ينتشرون في المنطقة، واقتادوها تحت تهديد السلاح تحت إحدى الأشجار وبدؤوا في اغتصابها بالتناوب.
تقول كلثوم، بصوت يعتصره الألم والخوف، إنها عاشت لحظات قاسية للغاية: "كان يوما عصيبا بالنسبة لي.. كثيرا ما سمعت من النساء عن قصص الاغتصاب التي يروينها لكنني لم أكن أتوقع يوما أن أكون أنا الضحية!"، وفق شبكة "بي بي سي".
وتابعت وهي تغالب دموعها: "كانوا وحشيين للغاية، تناوبوا على اغتصابي تحت الشجرة التي جئت لأخذ حطب منها.. أسمعوني كلمات نابية وعنصرية، وطلبوا مني مغادرة المدينة".
اضطرت كلثوم للهرب من المنطقة مع أسرتها المكونة من خمسة أطفال وزوج مريض.
تقول إنها تتلقى الرعاية الصحية في مركز متواضع في المكان الذي تقيم فيه ولكنها تؤكد أنها لن تنسى ما حدث لها وستظل ما وصفتها بوصمة العار تلاحقها مثل ظلها.
تضيف إحدى الضحايا وتدعى ابتسام -اسم مستعار- تعيش في مدينة الثورة بأم درمان والبالغة من العمر 24 عاما، إنها قبل ثلاثة أسابيع من وقت الحديث معها خرجت من المنزل للذهاب إلى منزل خالتها في الجوار.
وعند وصولها الشارع المقابل أوقفها ثلاثة عناصر من قوات الدعم السريع، التي كانت تسيطر على المنطقة.
وقالت ابتسام بصوت متهدج ومرتجف: "أوقفوني تحت تهديد السلاح وسألوني عن وجهتي. فقلت لهم أنا في طريقي لمنزل خالتي.. فقالوا لي أنت تتبعين لاستخبارات الجيش.. فأنكرت ذلك، وطلبوا مني مرافقتهم في سيارتهم".
وأضافت تقول: "حاولت الصراخ والهرب لكنهم كانوا أقوياء وهددوني بالسلاح وأجبروني على الدخول في أحد المنازل".
وتوقفت ابتسام عن الكلام في هذه النقطة لفترة طويلة من الزمن قبل أن تستأنف حديثها "في المنزل كان هنالك شخص آخر يرتدي ملابس داخلية فقط.. حاولت الهرب مرة أخرى ولكن أحدهم ضربني بقوة حتى سقطت على الأرض وهددوني بالقتل إن تحركت أو صرخت مرة أخرى".
وتتابع بمرارة: "تناوبوا علي الثلاثة لأكثر من مرة، ثم اقتادوني إلى السيارة قبل أن يلقوني في قارعة الطريق مع مغيب الشمس".
ومضت تقول: “شعرت بالقهر والخوف وبرغبة في الموت مما حدث لي.. أحسست بقهر شديد ورغبة في الانتحار لكني تماسكت وذهبت للمنزل ولم أخبر أحدا”.
"بعدها تواصلت مع صديقاتي لأحكي ما حدث لكني لم أستطع.. كتبت لي إحدى صديقاتي التي تعمل طبيبة وقالت لي إنها لن تتمكن من الوصول إلي بسبب الوضع الأمني ولا يوجد مستشفى يمكن أن أتعالج فيه، لكنها نصحتني باتباع نصائح طبية حتى أتجنب الحمل".
أشعر بالقهر
وتقول ضحية أخرى تعيش في مدينة الخرطوم إن قوة مكونة من ثلاثة عناصر من قوات الدعم السريع اقتحمت منزلهم في نحو الساعة الخامسة عصرا "كانوا مسلحين وكنت وحيدة، خرج شقيقي لتفقد الجيران والبحث عن شيء نأكله.. وعندما رأيتهم صرخت، وحاولت الهرب، إلا أن واحدا منهم أغلق الباب، ووجهوا لي أسلحتهم وطالبوني بالسكوت".
سكتتْ برهة لتكمل بصوت مخنوق: "أخذني أحدهم بالقوة إلى إحدى الغرف وطلب مني أن أستلقي على السرير، وعندما رفضت ضربني بقوة ثم هاجمني".
اغتصاب بعنف
قصة وتجربة ضحية أخرى -مثل غيرها من الضحايا ترفض التصريح باسمها الحقيقي- تسكن منطقة كافوري في مدينة بحري لا تختلف كثيرا عن بقية الناجيات إلا أنها تختلف في تفاصيل الكيفية التي وقعت فيها في قبضة قوات الدعم السريع.
كانت قوات الدعم السريع تحتفل بسيطرتها على مدينة بحري بعد مرور فترة ليست بالقصيرة على بداية الحرب.
تقول إنها وبعد قرار أسرتها مغادرة المنطقة التي باتت تحت سيطرة قوات الدعم السريع بالكامل، كانوا في سيارة صغيرة مع أفراد من العائلة.
وتضيف: "عبرنا عدة نقاط تفتيش تابعة للدعم السريع.. ولكن في إحدى هذه النقاط نظر أحد الجنود داخل السيارة وطلب مني النزول، وعندما اعترض أهلي أطلق عدة أعيرة نارية في الهواء، فخرجت من السيارة".
وتابعت: "اعترضت عائلتي على هذا المسلك فأطلق رصاصة أصابت شقيقي الأصغر في قدمه عندها تحركت السيارة من دوني".
وتشرح ما حدث بعد ذلك بالقول: "أخذني الجندي إلى أحد المنازل القريبة من نقطة التفتيش على الرغم من توسلاتي له ولضباط نقطة التفتيش.. اغتصبني بعنف لفترة قصيرة، وأثناء حديثه بالهاتف مع رفيق له سمعنا أصوات رصاص فاقتادني مرة أخرى إلى نقطة التفتيش، وأوقف إحدى السيارات المارة وطلب منهم أن يوصلوني لوجهتي".
قتل على الهوية
شهدت مدينة الجنينة، عاصمة ولاية غرب دارفور، اشتباكات عنيفة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع مثلما حدث في معظم المدن الكبرى في دارفور والعاصمة الخرطوم، غير أن أحداث العنف في الجنينة اتخذت طابعا اثنيا وشهدت قتلا على الهوية كما أكدت الأمم المتحدة التي يقول مبعوثها إلى السودان، فولكر بيرتس، إنه تلقى تقارير موثوقة تشير إلى أن القبائل العربية وقوات الدعم السريع التي يقودها الفريق محمد حمدان دقلو قد ارتكبت انتهاكات خطيرة تشمل القتل على الهوية والعنف الجنسي، قائلا إن هذه الأفعال ترقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية.
لم تكن هذه المرة الأولى التي توجه فيها أصابع الاتهام لقوات الدعم السريع بالضلوع في ارتكاب جرائم الاغتصاب، فقد اتهمت تلك القوات بارتكاب هذه الجرائم خلال مشاركتها في الحرب في إقليم دارفور في عهد الرئيس المعزول عمر البشير، كما لاحقت الاتهامات عناصر من هذه القوة -مع قوات نظامية أخرى- بالقيام باغتصاب فتيات خلال فض اعتصام المحتجين أمام قيادة الجيش في يونيو من عام 2019.
خلال الحرب المستمرة حاليا بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني في مدن العاصمة الخرطوم برز اسم قوات الدعم السريع مرة أخرى مقرونا بارتكاب عمليات اغتصاب واعتداء جنسي، وأكدت منظمات حقوقية دولية وإقليمية ومحلية ضلوع عناصر من قوات الدعم السريع في عمليات اغتصاب وعنف جنسي في مناطق سيطرتها.
وفي هذا الصدد، أكد فولكر ترك مفوض حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أن أكثر من 50 امرأة وفتاة تعرضن للعنف الجنسي والاغتصاب، وأضاف خلال إحاطة لمجلس حقوق الإنسان في يونيو الماضي أن " الجناة في جميع الحالات تقريبا كانوا من قوات الدعم السريع".
وفي مطلع شهر يوليو أكدت وحدة مكافحة العنف ضد المرأة والطفل السودانية أن عدد النساء اللائي تعرضن للاغتصاب وصل إلى نحو 90، معظمهن في الخرطوم والجنينة ونيالا.
وقالت في بيان إن معظم إفادات الضحايا والبلاغات الجنائية كانت ضد قوات الدعم السريع.
سلاح حرب
ترى الناشطة الحقوقية ومؤسسة منظمة نورا للمرأة والطفل، تهاني عباس، أن "قوات الدعم السريع تستخدم عمليات الاغتصاب سلاحا في الحرب من أجل الترويع والترهيب وكسر روح المقاومة" على حد تعبيرها.
وتضيف: "هذه القوات استخدمت سلاح الاغتصاب قبل ذلك في إقليم دارفور، والآن تعود لتستخدم السلاح ذاته في الخرطوم.. سلاح الاغتصاب هو عمل ممنهج ومقصود.. المنظمات العاملة في مجال حقوق المرأة لديها بلاغات لأكثر من خمسين حالة معظمها في العاصمة الخرطوم".
تشويه السمعة
قوات الدعم السريع، اعتبرت الاتهامات الموجه لعناصرها بارتكاب عمليات الاغتصاب بمثابة ما وصفتها بمحاولات لتشويه سمعتها، إذ يقول الناطق الرسمي والمستشار القانوني محمد المختار إن هذه القوات تلتزم بأقصى المعايير الأخلاقية في القتال. وأضاف أن "هناك حملات ممنهجة لتشويه صورة هذه القوات بعد الانتصارات العسكرية التي تحققت على الأرض، وأن تلك المزاعم مفبركة وغير صحيحة".
ولطالما كانت النساء ضحايا للحروب والنزاعات المسلحة، وتظل أكبر مخاوفهن أن يفلت المتورطون في الانتهاكات من العقاب كما جرت العادة.











