1320 اعتداءً خلال 2025.. ماكرون يدعو إلى تعبئة وطنية ضد معاداة السامية في فرنسا

1320 اعتداءً خلال 2025.. ماكرون يدعو إلى تعبئة وطنية ضد معاداة السامية في فرنسا
احتجاجات ضد معاداة السامية في فرنسا

تجدد الجدل في فرنسا حول تصاعد معاداة السامية بعد صدور بيانات حكومية أظهرت أن الاعتداءات المعادية لليهود لا تزال عند مستويات مرتفعة، رغم تسجيل انخفاض نسبي خلال عام 2025، في مشهد يثير قلقاً عميقاً بشأن مستقبل التعايش في بلد طالما عدّ نفسه نموذجاً للعلمانية والانفتاح.

وذكرت إذاعة مونت كارلو السبت نقلاً عن تقرير أصدرته وزارة الداخلية الفرنسية أن فرنسا سجلت 1320 عملاً معادياً للسامية خلال 2025، وهو ما يمثل 53 بالمئة من مجمل الوقائع المعادية للأديان المسجلة في البلاد خلال العام ذاته.

أرقام تعكس أزمة مستمرة

بحسب التقرير الرسمي، فإن عدد الحوادث المعادية لليهود انخفض بنسبة 16 بالمئة مقارنة بالعام السابق، إلا أن وزارة الداخلية أكدت أن هذه الوقائع ما تزال عند مستويات وصفتها بأنها مرتفعة بشكل غير مسبوق للعام الثالث على التوالي.

ويعني ذلك أن التراجع النسبي لم يبدد المخاوف، بل كشف عن استمرار مناخ متوتر تعيشه الجالية اليهودية في فرنسا، وهي الكبرى في أوروبا من حيث العدد، ويشمل مفهوم الأعمال المعادية للسامية الاعتداءات الجسدية والتهديدات والتخريب والرسائل التحريضية سواء في الفضاء العام أو عبر الإنترنت.

تداعيات حرب غزة

تأتي هذه الأرقام في سياق دولي حساس أعقب هجوم حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023 وما تبعه من حرب في قطاع غزة، وهي أحداث ألقت بظلالها على المجتمعات الأوروبية، حيث سجلت عدة دول ارتفاعا في حوادث الكراهية المرتبطة بالصراع.

في فرنسا التي تضم جاليات يهودية ومسلمة كبيرة، انعكس التوتر الخارجي على الداخل، وازدادت حدة النقاشات حول حدود حرية التعبير وخطاب الكراهية، إضافة إلى دور المنصات الرقمية في نشر محتوى تحريضي.

ماكرون يدعو إلى تعبئة شاملة

في هذا السياق، دعا الرئيس إيمانويل ماكرون إلى تكثيف جهود مكافحة معاداة السامية، مؤكداً أن مواجهة الظاهرة تتطلب تعبئة جماعية تبدأ من المدارس ولا تنتهي عند النظام القضائي والمسؤولين المنتخبين.

وجاءت تصريحات ماكرون خلال مراسم إحياء الذكرى 20 لوفاة إيلان حليمي، الشاب اليهودي الذي كان يبلغ 23 عاماً عندما تعرض للخطف والتعذيب لمدة 24 يوماً قبل أن يفارق الحياة في 2006، في جريمة هزت الرأي العام الفرنسي آنذاك. وقد حكم في 2009 على زعيم العصابة المسؤولة عن الجريمة بالسجن المؤبد.

استحضار هذه الذكرى شكل رسالة رمزية قوية مفادها أن معاداة السامية ليست ظاهرة جديدة في فرنسا، لكنها تعود اليوم في سياق مختلف يتداخل فيه السياسي بالاجتماعي والرقمي.

سم الكراهية عبر الإنترنت

انتقد ماكرون ما وصفه بسم الكراهية عبر الإنترنت، داعياً المفوضية الأوروبية إلى اتخاذ إجراءات حازمة لمحاسبة المنصات الإلكترونية الكبرى التي تسمح بانتشار محتوى يحرض على العداء والعنصرية.

وأكد أن حرية التعبير في فرنسا لا يمكن أن تكون غطاءً لمعاداة السامية أو العنصرية، مشدداً على أن قيم الجمهورية تضع حدوداً واضحة لأي خطاب يمس كرامة الإنسان أو يحرض على الكراهية.

وتشير تقارير رسمية إلى أن جزءاً متزايداً من الوقائع المسجلة يرتبط بالفضاء الرقمي، حيث تنتشر نظريات المؤامرة وخطابات التحريض بسرعة، ما يصعب مهمة السلطات في الضبط والملاحقة القانونية.

مخاوف داخل الجالية اليهودية

داخل الأوساط اليهودية، يعكس استمرار ارتفاع الحوادث شعوراً بعدم الأمان لدى كثيرين، خاصة في المدن الكبرى، وقد دفعت موجات سابقة من الاعتداءات بعض العائلات إلى التفكير في الهجرة أو تعزيز الإجراءات الأمنية حول المدارس والمعابد.

وترى منظمات مدنية أن الأرقام الرسمية تمثل فقط الجزء المعلن من المشكلة، إذ قد يتردد بعض الضحايا في تقديم شكاوى، إما خوفاً أو لعدم الثقة في جدوى الإجراءات.

في المقابل، تؤكد الحكومة أنها عززت الموارد المخصصة لحماية المواقع الدينية والتعليمية، وشددت العقوبات على جرائم الكراهية، فضلاً عن إطلاق برامج توعية في المدارس لتعزيز ثقافة التسامح.

تعد فرنسا موطناً لأكبر جالية يهودية في أوروبا، ويقدر عدد أفرادها بنحو 500 ألف شخص، يعيش معظمهم في باريس وضواحيها ومدن كبرى أخرى. ومنذ مطلع الألفية، شهدت البلاد سلسلة من الحوادث المعادية للسامية، منها اعتداءات دامية أثارت صدمة وطنية ودفعـت الحكومات المتعاقبة إلى اعتماد خطط خاصة لمكافحة الكراهية الدينية.

يعتمد النظام القانوني الفرنسي على مبدأ العلمانية الذي يفصل بين الدين والدولة، لكنه يجرم في الوقت نفسه التحريض على الكراهية والتمييز والعنف على أساس العرق أو الدين، ومع تصاعد التوترات الدولية، خاصة بعد أحداث 7 أكتوبر 2023 والحرب في غزة، شهدت فرنسا، كما غيرها من الدول الأوروبية، ارتفاعاً في الحوادث المرتبطة بالاستقطاب السياسي والديني.

وتشير دراسات اجتماعية إلى أن العوامل المؤثرة في تصاعد معاداة السامية تشمل انتشار خطاب الكراهية عبر الإنترنت، وتأثير النزاعات الخارجية في المجتمعات المحلية، إضافة إلى تنامي بعض التيارات المتطرفة سواء من اليمين المتشدد أو من خلفيات أخرى، وفي مواجهة ذلك، تراهن السلطات الفرنسية على مزيج من التشريعات الصارمة والتوعية التربوية والتعاون الأوروبي لمكافحة المحتوى المتطرف، في محاولة لحماية نموذج التعايش الذي يشكل أحد أعمدة الهوية الجمهورية.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية