"حوار دون اعتذار".. فرنسا تتجاهل مجازر بعثة "فوليت-شانوان" في النيجر

"حوار دون اعتذار".. فرنسا تتجاهل مجازر بعثة "فوليت-شانوان" في النيجر
علما فرنسا والنيجر

فتحت فرنسا بابًا محدودًا للحوار مع النيجر بشأن واحدة من أكثر الصفحات دموية في تاريخها الاستعماري، دون أن تذهب إلى حد الاعتراف بالمسؤولية القانونية أو الأخلاقية عن المجازر التي ارتُكبت أواخر القرن التاسع عشر بحق مجتمعات إفريقية ما تزال تطالب حتى اليوم بالعدالة، والاعتراف، وجبر الضرر.

في وثيقة رسمية اطّلعت عليها "الغارديان"، اليوم الثلاثاء، أبدت الحكومة الفرنسية "انفتاحًا على الحوار الثنائي مع السلطات النيجرية"، لكنها امتنعت عن أي اعتراف مباشر بجرائم بعثة فوليت-شانوان الفرنسية.

واجتاحت بعثة فوليت-شانوان النيجر عام 1899، وأحرقت قرىً، وقتلت الآلاف، ونهبت موارد وممتلكات ثقافية لا تزال آثارها معروضة في متاحف فرنسية حتى اليوم.

رد رسمي لا يعترف ولا ينكر

جاء رد باريس على رسالة وجهها قبل شهرين المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحماية حقوق الإنسان من انتهاكات الاستعمار، البروفيسور برنارد دوهايم، الذي تلقى شكاوى من أربع مجتمعات نيجريّة تمثل أحفاد ضحايا تلك الحملة.

ووفقًا لما نشرته الصحيفة البريطانية، جاء في ردّ البعثة الفرنسية لدى الأمم المتحدة: "لا تزال فرنسا منفتحة على أي تعاون يتعلق بأبحاث المنشأ أو التعاون في مجال التراث"، دون أن تتطرق إلى مطلب الاعتراف أو تعويض المجتمعات المتضررة.

واستند الموقف الرسمي الفرنسي إلى مبدأ "عدم رجعية القانون الدولي"، مشيرًا إلى أن معظم المعاهدات التي تنظم مسؤولية الدول عن الجرائم ضد الإنسانية لم تكن مطبقة في تلك الفترة.

لكن خبراء القانون الدولي يشيرون إلى أن انتهاكات واسعة النطاق بحق المدنيين، كالقتل الجماعي والنهب، تشكل أساسًا كافيًا للبحث في مسؤوليات الدولة الأخلاقية والسياسية، خصوصًا حين تكون موثقة في الأرشيف العسكري الفرنسي.

مجازر بلا ذاكرة

في عام 1899، قاد القبطانان الفرنسيان بول فوليت وجوليان شانوان حملة عسكرية عبر النيجر الحالية، في محاولة لربط المستعمرات الفرنسية من الساحل الأطلسي إلى تشاد.. في الطريق، قتل جنودهم الآلاف، ونهبوا المؤن، ودمّروا قرى بأكملها، وأعدموا الأهالي رمياً بالرصاص، وعلّقوا الجثث على مداخل القرى لبثّ الذعر.

وفي بيرني نكوني وحدها، قُتل نحو 400 شخص في يوم واحد، بحسب روايات مؤرخين نيجريين أكّدتها تقارير "الغارديان"، وقد هُجّرت مجتمعات بكاملها، وبعض الناجين فرّوا إلى نيجيريا المجاورة ولم يعودوا قط.

لكن هذه الصفحة المروّعة من التاريخ، بحسب خبراء، لا تزال مغيّبة من المناهج المدرسية الفرنسية، ومبهمة في الكتب التعليمية بالنيجر، ما يُظهر استمرار الإنكار المؤسساتي والسكوت عن الجريمة.

القبور الجماعية لا تزال موجودة

في مقابلاتها، نقلت "الغارديان" عن المحامية البريطانية السنغالية جيليا ساني، التي تعمل مع المجتمعات المتضررة، قولها: "القبور الجماعية لا تزال موجودة، لكن لا شيء يُخلّد ذكرى الضحايا".

وأضافت أن الأدلة على المجازر مستقاة من أرشيف فوليت نفسه، إضافة إلى شهادات مؤرخين محليين، وأنه حان الوقت للوصول إلى الأرشيفات الرسمية لكشف المدى الكامل للجرائم.

من جهته، عدّ حسيني طاهر أمادو، معلم التاريخ الذي بدأ حملة المطالبة بالعدالة منذ 2014، "الاعتراف العلني بالفظائع سيكون الخطوة الأولى في الطريق نحو جبر الضرر"، وتابع: "خلال هذه الجرائم، نُهبت ممتلكات ثقافية قيّمة.. يجب أن تُعاد".

بين العدالة التاريخية والإنكار

تأتي هذه الدعوات في سياق مراجعة أوسع لتاريخ الاستعمار الفرنسي في أفريقيا، ففي السنوات الأخيرة، أقرّت باريس بمسؤوليتها عن الإبادة الجماعية في رواندا (2021)، واعتذرت عن مجازر سطيف في الجزائر (2022)، وانتفاضة مدغشقر (2023)، لكن ملف النيجر لا يزال منسيًا، وغائبًا عن الخطاب السياسي الفرنسي، ما يجعله محورًا جديدًا للمطالبة بالمحاسبة وجبر الضرر.

ويرى متابعون، مثل الباحثة ميمونة با في تحليل لها نشره "إفريقيا ريبورت" في يونيو الماضي، أن هذه القضية تمثل "اختبارًا حقيقيًا لالتزامات فرنسا تجاه العدالة التاريخية، ولا يمكن تجاوزها بالتصريحات الرمزية فقط".

وتشير الوقائع إلى أن التململ الشعبي في النيجر لم يعد يحتمل التجاهل، فمنذ الانقلاب العسكري في 2023، انسحب الجيش الفرنسي من البلاد، وترافق ذلك مع حملات رمزية لتغيير أسماء الشوارع التي تحمل رموزًا استعمارية، كما أعلنت الحكومة النيجرية نيتها تأميم منجم اليورانيوم الذي تديره شركة "أورانو" الفرنسية، كما نقلت "رويترز، في يونيو الماضي.

 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية