دماء على أرض إسطنبول.. عنف لا يتوقف ضد النساء في ظل غياب الردع

دماء على أرض إسطنبول.. عنف لا يتوقف ضد النساء في ظل غياب الردع

يمثل العنف ضد النساء في تركيا واحدة من أكثر الأزمات إلحاحًا على الساحة الاجتماعية والحقوقية، حيث تتزايد وتيرة هذه الجرائم بشكل مخيف، فيما تشير الإحصائيات التي أصدرتها جمعية "سنوقف قتل النساء" التركية إلى أن 290 امرأة قد قُتلن منذ بداية العام وحتى سبتمبر 2024، بالإضافة إلى تسجيل أكثر من 160 حالة وفاة أخرى، صنفت على أنها انتحار أو حوادث غير مبررة. 

وتعكس هذه الأرقام تدهور الوضع الأمني والقانوني المتعلق بحماية النساء، وسط تصاعد مستمر في العنف الموجه ضدهن، ما جعل هذه الظاهرة قضية ملحة تحتاج إلى مواجهة شاملة من قبل الحكومة والمجتمع.

وسلطت الحادثة الأخيرة التي هزت مدينة إسطنبول في أكتوبر 2024، والتي شهدت جريمة قتل بشعة راح ضحيتها امرأتان بفارق زمني قدره 30 دقيقة على يد شاب يبلغ من العمر 19 عامًا، الضوء على الفجوة الكبيرة في آليات الحماية القانونية للنساء.

وأكدت السلطات التركية، أن الشاب أقدم على الانتحار بعد ارتكاب الجريمتين، حيث قُطع رأس إحدى الضحيتين في منطقة الفاتح التاريخية.

هذه الحادثة لم تكن الأولى من نوعها في تركيا، بل تكررت بشكل مقلق في الأشهر الأخيرة، ما دفع الكثيرين إلى التساؤل حول الأسباب التي أدت إلى تزايد هذه الجرائم وغياب الردع القانوني الكافي.

 

الحاجة لإصلاحات جذرية

في الأشهر السابقة لهذه الجريمة، وتحديدًا في فبراير 2024، شهدت تركيا مقتل سبع نساء في يوم واحد في أنحاء متفرقة من البلاد، هذا اليوم الأسود كان بمثابة ناقوس خطر دفع بالناشطات الحقوقيات والجمعيات النسوية إلى تنظيم احتجاجات حاشدة في مدن رئيسية مثل إسطنبول وأنقرة، مطالبات بإعادة النظر في السياسات الحكومية المتعلقة بالعنف الأسري والعنف الموجه ضد النساء.

وأكدت تلك الاحتجاجات الحاجة الماسة لإصلاحات جذرية في النظام القانوني والتشريعي، لا سيما بعد انسحاب تركيا من "اتفاقية إسطنبول" عام 2021، وهي الاتفاقية التي كانت تُلزم الحكومة باتخاذ إجراءات صارمة لمكافحة العنف ضد المرأة.

وأثار انسحاب تركيا من هذه الاتفاقية، التي صادقت عليها في عام 2011 وكانت الدولة الأولى التي وقعت عليها، جدلاً واسعًا، فقد كانت هذه الاتفاقية تهدف إلى منع ومكافحة العنف ضد النساء والعنف الأسري، وتقديم الدعم القانوني للضحايا، إلا أن الحكومة التركية بررت انسحابها بالقول إن الاتفاقية "تتناقض مع القيم الاجتماعية والدينية للبلاد"، وهو تبرير اعتبرته العديد من منظمات حقوق الإنسان وحقوق المرأة خطوة إلى الوراء في مجال حماية المرأة في تركيا.

منذ ذلك الحين، تصاعدت الجرائم ضد النساء بشكل ملحوظ، حيث تُظهر التقارير أن هناك ارتفاعًا في العنف القائم على النوع الاجتماعي منذ انسحاب تركيا من الاتفاقية.

وفقًا لإحصائيات عام 2023، قُتلت 327 امرأة، وهو عدد أقل قليلاً من العام الذي سبقه، إلا أنه لا يزال يمثل تهديدًا كبيرًا للنساء في المجتمع التركي، وكان من اللافت أن أكثر من نصف هذه الجرائم ارتكبت على أيدي شركاء سابقين أو حاليين للضحايا، ما يؤكد أن العنف المنزلي يشكل جوهر الأزمة، في معظم هذه الحالات، لم تكن هناك إجراءات وقائية كافية، حيث لم يتم تفعيل أوامر الحماية القانونية بالشكل المطلوب. العديد من النساء اللاتي قُتلن كن قد تقدمن بشكاوى إلى السلطات أو طلبن الحماية، ولكن النظام القانوني فشل في تقديم الدعم الفعلي لهن.

واحدة من أبرز القضايا التي لاقت اهتمامًا واسعًا في عام 2022 كانت قضية مقتل الشابة بينار جولتكين على يد شريكها السابق، وهي جريمة هزت الرأي العام التركي وأثارت موجة غضب عارمة. جولتكين، التي كانت طالبة جامعية، تعرضت للخنق والحرق بعد أن حاول شريكها السابق التخلص من جثتها، هذه الجريمة فتحت باب النقاش حول الإخفاقات النظامية في حماية النساء من العنف، خصوصًا أن جولتكين كانت قد أبلغت الشرطة مسبقًا عن التهديدات التي تلقتها، لكن لم يتم اتخاذ أي إجراءات وقائية فعلية.

في ظل هذا التصاعد المقلق في العنف، تعالت أصوات المجتمع المدني والمنظمات النسوية تطالب بضرورة إعادة تركيا إلى اتفاقية إسطنبول أو تبني تشريعات محلية مشابهة تقدم نفس مستوى الحماية القانونية. 

وحتى الآن، لم تظهر الحكومة التركية أي بوادر حقيقية لإعادة النظر في قرارها السابق، وركزت الحكومة على تعزيز القوانين المحلية، مشيرة إلى أن الاتفاقية الأوروبية لم تكن السبب في تصاعد العنف، ومع ذلك، فإن المعطيات على الأرض تشير إلى أن القوانين المحلية تفتقر إلى الحزم والصرامة، كما أنها تُعاني من مشاكل في التطبيق الفعلي، وهو ما جعل النساء يشعرن بأن النظام القانوني لا يوفر لهن الحماية الكافية.

تبني استراتيجيات شاملة

وفي إطار الحديث عن الحلول الممكنة لمواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة، يُلاحظ أن العديد من الناشطين يدعون إلى تبني استراتيجيات شاملة لا تقتصر فقط على العقوبات القانونية، يشير هؤلاء إلى أن جزءًا كبيرًا من المشكلة مرتبط بالثقافة المجتمعية والنظام البطريركي الذي يسيطر على كثير من جوانب الحياة في تركيا. 

وعلى الرغم من التقدم الاقتصادي الذي شهدته البلاد في العقود الأخيرة، لا تزال القيم الاجتماعية التقليدية تُعرقل التقدم في مجال المساواة بين الجنسين، العديد من الرجال في تركيا يرون في النساء ملكية خاصة، وهو ما يفسر لجوءهم إلى العنف عندما يشعرون بأنهن يسعين إلى الاستقلال أو الخروج عن أدوارهن التقليدية.

وتُظهر الأبحاث أن العوامل الاقتصادية تلعب دورًا كبيرًا في تصاعد العنف ضد النساء، النساء اللاتي يعانين من الفقر أو البطالة يكن أكثر عرضة للعنف، حيث يجدن أنفسهن مجبرات على البقاء في علاقات مؤذية بسبب الاعتماد الاقتصادي على شركائهن، هذه العلاقات القسرية تسهم في زيادة عدد الجرائم ضد النساء، حيث يعاني العديد منهن من العنف لفترات طويلة قبل أن تتفاقم الأمور إلى حد القتل.

ولا يقل الجانب النفسي أهمية في هذا السياق، حيث تشير بعض الدراسات إلى أن القتلة في كثير من الأحيان يعانون من اضطرابات نفسية لم يتم التعامل معها بشكل صحيح، في تركيا، لا يزال هناك نقص كبير في الدعم النفسي والعلاج للمصابين بأمراض عقلية، وهو ما يجعل الكثيرين يلجؤون إلى العنف كوسيلة للتعبير عن ضغوطهم الداخلية، هذا العنصر يزيد من تعقيد الصورة ويضع على عاتق الحكومة والمجتمع المدني مسؤولية أكبر في تقديم الدعم النفسي للرجال والنساء على حد سواء.

على الرغم من كل التحديات التي تواجه تركيا في هذا الصدد، لا يمكن إنكار أن هناك جهودًا مستمرة لمكافحة هذه الظاهرة، في السنوات الأخيرة، ظهرت العديد من المبادرات المجتمعية التي تسعى إلى تقديم الدعم للنساء المعرضات للعنف. 

العديد من المنظمات غير الحكومية تقدم خدمات الاستشارة والمساعدة القانونية للنساء، كما أن هناك تزايدًا في الوعي الاجتماعي بأهمية المساواة بين الجنسين. ومع ذلك، فإن هذه الجهود لا تزال بحاجة إلى دعم حكومي أكبر لكي تكون فعالة على المستوى الوطني.

أزمة متعددة الأبعاد

ويرى حقوقيون أن العنف ضد النساء في تركيا يمثل أزمة متعددة الأبعاد، تتطلب تدخلات شاملة تشمل إصلاحات قانونية، وتغييرًا ثقافيًا، وتحسينات اقتصادية ونفسية، إذا استمرت الحكومة في تجاهل هذه العوامل واكتفت بتقديم حلول سطحية، فإن أعداد الضحايا ستستمر في التصاعد، النساء في تركيا بحاجة إلى نظام قانوني قوي يحميهن، وإلى مجتمع يُقدّر قيمتهن كأفراد مستقلين يتمتعون بحقوق متساوية مع الرجال.

تاريخ طويل من التحديات 

يعود تاريخ العنف ضد المرأة في تركيا إلى عصور سحيقة، حيث كانت الأدوار الاجتماعية محددة بصرامة، وتتعرض النساء لضغوط اجتماعية واقتصادية ونفسية، ومع تأسيس الجمهورية التركية عام 1923، كانت هناك تطلعات لتحسين وضع المرأة، حيث شهدت البلاد تقدمًا كبيرًا في حقوق المرأة مقارنة بالعصور السابقة، بما في ذلك منحها حق التصويت في عام 1930، ومساواتها قانونيًا في عدة مجالات. لكن رغم هذه التحسينات القانونية، ظل العنف ضد المرأة مسألة عميقة الجذور.

وخلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، زاد وعي المجتمع التركي بمسألة العنف ضد المرأة، تأثر هذا الوعي بحركات نسوية عالمية، وبدأت النساء في تركيا بالتعبير عن معاناتهن والمطالبة بتغييرات اجتماعية وقانونية، كانت هذه الفترة تمثل نقطة تحول مهمة حيث ظهرت منظمات نسوية جديدة تنادي بحقوق المرأة، من بينها جهود تهدف إلى زيادة الحماية القانونية من العنف المنزلي.

ومع بداية الألفية الثالثة، أصبحت قضية العنف ضد النساء في تركيا محط اهتمام دولي، في عام 2011، صادقت تركيا على اتفاقية إسطنبول، وهي أول اتفاقية دولية تهدف إلى مكافحة العنف ضد المرأة والعنف المنزلي.

تدابير صارمة لمكافحة العنف

كانت تركيا الدولة الأولى التي وقعت على هذه الاتفاقية، واعتُبر ذلك إنجازًا كبيرًا في جهود تحسين وضع المرأة، وكانت الاتفاقية تُلزم الحكومة باتخاذ تدابير صارمة لمكافحة العنف، بما في ذلك إنشاء مراكز دعم وحماية للنساء المعرضات للخطر، بالإضافة إلى تحسين استجابة السلطات القانونية والقضائية في التعامل مع هذه القضايا.

وفي عام 2021، جاء قرار الحكومة التركية بالانسحاب من اتفاقية إسطنبول، مما أثار غضبًا واسعًا داخل البلاد وخارجها، رأت الكثير من المنظمات الحقوقية أن هذا الانسحاب يمثل تراجعًا خطيرًا في حماية حقوق المرأة، خاصة مع تصاعد معدلات العنف ضد النساء في تركيا. 

وبررت الحكومة قرارها بأن الاتفاقية لا تتناسب مع القيم الاجتماعية والثقافية للبلاد، مما زاد من تعقيد النقاش حول هذه القضية.

تشير الإحصائيات الحديثة إلى تصاعد كبير في العنف ضد النساء، حيث تُسجل مئات الجرائم سنويًا. العديد من النساء يواجهن خطر القتل على أيدي شركائهن أو أفراد من أسرهن، رغم وجود قوانين تهدف إلى حماية المرأة، فإن التنفيذ الفعلي لها يعاني من العديد من الثغرات، خصوصًا في المناطق الريفية، حيث تكون النساء أكثر عرضة للعنف بسبب التقاليد الاجتماعية.

في المقابل، تستمر الجهود الحكومية، لكنها لم تتمكن بعد من كبح جماح هذه الظاهرة بشكل فعّال، المجتمع التركي اليوم يقف عند مفترق طرق، حيث تتصادم القوى المحافظة التي تسعى للحفاظ على التقاليد مع الدعوات المتزايدة لحقوق المرأة والمساواة.

انتهاك صارخ لحقوق الإنسان

قال الحقوقي البحريني علي بن زايد، إن العنف ضد المرأة في تركيا، وخاصة جرائم القتل التي ترتكب ضد النساء، هو انتهاك صارخ لحقوق الإنسان ويثير قلقًا عميقًا على المستوى الحقوقي، هذه الجرائم لا تمثل فقط انتهاكًا لحقوق الأفراد الأساسية مثل الحق في الحياة، والحق في الأمان الشخصي، بل هي أيضًا انعكاس لفشل الأنظمة القانونية والاجتماعية في حماية النساء وتأمين بيئة خالية من العنف والتمييز.

وتابع علي بن زايد، في تصريحات لـ"جسور بوست"، من المهم الإشارة إلى أن حماية المرأة من العنف، بما في ذلك القتل، هي من الحقوق التي تم التأكيد عليها في عدة صكوك دولية، مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي ينص في المادة 3 على أن "لكل فرد الحق في الحياة والحرية والأمان الشخصي"، هذا الحق لا يتم تنفيذه بشكل فعّال في تركيا، حيث يتزايد عدد الجرائم ضد النساء دون أن تكون هناك استجابة قانونية قوية تكفي لردع هذه الظاهرة.

وقال إن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة التي تُعتبر تركيا طرفًا فيها، تشدد على أهمية اتخاذ تدابير فعالة لحماية النساء من العنف ومع أن تركيا صادقت على هذه الاتفاقية والتزمت بموجبها باتخاذ خطوات لضمان حماية النساء من العنف، فإن الواقع يشير إلى فشل في التنفيذ الجهود المبذولة غير كافية، وهو ما يتجلى في انسحاب تركيا عام 2021 من اتفاقية إسطنبول، وهي إحدى أهم الاتفاقيات الدولية التي تركز على منع العنف ضد المرأة والعنف الأسري هذا القرار مثّل تراجعًا خطيرًا على مستوى الالتزام الدولي بحماية حقوق النساء في تركيا.

وأشار إلى أن البيانات والإحصاءات تدعم هذا القلق الحقوقي، والسبب الأساسي وراء هذا الوضع الخطير يكمن في الثقافة المجتمعية التي تهمّش حقوق النساء وتعزز مفهوم الشرف والتقاليد باعتبارهما ذريعة لتبرير العنف ضد المرأة، هذا النوع من الثقافة يعيق التقدم القانوني ويضعف من تأثير القوانين التي تحاول التصدي لهذه الظاهرة، النساء في تركيا، خاصة في المناطق الريفية، ما زلن يواجهن ظروفًا اجتماعية واقتصادية تجعلهن عرضة لمزيد من العنف.

وانتقد خبير حقوق الإنسان الانسحاب من اتفاقية إسطنبول، مؤكدًا على أنه لم يكن مجرد خطوة رمزية، بل هو تعبير عن موقف سياسي واجتماعي يتجاهل المعايير الدولية، هذا الانسحاب، بالإضافة إلى قصور التنفيذ المحلي للقوانين، يجعل تركيا تنتهك التزاماتها الحقوقية التي تعهدت بها على الساحة الدولية، يتعين على تركيا، كدولة موقعة على العديد من الاتفاقيات الدولية، أن تتخذ خطوات جادة وفورية لحماية النساء من العنف.

وأتم، يجب على الحكومة إعادة النظر في موقفها من اتفاقية إسطنبول، وتطوير آليات قانونية واجتماعية فعّالة تضمن تطبيق القوانين المتعلقة بالعنف ضد المرأة هذه الخطوات يجب أن تشمل زيادة التوعية المجتمعية وتوفير حماية حقيقية للنساء، بالإضافة إلى تدريب الشرطة والقضاء للتعامل مع قضايا العنف بشكل حساس وفعّال، الفشل في تحقيق ذلك يعكس استمرارًا في إهمال حقوق النساء ويزيد من تعميق أزمة العنف.

تحديات دولية ومسؤولية

وفي السياق القانوني، قال خبير القانون الدولي، مصطفى سعداوي، إن قول الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن جرائم العنف ضد النساء إنها وصمة عار على جبين الإنسانية تعبير يعكس اهتمام المؤسسات الدولية بمعالجة هذه الظاهرة وتقديرها على أساس خطورتها البالغة، العنف ضد المرأة لا يقتصر على الجانب الجنسي فقط، بل يمتد ليشمل كافة أشكال العنف، ما يستدعي مواجهة شاملة عبر تشريعات قانونية تكفل حماية المرأة، خاصة عندما يصل الأمر إلى التهديد بأحد أبسط حقوقها وهو الحق في الحياة.

وتابع سعداوي، في تصريحات لـ"جسور بوست"، مع تطور المجتمعات الإنسانية في مختلف أنحاء العالم، أصبحت قضية العنف ضد النساء تحظى باهتمام متزايد على المستويين العالمي والإقليمي، تتزايد الاعتداءات ضد النساء، مما أدى إلى صدور العديد من الصكوك الدولية التي تحظر كافة أشكال التمييز، الاتفاقيات الدولية جاءت لتعزز المساواة بين الجنسين، تلك المساواة التي تقوم على النوع الاجتماعي وتدعو إلى إنهاء أي نوع من التمييز أو التفرقة بين الرجال والنساء وعليه، حظيت المرأة باهتمام تشريعي واسع، حيث وضعت القوانين لضمان الحماية القانونية لها.

وأضاف، أنه على سبيل المثال، في عام 2016، قام المشرع الألماني بتجريم التحرش الجنسي في المادة 184، بينما جرم المشرع الإيطالي التحرش في المادة 609، وفي فرنسا نصت المادة 222 على العقوبات المتعلقة بالتحرش وفي مصر، نصت المادة 306 والمادة 306 مكرر من القانون على تجريم التحرش الجنسي بشكل صارم، إلى جانب تجريم كافة أشكال العنف ضد المرأة، بما في ذلك تشويه الأعضاء التناسلية (ختان الإناث).

وأشار الخبير الدولي إلى أن الصدى الدولي لهذه الجرائم دفع المجتمع الدولي إلى تبني عدة اتفاقيات، منها ما وقعت عليه تركيا والدول الأوروبية، حيث تعد تركيا من الدول التي استضافت أهم اتفاقيات مناهضة العنف ضد النساء، وهي اتفاقية إسطنبول التي تم توقيعها عام 2011 وكانت تركيا أول دولة توقع على هذه الاتفاقية، التي جاءت بعد إعلان فيينا عام 1993 والذي أكد المساواة بين الجنسين وحماية حقوق النساء من أي تمييز أو عنف، كما شكل إعلان فيينا نقطة انطلاق للتوصية رقم 19 الصادرة في 1992، التي دعت إلى القضاء على جميع أشكال التمييز ضد النساء، سواء كان هذا التمييز جسديًا أو نفسيًا أو جنسيًا أو حتى مجرد تهديد بالعنف التوصية رقم 19 أسست قاعدة قانونية لحماية المرأة في المجتمع الدولي، وأكدت ضرورة مواجهة العنف ضد النساء بكافة أشكاله.

قضايا العنف ضد المرأة

وشدد سعداوي، على أن من أبرز الخطوات الدولية التي تلت إعلان فيينا، كان مؤتمر القاهرة للسكان والتنمية عام 1994، يليه مؤتمر بكين عام 1995، حيث تم التركيز على قضايا العنف ضد المرأة وحقوقها أما اتفاقية إسطنبول، التي وُقعت في أبريل 2011 ودخلت حيز التنفيذ في 2014، فقد اعترفت الدول الموقعة عليها بالحاجة إلى مواجهة العنف النفسي والجسدي والجنسي، بالإضافة إلى القضايا المرتبطة مثل الاضطهاد وتشويه الأعضاء التناسلية والزواج القسري والإجهاض والتعقيم القسري.

واستطرد، أحد أهم المبادئ التي أكدتها هذه الاتفاقية هو عدم قبول أي مبررات ثقافية أو تقليدية أو متعلقة بالشرف لتبرير العنف ضد النساء وتمت مطالبة الدول الأعضاء بالالتزام بتشريعات قادرة على مواجهة هذه الجرائم بشكل فعال. تركيا، على الرغم من كونها أول دولة توقع على الاتفاقية، انسحبت لاحقًا منها، مما أثار انتقادات واسعة، ولكن لا يزال يتعين على الدولة الالتزام بالمعايير الدولية في مواجهة العنف ضد النساء، من جهة أخرى، فإن لجان الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان تراقب تنفيذ هذه الاتفاقيات بين الدول الأعضاء وبهذا يمكن تقديم شكاوى دولية، مثل اللجوء إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، لمحاسبة الدول التي تتقاعس عن مواجهة جرائم العنف ضد النساء، بما في ذلك تركيا.

وأتم، من المهم الإشارة إلى أن تركيا، باعتبارها دولة ذات أغلبية إسلامية، يجب أن تتماشى تشريعاتها مع القيم الإسلامية التي تُكرم المرأة وتضمن حقوقها بشكل واضح وصريح. الشريعة الإسلامية، بنصوصها الثابتة، تكفل للمرأة حقوقها الكاملة، ولا تقبل أي اجتهادات تنتقص من هذه الحقوق.

 



ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية