شبح المجاعة يهدد مستقبل لبنان.. 44% يعانون الفقر

شبح المجاعة يهدد مستقبل لبنان.. 44% يعانون الفقر

لبنان- بلال نور الدين

منذ نحو 5 سنوات يعاني لبنان من أزمة اقتصادية حادة، وصفت بأنها ثالث أسوأ أزمة عالمية في التاريخ الحديث، فمع تبخر الودائع من المصارف، وتضخم الأسعار، وخسارة العملة 95% من قيمتها بات الكثير من اللبنانيين دون خط الفقر، إذ أعلن البنك الدولي في تقرير نشر مؤخرا بأن ما يقارب الـ44% من الشعب اللبناني باتوا فقراء.

وكشف التقرير الذي نشر خلال شهر مايو من العام الجاري، أن معدل الفقر في منطقة عكار، التي تقع في شمال لبنان، وصل إلى حوالي 70%، كما تبين أنّ 1% من اللبنانيين حصلوا على 25% من الدخل الوطني. 

وفي المقابل، فإن 20% من الأسر الأكثر فقراً لا تحصل سوى على 6% من دخلها بالدولار، كما أن 86% من مجمل ما تحصّله ناتج من الأجور، ولم تزد نسبة الدخل بالدولار لدى أكثرية الأسر ذات الحال المتوسط على 19% من الدخل.

تضارب في الأرقام

وعن الأسباب التي تدفع البنك الدولي لإعطاء أرقام سلبية عن الفقر في لبنان، كشف الصحفي الاقتصادي عماد الشدياق، عن أن "البنك الدولي لديه أرقام ومؤشرات، بحيث يلجأ إلى وزارة الشؤون الاجتماعية ويجري استطلاعات خاصة، ويضع معايير دولية (غربية) يصنف على أساسها الفقر، أي أن معايير تصنيف الفقر في العالم العربي، تختلف عن معايير تصنيف الفقر في العالم الغربي".

وعن نسبة الـ44%، قال "الشدياق"، لـ"جسور بوست"، إن "هذا الرقم دقيق وغير دقيق في نفس الوقت، فإذا أردنا الاعتماد على أرقام مؤسسات الإحصاء اللبنانية، فالرقم قد يختلف. بحيث أن مؤسسة المعلومات الدولية  (وهي مؤسسة لبنانية) أصدرت تقريرا منذ فترة أشارت فيه إلى أن 25% من اللبناني يعيشون في فقر مدقع، والباقي من اللبنانيين هم فقراء ولكن يحصلون على مساعدات بالدولار، أي أن نسبة الأغنياء في لبنان هي 25% في حين نسبة من هم في الطبقة الوسطى تصل إلى 50%."

وفي وقت سابق، صرح وزير الشؤون الاجتماعية هيكتور حجار، بأن "نسبة الفقر متعدد الأبعاد بين اللبنانيين وصلت إلى 82 بالمائة و32 بالمئة من الناس يعيشون تحت فقر مدقع"، ويقصد بالفقر متعدد الأبعاد أي عدم القدرة على الوصول إلى عدة مجالات أساسية للفرد كالصحة، والتعليم وغير ذلك.

وحول تقييمه للرواتب التي يتقاضاها الموظفون مؤخرا، يرى "الشدياق" أن "الرواتب لم تتحسن كما يجب، فهي لم تعد كما كانت عليه ما قبل الأزمة الاقتصادية. فمثلا، من كان يتقاضى 1500 دولار ما قبل الأزمة، بات راتبه خلال الأزمة 250 دولارا، وصحيح أن الشركات والدولة رفعت رواتب الموظفين، إلا أن الرواتب ما تزال منخفضة".

 عماد الشدياق

ومع تحفظه على سياسة الحكومة في ما يخص رفع رواتب موظفي القطاع العام بسبب غياب الرؤية الصحيحة والتوظيف العشوائي، يرى "الشدياق" أن "الرواتب ما زالت أدنى من حاجة المواطنين، رغم تحسنها منذ بداية 2023".

وعن حل أزمة الفقر قال "هناك حل بسيط للحد من أزمة الفقر، ولكنه صعب في نفس الوقت، وهو بتطبيق الإصلاحات التي يطالب بها صندوق النقد الدولي، ففي حال تنفيذ تلك الإصلاحات وإعادة وضع الاقتصاد اللبناني على طريق النمو، سيعود البلد للانتعاش، وعندها تتحسن رواتب القطاع الخاص وتزداد أرباح الشركات، وكذلك فرص العمل، وهكذا تنخفض نسبة الفقر تلقائيا، حيث إن الموضوع يحتاج للمثابرة، والقليل من الوقت والعمل الجدي".

ويختم حديثه قائلا "ولكن للأسف حتى اليوم لا تزال السلطة السياسية تبين أنها غير مستعدة لفعل ذلك".

يذكر أن البنك الدولي كان قد أوضح في بيان له أن هناك "ضرورة لتعزيز شبكات الأمان الاجتماعي وخلق فرص العمل للمساعدة في التخفيف من حدة الفقر ومعالجة أوجه عدم المساواة المتنامية".

الرواتب لا تكفي 

وعن مدى كفاية الرواتب، قال رئيس الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان، كاسترو عبدالله، إن "الاتحاد يطالب بإعادة القوة الشرائية للرواتب، خاصة بعدما ذكر مركز الإحصاء أن نسبة التضخم ارتفعت بنسبة 5853% أي بما يقارب 58 مرة منذ بداية الأزمة الاقتصادية (سنة 2019).

وأضاف "عبدالله" في حديث مع "جسور بوست"، "عندما طالبنا بأن يكون الحد الأدنى للأجور ما بين 700 و800 دولار، سخر بعض المسؤولين منا، بحيث ذهبوا إلى وضع حد أدنى يصل إلى 18 مليون ليرة (200 دولار)، علما أن هذا المبلغ لم يتقاضاه كل الموظفين حتى الآن.. كما أن الموظفين لا يحصلون على منح التعليم ولا بدل النقل".

وقال عبدالله "نحن اليوم نعيش في مجاعة حقيقية، فإذا أجرينا حسبة واستثنينا إيجار المنزل والطبابة والنقل، فإن عائلة واحدة تحتاج ما بين 70 و80 مليون ليرة (750 دولارا) شهريا".

 كاسترو عبدالله

وتابع شارحا أزمات العمال، "أيضا هناك مشكلة وهي حرمان الموظفين من الضمان الاجتماعي، وكذلك الأمر لتعاونية موظفي الدولة، وصناديق التعاضد، علما أن غالبية الشعب اللبناني اليوم خارج أي حماية اجتماعية، أي ليس لديهم أي تغطية صحية، وهذا يجعل العاملين اليوميين والعاملين الذي يعملون في الاقتصاد غير المنظم ومن هم في القرى يفتقدون حقوقهم".

وأضاف "ورغم إقرار قانون الحماية الاجتماعية، فإن ذلك غير كافٍ، طالما أن الضمان الاجتماعي ما زال يحرم فئات عدة من الدخول فيه، وهذا كله يقع ضمن مسؤولية الدولة".

وعن ما يقوم به الاتحاد دعما للموظف قال "عبدالله"، "نحن كاتحاد نتظاهر دائما، ونتفاوض مع أصحاب العمل والشركات، كما نحاول الضغط في ملف الضمان الاجتماعي، ولكن نلاحظ أن هناك تآمراً على هذه  المؤسسة من الداخل والخارج لصالح شركات التأمين الخاصة، في مسعى لضرب إنجازات الحركة النقابية".

وتابع "لقد ضاعت أموال المضمونين وتعويضات نهاية الخدمة، التي وضعوها في المصارف، والدولة اليوم تحاول شطب الديون التي عليها للتنصل".

وعن المطلوب فعله لحل مشاكل العمال أوضح عبدالله، أن "على الدولة أن تقوم بواجباتها بدفع ما عليها من مستحقات، خاصة وأننا كمواطنين نقوم بواجباتنا وندفع الضرائب، ويجب العمل على استعادة الأموال المنهوبة، واستعادة الأملاك البحرية والنهرية التي تدر مليارات على خزينة الدولة، كما يجب تنظيم إجازات العمل للعمال الأجانب، كونها تدخل أموالا للدولة".

وأضاف، "يجب السعي لحل الأزمة الاقتصادية، وخلق فرص عمل للشباب، بدلا من تشجيعهم على الهجرة، فضلا عن تطبيق القوانين والتشريعات وإجراء التعديلات اللازمة على القوانين لكي تتماهى مع القوانين الدولية، لكي عندها نقول إننا نعيش في دولة فعلية".

ووفق تقرير نشرته منظمة العمل الدولية مؤخرا، فإن حوالي 47.8% من الشباب اللبناني يعانون من البطالة. 

جهود حكومية

وفي سياق السعي للتخفيف من تداعيات الفقر، تحاول الحكومة اللبنانية إيجاد برامج دعم مالي للأسر المحتاجة، حيث توفر وزارة الشؤون الاجتماعية برنامجين أحدهما يدعى برنامج أمان والآخر يسمى برنامج دعم الأسر الأكثر فقرا.

ووفق أرقام وزارة الشؤون الاجتماعية فإن 75 ألف عائلة لبنانية تستفيد من البرنامج الوطني لدعم الأسر الأكثر فقراً، في حين تستفيد حوالي 93 ألف عائلة من برنامج أمان.

وبخصوص برنامج أمان، أوضح مصدر في وزارة الشؤون الاجتماعية أن "العائلة تتقاضى 25 دولارا والفرد الواحد في العائلة يتقاضى 20 دولارا، إلى حد 6 أفراد في العائلة".

أي بحسبة بسيطة فإن سقف المساعدة المالية يصل إلى 145دولارا أمريكيا.

وقال المصدر في حديث مع "جسور بوست"، “برنامج الأسر الأكثر فقرا، كان يقدم نفس خدمات برنامج أمان، ولكن اضطررنا أن نخفض قيمة المساعدة وأن نقلل عدد الأشهر التي يتلقى فيها المستفيدون المساعدة، بسبب توقف تمويل هذا البرنامج من قبل الدول المانحة".

وبحسب التقارير، فإن الدول المانحة خفضت تمويلها من 147 مليون دولار إلى حوالي 33.9 مليون دولار.

وعن مستقبل برامج الوزارة، كشف المصدر، أن "الوزارة حاليا تعمل على توحيد برامج الدعم المالي، بحيث سيصبح هناك برنامج واحد سيعرف باسم شبكة الأمان الاجتماعي، بحيث لن يعود هناك شيء اسمه برنامج أمان أو برنامج الأسر الأكثر فقرا، ومن خلال البرنامج الموحد ستحصل الأسر على دعم مالي نقدي".

وتابع "هذا سيسمح بتجميع المعلومات في مكان واحد، بحيث لا يعود هناك فوضى تجعل الناس تستفيد بدون حق من أكثر من مكان، وكل هذا سيحدث ما بين شهري يوليو وأغسطس".

انعدام الأمن الغذائي

بدورها، وصفت المتحدثة الإعلامية باسم البرنامج العالمي الغذاء WFP، التابع للأمم المتحدة رشا أبو درغام واقع المعيشة في لبنان، قائلة، "لا يزال لبنان يواجه سلسلة من التحديات، بما في ذلك التوترات الإقليمية المتصاعدة والأزمة الاقتصادية طويلة الأمد الناجمة عن انخفاض قيمة العملة إلى مستويات قياسية، مما دفعه إلى أن يحقق ثاني أعلى معدل تضخم في أسعار المواد الغذائية على مستوى العالم".

وبحسب تقارير إعلامية، فإن معدل تضخم أسعار الغذاء ارتفع 208 في المئة خلال عام 2023.

وحول ما يفعله البرنامج لمكافحة الفقر تكشف أبو درغام في حديث مع "جسور بوست" أن "برنامج الأغذية العالمي نفذ خطة استجابة طارئة لتلبية الاحتياجات الفورية للنازحين في جنوب لبنان (بسبب الحرب) بما في ذلك توفير الوجبات الساخنة والأغذية العينية والمساعدات النقدية التي وصلت إلى أكثر من 155000 شخص متضرر منذ أكتوبر 2023 بالتنسيق مع أصحاب المصلحة الحكوميين الرئيسيين والشركاء الذين ضاعفوا نطاق وصوله في جنوب لبنان اعتباراً من منتصف فبراير".

رشا أبو درغام

وتابعت “رشا أبو درغام”، "يواصل برنامج الأغذية العالمي التعاون الوثيق مع القطاعات والشركاء الرئيسيين لمساعدة الحكومة اللبنانية في خطط الاستعداد لحالات الطوارئ، ويظل مرنًا لتكييف استجابتها مع تطور الوضع من أجل الدعوة إلى توفير الموارد لتقديم المساعدة إلى الأشخاص الأكثر تضرراً".

وكشفت عن صورة مأساوية تهدد المساعدات التي يتلقاها المحتاجون، قائلة "إن الدعم المستمر الذي يقدمه برنامج الأغذية العالمي للفئات الأكثر ضعفاً في لبنان يمر الآن بمرحلة حرجة حيث يشكل نقص التمويل تحدياً لقدرة البرنامج على مواصلة العمليات الحالية على نطاق واسع"، علما أن البرنامج توقف، خلال شهر مايو من العام الحالي، عن توفير بطاقة الدعم الغذائي لـ165 ألف فرد، بسبب ضعف التمويل.

وبحسب تقرير نشره البرنامج في شهر أبريل من العام الحالي، فإن حوالي 2.5 مليون شخص في لبنان يحتاجون لدعم غذائي. كما أن مليون شخص تلقوا مساعدة من البرنامج، بينما تم توزيع مساعدات غذائية بما يقارب 2.6 مليون دولار وتحويل مساعدات مالية للمستفيدين بقيمة 21.3 مليون دولار.

وتشمل أنشطة برنامج الأغذية العالمي توزيع الوجبات المدرسية في 185 مدرسة حكومية في جميع أنحاء لبنان، والتدخلات في مجال سبل العيش بما في ذلك دعم الشركات الغذائية والمشاريع الزراعية والتعاونيات والمزارعين.

ويتوقع البرنامج ارتفاع نسبة انعدام الأمن الغذائي في البلاد إلى 23% بحلول سبتمبر 2024. 

الفقر يهدد الأمن

بدورها، تُفند المسؤولة الإعلامية في المركز اللبناني لحقوق الإنسان سارة نصر الله، مخاطر الفقر قائلة، "عندما يرتفع مستوى الفقر في البلاد، نتيجة تدهور الحالة الاقتصادية، تبدأ الطبقة المتوسطة بالزوال وتنشأ فجوة ما بين الطبقتين المتبقيتين".

وأضافت "سارة" في حديث مع"جسور بوست"، "في لبنان، أدى هذا الارتفاع إلى زيادة في انتهاكات لحقوق الإنسان، فطالت الحق في مستوى معيشي لائق والحق في الصحة والحق في التعليم والحق في الضمان الاجتماعي والحق في السكن اللائق وغيرها من حقوق الإنسان الأساسية التي أصبحت بعيدة المنال".

سارة نصر الله

وعن تأثير الفقر على الأمن الاجتماعي، أوضحت "سارة"، أن تأثيره كبير "حيث يؤدي إلى زيادة عدد الأفراد والأسر الذين يحتاجون إلى المساعدة المالية والرعاية الصحية والإسكان والخدمات الاجتماعية الأخرى. يمكن أن يؤدي هذا الطلب المتزايد إلى إجهاد برامج وموارد الضمان الاجتماعي".

وأضافت، "ويرتبط الفقر مباشرة بارتفاع معدلات المشاكل الاجتماعية، وزيادة العبء على أنظمة الرعاية الصحية وخدمات الصحة النفسية وشبكات الدعم الاجتماعي. كما يؤدي إلى التجزؤ الاجتماعي، وزيادة معدلات الجرائم، وانهيار العلاقات المجتمعية".

وفي هذا الإطار، كشفت "سارة"، أن المركز اللبناني لحقوق الإنسان "سجل ارتفاعا في عدد المساعدات قانونية التي قدّمها بنسبة 5% بين عامي 2022 و2023، كما لوحظ ازدياد في عمليات الخطف مقابل الفدية بشكل لافت في السنتين الماضيتين".

 


 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية